كثيرة هي القصص و الحكايات التي تروي لنا عصامية المبدعين في مجالات الحياة المختلفة . و بطل أقصوصتنا هذه شاب في بحر الأربعين, صنع جذور مجده من قريته الصغيرة التي تقبع في جنوب غرب المملكة .
و بحكم تجارته و أعماله الخاصة , و وجود والدته معه في إحدى المدن الكبيرة فإنه لا يزور قريته إلا في الفترات النادرة .
و بعد أن غشيت وسائل التواصل الإجتماعي قريته , عثر أحد شباب القرية على حساب له في التويتر و أخذ يتواصل معه , و أقترح عليه الشاب أن يأتي إلى ديرته و مهد عشيرته , ليلقي على الشبيبة هناك محاضرة , تكون بمثابة الخارطة الذهبية التي تدل الشباب على طرق و منافذ النجاح التي سلكها في حياته . و قد وافق بحماس شديد على الفكرة , و لكنه طلب من الشاب أن يكتب له تقريراً عن كيف يقضي شباب القرية أوقاتهم , و عن أحوال من امتطى منهم صهوة الوظيفة. و اتفق معه أن يرسل التقرير إليه قبل أسبوع من سفره إلى القرية, و قد أرسل الشاب ما طلب منه رجل الأعمال فعله.
و في الموعد المحدد استقبل الشاب مع بعض أبناء القرية رجل الأعمال في المطار , و أخذوا يتبادلون شجون الحديث على طول الطريق الموصل للقرية بعد أن تبادلوا عبارات التحايا و الترحاب و السؤال عن الحال, و قد كان رجل الأعمال يوضح للشباب كيف كانت معالم الأمكنة في مدن و قرى الجنوب قبل عقود من الزمن , و كيف صارت الآن على ما هي عليه من تطور و تقدم , و بين فينة و أخرى يرسل ابن الأربعين الزفرات الحرى , و كأنها أتون بركان على وشك الإنفجار , و يردف قائلاً لهم بنظرات حادة ناقمة على الواقع: ينقصنا العقول المنتجة , فقد مللنا من العقول المستهلكة.
و تحين ساعة اللقاء بين رجل العمال و أبناء قريته , و يتم التعارف بينهم , و يعتلي منبر الحفل قائلاً لهم بعد حمد الله و الصلاة على رسوله الكريم : أتيت إليكم ليس للتعالي عليكم , و ليس لإلقاء الشعر أو لسرد النثر , فقد علمت أن آذانكم قد ملت من ترداد القصائد في القنوات المتعددة , و قد تشبعتم بأعذب الخواطر و ألذ المقاطع التي تقذفها جوالاتكم في أعيونكم الساهدة صباح مساء , بل إن هناك من قد يمارس الدردشات عبر جواله في وسائل التواصل و أنامله ترسل الفيسات , و تضغط على الأحرف , و جفونه بين اليقظة و النوم , و جمل رسائله بين المفيد و غير المفيد !!!
و لقد طلبت من أخيكم الفاضل منظم اللقاء أن يكتب لي تقريراً عن واقعكم المهني , و بعد اطلاعي عليه , و جدت أنكم عينة بحثية , يصح لنا أن نعممها على باقي أبناء الوطن . فقد وجدت في التقرير أن بعضكم قد حصل على الوظيفة , و لكنه يعيش تحت ربقة الروتين القاتل من البيت إلى الوظيفة و من الوظيفة إلىى البيت و ربما يكون مرتبطاً بتوصيل أهله إلى أعمالهم أو مدارسهم و في المساء يكون ذهابه إلى المقاهي أو الاستراحات ثم النوم متأخراً؛ استعداداً للدوام. و بعضاً منكم مازال يعتمر عمامة الطلب و العلم , لكنه يعيش معظم يومه أسيراً لألعاب البلايستيشن و نحوها, و يتابع قشور الموضة , و يستهويه جنون الدرباوية , و أهل الميل و الهوى. وهناك قلة ممن ينظم وقت دراسته و يجد في الطلب و العلم و يوازن بين ساعات الجد و الترفيه و يراعي ما افترضه الله عليه من صلوات و فروض و حقوق والدين، و بعضاً آخر قد أنس الجلوس في أحضان العطالة و البطالة , و كأن لسان حاله يقول سوف تأتيه الوظيفة , و تقرع عليه الجرس , و هو مستلقي على أريكته في بيته , فهو لحظه نادب , وعلى مجتمعه ناقم !
و هناك فئة ودعت مرحلة الشباب و انقض عليها التقاعد بعد قرب سنوات الخدمة من الإنتهاء , وأخرى سلمت نفسها للتقاعد مبكراً , و في كل الأحوال أضحى غالبية أسرى التقاعد يعيشون رهناء المحبسين : البيت و الأوهام , و منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر على هذا الحال !!
و رأيت في التقرير قلة قليلة منكم , قد صنعوا لأنفسهم حرفة أخرى إلى جانب وظيفتهم الأساسية , مثل ممارسة الأعمال الخاصة أو التطوعية بعد الفراغ من العمل الحكومي , و لعلهم أفضل حال من السابقين.
و أقول و أعيد تكراراً و مراراً لست أنظر إليكم من أبراج عاجية ، و لست مستعرضاً سيرتي الذاتية كما يفعل أصحاب الهوس النفسي , و أهل جنون الذات و العظمة !!!
باختصار شديد أنا ولدت في هذه القرية الصغيرة في حجمها و الكبيرة برجالها , و تنفست من هوائها كما تنفستم , و شربت من مائها كما شربتم , و أكلت من خيراتها كما أكلتم و ذقت سياط العوز و الفاقة كما ذاق بعضكم . و لكني وجدت في نفسي منذ صغري ميلي للعمل الحر , و قناعتي أن مهنتي يجب أن استخرجها من رحم قريتي الشحيح ؛ فتارة تجدني في الصيف بعد انتهاء المدرسة متسلقاً أشجار التين في القرية ؛ من أجل جني ثمراتها , و من ثم بيعه على المسافرين , و مرتادي الطريق الرئيس الذي يعبر القرية , و من الطرائف أن بعض أعيان قريتي كان يرشقني بالحجارة عندما يجدني متسلقاً شجرة تينته , و يطلب مني النزول !!!
و تارة أخرى تجدني مساعداً لوالدي في بيع الطماطم في أسواق الحجاز أو تهامة , و لكن الأمر استقر بي بعد ذلك على بيع الفطير الذي تصنعه الوالدة و خصوصاً في مواسم الإجازات و اقبال الناس على المصائف في الجنوب .
و من فكرة بيع الفطير وجدت نفسي تميل الى الاستثمار في المخبوزات و الفطائر و المعجنات , و من هنا كانت الإنطلاقة نحو عالم الإستثمار في المدن و المناطق .
و لعلي أهديكم هنا مفتاح النجاح الحقيقي بعد توفيق الله , و الذي يكمن في التنقيب عن المهنة من مكانك الذي أنت فيه , و من ثم عشقها و تطويرها , و الدنيا مليئة بالأفكار , ثم إني أدلكم على الإلتحاق ببرامج ريادة الأعمال و محاضنها في الجامعات و المراكز , فهي بمثابة الكشاف المنير للمهن و الأفكار , و تدلك على وسائل صقلها و تحفيزها , فبهذه الجامعات و المراكز ثلة من الخبراء لابأس بها في مجال تبصير الشبيبة باستمار أفكارهم و تنميتها و بيان خارطة الاستثمار في الوطن و استحلاب كبار المستثمرين ؛ لتغذية أصحاب المشروعات الصغيرة و المتوسطة و التي يعول عليها اقتصاديات معظم الدول, و هذه الريادات و المحاضن متوفرة على حد علمي في كل جامعة و منطقة .
و في نهاية المطاف وزع رجل الأعمال على الحضور كتابه الأنيق الذي وسمه بعنوان : مذكرات بائع فطير سابق و الذي يشرح فيه تفاصيل حياته مع عالم الإستثمار , و قد وضع على غلاف الكتاب صورة الفطيرة شعاراً لشركته , مثلما وضع ستيف جوبز التفاحة شعارا لشركة أبل , و هكذا العظماء يفعلون !!.