السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وكأنه قدر دائم علي الغلابة أن تدفع الثمن أن تتذوق مرارة المعيشة وقسوة الظروف أثناء حياتها وأثناء خاتمتها ..دائما وابدا يكون البسطاء هم أتعس الناس حظا في دنياهم وتكون ميتهم قاسية مميتة صعبة تشكو أرواحهم الي بارئها إهمال المسئولين واستهتارهم وكأن أرواحهم بلا ثمن او مجانية لا تستحق حتي الدموع .
قطار الموت او العياط سابقا ليس الأول ولن يكون الأخير في ملف حوادث القطار المتخم بالماسي والكوارث التي قضت علي صفحاته ويا ليتنا نتعلم من أخطائنا فقطار الصعيد ومن بعده قليوب ومن قبله كفر الدوار ليسوا بعيدين ، دماء سالت وأرواح زهقت وأبرياء لقوا حتفهم علي قضبان الموت لا لشئ جنوه سوا انهم ظنوا انها وسائل مواصلات ادمية بدلا من ان تنقلهم الي بيوتهم وأهليهم كانت أسرع في ان تنقلهم الي آخرتهم .
و امام مشرحة زينهم حيث لقي 18 ضحية مصرعهم المتوفون من البسطاء و"الارزقيه" الذين لا يملكون ثمن "السرفيس" ففضلوا ركوب القطار القشاش لانه ارخص بقروش قليلة ..كانوا قد انتهوا من عمل يوم شاق والفرحة تعلوهم بالجنيهات المعدودة التي تسد جوع أهليهم وذويهم ولكن كان الموت أسرع ليحصد أرواحهم وتتحول الفرحة الي صرخات وعويل في لحظات معدودة.
وراء كل ضحية قصة إنسانية وحكاية تنهمر معها شلالات الحزن والآسي تدفعك للتعاطف تجبرك علي اليقظة والإيمان بأن العمرة لحظة الا انها لن تزحزح أي مسئول عن كرسيه الذي تشبث فيه بيديه وأسنانه ولن يتركه حتي آخر نفس في حياته.
صدعونا بقولهم ..المصري اللي علي حق ..يقول للغلط له ..ولكن هل طبقها كل مسئول بهيئة السكة الحديدية ؟ ومن يدفع ثمن الغلط الذي أدمنوه وراح ضحيته البسطاء ..هل فكر كل مسئول ان يترك مكتبه الوثير المكيف وسيجاره الفخم ويقرر النزول لركوب أحد تلك القطارات المتهالكة التي عفا عليها الزمن وأصبحت غير صالحة للاستهلاك الآدمي رغم تخصيص مليارات الجنيهات من جيوبنا وضرائبنا من أجل تطوير السكة الحديد ولكن أين هذا التطوير ؟ هل ستكون النهاية حفلة شواء جماعي كما حدث في قطار الصعيد أم أجسام متمزقة وأشلاء جثث غير واضحة المعالم كما حدث في باقي الحوادث .
من يساعد أسرة جمالات التي اعتادت علي إعداد العيش الفلاحي في " فرن بيتها " وتذهب لبيعها في احد الأسواق بالجيزة لتعول بالجنيهات البسيطة التي تكسبها زوجها المريض وأحفادها اليتامي التي راح أبوهم وهو ابنها عن دنيانا منذ شهر تقريبا ..وكأنها اشتاقت إليه لا تقوي علي فراقه فلم تتحمل قسوة الدنيا ولحقت بابنها في دار أفضل .
جمالات استيقظت مبكرا كعادتها ذهبت الي زوجها لتوقظه لصلاة الفجر ثم أسرعت لتلقي نظرة الوداع علي أحفادها واحتضنتهم بقوة وأوصت زوجها خيرا بهم " مالكش بركة الا باليتامي " ثم تركت له 10 جنيهات كي يشتري بهم طعام الإفطار له ولهم ثم ألقت السلام عليه مسرعة لتلحق بالسوق .
وتقضي يوما شاق ومرهقا ولكن التعب سرعان ما تحل مكانه الفرحة بعد أن باعت حصيلة الخبز الذي بحوزتها وعادت لتستقل القطار وقد أحضرت بعض الفاكهة لأحفادها الذين انتظروا علي أحر من الجمر..ولكن جمالات لم تعد فبعد حادث ارتطام قطار العياط بالجاموسة توقف القطار فجأة أسرع عدد كبير من ركاب العربة الي الامام لمعرفة أسباب الارتطام الا ان أرهاق السيدة العجوز وضعف صحتها لم يجعلها قادرة علي الحراك ليأتي قطار الموت الثاني ليحيلها الي أشلاء امتزجت بفاكهة الأحفاد الذين لم يذوقوها ولن يذوقوها .
مأساة سيد لم تختلف كثيرا عن مأساة جمالات فالعامل البسيط الذي لم يتجاوز عمره بعد الخامسة والخمسين أعتاد أن يستقل هذا القطار غير الآدمي كي يذهب الي مقر عمله بالعياط ..الفرحة تعلو وجهه خاصة وأنه يستعد لتزويج ابنه الجمعة المقبلة ..عكف في الفترة الأخيرة علي أن يبذل جهدا مضاعفا كي يشتري مستلزمات العرس واحتياجاته ..العبء ثقيل ولكن ما أجمل الفرحة فانتظار الحفيد لدي سيد فرحة لا تقدر بثمن .
وقد انتهي الأب من عمله وعاد مسرعا الي أولاده الذين اعتادوا علي سماع صوت طرقاته المميزة ليصيح أصغرهم فرحا " بابا جه " بينما يتمني العريس عودته سريعا حتي يستكمل معه الاستعداد ليوم الفرحة ألكبري ولكن لم يأتي الطارق السعيد بعد ..الباب لا يزال موصدا والقلق بدأ يتسرب الي القلوب ..لم يكن سيد يمتلك محمولا حتي يستطيع ابنائه الاطمئنان عليه فبالكاد مرتبه البسيط يكفيهم قوت يومهم ..حتي علم ابناه بالخبر القاتل الذي نزل عليهم كالصاعقة فأسرع " العريس الحزين " ليلقي نظرة الوداع علي جثمان والده لا يصدق أن الفرحة عمرها قصير جدا وكأنه قدر علي الغلابة إلا يفرحوا أبدا .
جمالات وسيد و16 ضحية آخرين دمهم في رقبة المسولين الذين ألقوا بالمسئولية علي الجاموسة القاتلة لانها تسببت في تعطيل القطار ولم تخبر سائق القطار الثاني ان عطل أصاب القطار الاول لمدة 35 دقيقة وكأن علي الجاموسة التي راحت هي الاخري ضحية للحادث أن تحاكم بتهمة القتل العمد .
الغريب أن صاحب الجاموسة فلاح يعاني من اضطراب عقلي واضح كانت هي بمثابة ثروته وعائله الوحيد ..لذا لميصدق نفسه أن " جاموسته " قد مسها السوء وزهقت روحها ففي ثواني أفلت الحبل منها فأسرعت الي قضبان السكك الحديدية لتغتالها عجلة القطار وتكون الضحية 18 من الأبرياء ..هل علمت نتائج حملة " المصري اللي علي حق .. يقول للجاموسة لا ؟