بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الاولى
الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولَ الله سيدَ الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن اتبعه إلى يوم الدين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام: إن الحج الفريضة البدنية المالية الشعائرية، التي تؤدى في زمن مخصوص وفي مكان مخصوص، هي في حقيقتها رحلة قلوب، لا رحلة قوالب، هي في حقيقتها رحلة نفوس لا رحلة أبدان، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾

[سورة إبراهيم]
رحلة أفئدة لا رحلة أبدان، رحلة نفوس لا رحلة أشباح.
أيها الإخوة الكرام، مما يؤكد هذا المعنى أيضاً ؛ أن الله جل جلاله يقول:

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة الحج]
ويؤكد هذا المعنى أيضاً، قوله تعالى:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

[سورة الحج]
قال بعض العلماء، أداء الشعيرة شيء، وتعظيمها شيء آخر، من تعظيمها أن تؤديَها كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تعظيمها أن تؤديها على شوق وطيب نفس، لا على تأفف وتململ.
ومن تعظيم شعائر الله جل جلاله، أن تؤديها أيها الحاج، وتتمنى أن تؤديها مرات ومرات، لا أن تقول لن أعيد هذا الحج، فأداء الشعيرة شيء وتعظيمها شيء آخر.
أيها الإخوة الكرام: إن المشاعر التي يستشعرها الحاج وهو في مشاعر الحج، هي بوتقة ينصهر فيها قلب المؤمن حتى يتخلص من أدرانه عوداً به إلى يوم ولدته أمه، نقي القلب، صافي النفس، تلك هي الغاية الكبرى من الحج، أن تعود كيوم ولدتك أمك.
ورد في الأثر أن أحد الأنبياء سأله ربه جل جلاله، قال: يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك، قال أحب عبادي إليَّ، تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحد بسوءٍ، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك، قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ".
أيها الإخوة الكرام: ربنا جل جلاله يقول:

﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

[سورة المائدة]
من أجمل ما قال المفسرون حول هذه الآية، أن الإنسان بحجِ بيت الله الحرام، وتعظيمِ شعائر الله كما بينت قبل قليل، وعقدِ العزم على طاعته واتباعِ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، تقوم مصلحة المسلم في الدنيا والآخرة، يقول الله عز وجل:

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[سورة الرحمن]
أيُعقل أن يُعلَّمَ الإنسان القرآن قبل أن يُخلق، لكن العلماء قالوا هذا ترتيب رتبي، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه فإذا حج المسلم بيت الله الحرام، واصطلح مع الله، وتاب إليه واستغفره، وعقد العزم على طاعته في شؤون حياته كلها، بعد الحج فقد قامت مصالحة الدنيوية والأخروية، قال تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾

[سورة النساء]
وقال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[سورة الأنفال]
أي ما دامت سنتك في حياتهم مثبتة " ما كان الله ليعذبهم، وما كان الله ليعذبهم وهم يستغفرون "، فإذا أتوا بيت الله الحرام ليستغفروا ذنوبهم، الله سبحانه وتعالى لا يعذبهم، وحينما يعلم المسلم أن الله رحيم به، شرع له المنهج ليسعد في الدنيا والآخرة، عندئذ يعلم أن الله أعلم بما يسعده ويحقق مصالحه في الدنيا والآخرة من أية جهة أخرى.
أيها الإخوة الكرام: يخلع الحاج ملابسة المَخيطة والمُحيطة، والتي تعبر بشكل أو بآخر عن دنياه، عن حجمه المالي، عن مرتبته الاجتماعية، بل عن درجته العلمية أحياناً، هذه الملابس المَخيطة والمحيطة، قد تعبر عن نوع انتمائه، إلى أمةٍ، إلى شعبٍ، إلى قبيلةٍ، إلى عشيرةٍ، فلو بقي المسلم بلباسه لبقي ملتصقاً بقبيلته، بطبقته، أو مَنْ على شاكلته، ولكن الإسلام لحكمةٍ كبيرة شرع اللون الواحد، والتصميم الواحد، حتى تختفي الهوية الخاصة، ويبدو البشر كياناً واحداً، ومن ثم تتعامل معهم بدافع إنساني خالص، بعد ما ذابت الهويات الإقليمية والانتماءات المتعددة، ليبرز معنىً واحداً، هو الإنسان على فطرته السليمة في مواجهة خالقه الواحد الديان.
بعد أن يخلع الحاج ثيابه المَخيطة والمحيطة، ويرتدي ثياب الإحرام الموحدة، يدخل في أفق الممنوعات، ففي باطنه ـ وهذا حكم خاص بالحــرم ـ ففي باطنه:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾

[سورة الحج]
إن الله لا يحاسب إلا على العمل، إلا في بيته الحرام، فمن أراد به أذية على مستوى الإرادة، يحاسب، ويعاقب أشد العقاب، ففي باطنه ممنوع أن يفكر في شيء يؤذي الحرم، ومع الناس، فلا رفث.. أية مقدمات تتعلق بالمرأة، ولو الحديث عنها، " فلا رفث، ولا فسوق ولا جدال في الحج "
ومع الحيوان، فلا يُصطاد، ومع النبات فلا يُقطع، ومع الحجر فيُقبَّل، هذه الممنوعات التي هي من لوازم الإحرام، بل حتى مع قاتل أبيه، فإن عليه أن يقاوم مشاعر الغيظ الفوارة، ليكون الحج سلاماً دائماً قال تعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة آل عمران]
وفوق ذلك ففي الإنسان غريزة حب الاستطلاع، فهو في أصل طبعه لا يقبل على عمل إلا إذا عرف حكمته، ولأنه يحب نفسه حباً جماً وهذا مركب في أصل طبعه، فهو لا يشتاق إلا من يحقق مصلحة له عاجلة وظاهرة، ولأن الحج بهذه الممنوعات، وبهذه المناسك التي لا تظهر حكمتها للوهلة الأولى، لأن الحج بهذه الممنوعات وهذه المناسك، لا يلبي هذه الحاجة الفطرية، والفكرية، والمادية في الإنسان لذلك يحتاج الحاج إلى درجة عالية من الإيمان بخالق الأرض والسماوات.
ويحتاج إلى درجة عالية من العبودية لله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام: يقول عمر، عملاق الإسلام، رضي الله عنه، تفقهوا قبل أن تحجوا فالعبادة أيها الإخوة في حقيقتها تعني خروج العبد من مراده إلى مراد ربه، وهذا يبدوا جلياً واضحاً كما في الحج.
أيها الإخوة الكرام، لقد حطَّم النبي عليه الصلاة والسلام، الأحجار والأصنام التي حول الكعبة، ثم قال: " عظموا الكعبة والحجر الأسود " فإذا سألتك نفسك عن هذه المفارقة، أجبها، إنك لا تعظم الكعبة والحجر لذاتيهما، ولكنك تعظم لما ترمز إليهما، من أنها بيت الله، ومن أن هذا الحجر يمين الله، فمن فاوضه، فقد فاوض كفَّ الرحمن.
أيها الإخوة الكرام: يتساءل بعض العلماء، هل مع هذا التسليم المطلق، بصحة ما أمرنا به، هل يُعطلُ علم العقل ؟
فأجاب بعضهم ؛ " لا " ولكن لن يكون العقل حكَماً على النقل، ولكنه مسموح للعقل أن يفهم حكمة النقل، مسموح له أن يطير في مجال الجوّي الإسلامي، مسموح له أن يسبح في المياه الإقليمية الإسلامية مسموح له أن يسبح ولا يشطح.
أيها الإخوة الكرام: ويأتي موقف عرفة، موقف عجيب، يغطيه نبات بشري، مختلف ألوانه، أغصانه تلك الأيدي المرفوعة بالدعاء إلى رب الأرض والسماء وفي عرفات، وهذه نقطة مهمة جداً، يرى الحاج، بين يديه، صورةً مصغَّرةً، للمحشر العظيم يوم القيامة، وعليه أن يستعدَّ له منذ الآن لأن رحلة الحج، يعود منها إلى وطنه، ولكن المحشر العظيم يوم القيامة لا يعود منها إلى وطنه، إنها رحلة قبل الأخيرة، استعداداً للرحلة الأخيرة الناس جميعاً بلباس موحد، وبدعاء موحد، وبابتهال كلهم ضعاف كلهم فرادى، نموذج مصغَّر، للرحلة الأخيرة، كانت قبل الأخيرة كي نستعدَّ للرحلة الأخيرة.
وفي الرجم بعض الأسرار ؛ فلنبدأ بالأكبر في اليوم الأول، وقال بعض العلماء هذا تكثيف عنيف في لغة العسكريين، ابدأ بمواجهة الأكبر تجمع كل قواك لتهزم من وراءه من جندي، وكان عليه الصلاة والسلام يخص الجمرتين الأولى والوسطى بتطويل الوقوف عندها للدعاء، إنها ثلاث جمرات، وبينهما مسافة، ليظل المؤمن واعياً تماماً، لا ينام حتى لا يسقط سلاحه، بينما العدو منه على مرمى حجر، وعليه أن يعلم أن المعركة مع الشيطان متعددة المواقع، ومستمرة وممتدة مع عمره، لذلك ينبغي أن تُرمى ثلاث جمرات في ثلاثة أيام، لأن المعركة متعددة المواقع ومستمرة مع طول العمر.
يا أيها الإخوة الكرام: يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: لا يحصل إرغام أنف الشيطان في أثناء رجمه إلا بطاعتك للرحمن، ومن عاد بعد الحج إلى ما كان عليه من المعاصي والآثام، فليعلم علم اليقين، أن الشيطان هو الذي رَجَمه.
أيها الإخوة الكرام: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله عز وجل يباهي الملائكة بأهل عرفات، يقول: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً، اشهدوا أني غفرت لهم ".
ومن وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله قد غفر له فلا حج له، من أروع ما في هذا المعنى، أن الله يغفر للحاج، ومبالغة في إكرامه، يشعره أنه قد غفر له، يلقي في روعه أنه قد غفر له، لذلك يُعد شعور الحاج الصادق بأن الله قد غفر له، وأنه عاد كيوم ولدته أمه هذا شعور واضح، واضح جداً هو من منِّ الله وكرمه على الحاج.
أيها الإخوة الكرام: صعد النبي عليه الصلاة والسلام منبره ذات يوم، فقال آمين، فقالوا يا رسول الله على ما أمنت، قال: جائني جبريل فقال لي، رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى ".
فهذا الحاج الذي يقف في عرفات، وقد جاء من أقصى الدنيا، وتجشم مشاق السفر، وتحمل أعباءه، ونفقاته، إن لم يُغفر له في عرفات فمتى يُغفر له ؟..
الإنسان أيها الإخوة على مدى العمر يلحُّ في طلب المغفرة، ألا وقد آن أوانها، ألا وقد حان قطافها.
فيتقدم وعلى مدى أيام الحج، ليعود من بعدها كما ولدته أمه، طاهراً من العيوب، نقياً من الذنوب.. يالها من نهاية أيها الإخوة تُفتدى بملء الأرض ذهباً، لو كان هذا الذهب ملك يمينك.
ويا أيها الإخوة الكرام: المؤمن بعد أن يحج بيت الله الحرام، يطمئنه الواحد الديان أنه قد غفر له، وأنه قد فتح معه صفحة جديدة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلا الْجَنَّةُ قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَجَابِرٍ قَالَ أَبو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ))

[أخرجه الترمذي في الحج، والنسائي في المناسك وابن ماجة، وأحمد]
وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما يفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس بالحجة المبرورة ثواب إلا الجنة ))
لقد طار بعض العلماء في سماء الحج، وسبحوا في بحوره الواسعة بل غاصوا فيها، فكانت لهم لمحات وضيئة، قالوا عن الطواف ؛ كأن الإسلام حجر ألقي فوق محيط، فتكونت منه دوائر حوله متتابعة متنامية وهكذا بيت الله الحرام، فالطواف حول البيت طواف المحب حول محبوبه، توثيق للعهد بين العبد وربه، تعبير عن حب عميق لرمز التوحيد.
وبالمناسبة، الكعبة التي في بيت الله الحرام، هي بالحسابات الرياضية المعقدة، وعن طريق الحاسب الإلكتروني، هي وسط هندسي للعالمين القديم والجديد، فلو أخذنا العالم القديم بقارة آسيا وأفريقيا وأوربا أخذنا أطراف هذه القارات، ومددنا بينها محاور، لالتقت هذه المحاور كلها في الكعبة، فبين الكعبة وبين أقصى نقطة في أي مكان في العالم القديم ثمانية آلاف كيلو متر.
لو أخذنا العالم الجديد أمريكا الشمالية والجنوبية وأقيانوسيا، والقارة المتجمدة الجنوبية، وأخذنا أطراف هذه القارات، ومددنا بينها محاور لالتقت هذه المحاور في الكعبة المشرفة، فالكعبة تبتعد عن أي نقطة في العالم الجديد ثلاث عشرة ألف كيلو متر، فالله عز وجل جعل البيت الحرام وسطاً هندسياً للعالمين القديم والجديد.
فالطواف حول هذا البيت طواف الحب لمحبوبة، طواف التوثيق توثيق العهد بين العبد وربه، طواف التعبير عن حب عميق لرمز التوحيد.
أيها الإخوة الكرام، لقد استقطب البيت الحرام المؤمنين من قارات الدنيا الخمس، فجاؤوا نوعيات مختلفة، تحمل كل جماعة هموم مجتمعها، جاؤوا ليعودوا في البعد الزماني إلى ماضي هذه الأمة المشرق، وفي البعد المكاني إلى الأرض الذي نزل فيها الوحي.
جاؤوا ليعودوا إلى المكان الذي ضم هذه الرسالة الخالدة، للتزود بالدروس المفيدة التي تعينهم على صلاح دنياهم وفق منهج ربهم وصلاح دينهم الذي هو عصمة أمرهم، قال تعالى:
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

[سورة المائدة]
لا تقوم مصالحهم الدنيوية، وفق منهج الله، ولا مصالحهم الأخروية إلا إذا عظموا هذا البيت واصطلحوا مع الله، وأقاموا منهجه في الأرض.
ففي زيارته، وتعظيمه، والتزود من معينه، قيام مصالح المسلمين في دنياهم وأخراهم.
أيها الإخوة الكرام:
لا يُعقل ولا يُقبل أن تُؤدى هذه العبادة الجليلة أداءً بعيداً عن مقاصدها ونتائجها.
لا يُعقل ولا يُقبل أن يعود الحاج من أداء هذه الفريضة كما ذهب.
لا يُعقل ولا يقبل أن يُوجد الحاج في المشاعر المقدسة دون أن يشعر بأية مشاعر مقدسة.
لا يعقل ولا يقبل أن يتحرى الحاج سنةً أو مستحباً، ويرتكب من أجلها معصية، أو أن يتجاوز فريضة.
لا يُعقل ولا يُقبل أن يذهب الحاج إلى بيت الله الحرام قبل أن يتفقه بأركان الحج، وسننه ومستحباته، وصفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الحاج.
لا يُعقل ولا يُقبل أن يحدثك الحاج عن كل شيء في الحج إلا الحج عن المواصلات، وعن خيامه في عرفات، وعن طعامه، وعن شرابه وعن الماء البارد، وعن الأصوات، وعن الأبنية الشامخة، وعن إقلاع الطائرة وعن نزول الطائرة، يحدثك عن كل شيء، إلا الحج.
ماذا شعر وهو يطوف ؟
ماذا شعر وهو يسعى ؟
كيف عاهد الله في عرفات ؟
ماذا أُلقي في روعه ؟
هذا لا يحدثك عنه أبداً...
لا يُعقل ولا يقبل أن يرمي الحاج الجمرات تعبيراً عن معاداته للشيطان، ويعود إلى بلده ليكون أُلعوبة بين يديه.
لا يحصل إرغام أنف الشيطان إلا بطاعة الرحمن.
لا يُعقل ولا يُقبل أن يقتصر أمر الله في هذه الفريضة على أن يأتي الحاج من بلاد بعيدة ليجلس في المشاعر المقدسة، يأكل وينام ويتكلم في شؤون الدنيا، إن أمر الله في هذه العبادة ليس كذلك، وهو أعظم وأجل من أن يكون كذلك، أن تأتي إليه من بلاد بعيدة، لتحقق وجودك المادي في مكان، تمضي هذا الوقت في الطعام والنوم والحديث في الدنيا ليس هذا هو الحج، وليست هذه العبادة العظيمة التي تقوم بها مصالح المسلمين في دنياهم وأخراهم..
أيها الإخوة الكرام:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ ))

[أخرجه أحمد في مسند بني هاشم]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ))

[أخرجه مسلم في كتاب الحج والترمذي وأحمد والدارمي]

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ ))

هذه ميزة لا تُقدر بثمن، أن تكون مُجاب الدعوة
[أخرجه ابن ماجة في المناسك]
من مات ولم يجاهد، ولم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق، فإن لم يُتح للمسلم الجهاد القتالي، فقد أُتيح له جهاد النفس والهوى، أتيح له الجهاد الدعوي، والحج نوع من الجهاد، وإليكم الدليل:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ))

[أخرجه النسائي في المناسك]
وفي حديث آخر:

(( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ ))

[أخرجه ابن ماجة وأحمد في المناسك]
وفي حديث ثالث:

(( عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ))

[أخرجه ابن ماجة وأحمد في المناسك]
أيها الإخوة الكرام: بعض الصحابة يقول: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ فَبَكَى طَوِيلاً وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا قَالَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاثٍ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو قَالَ قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا قُلْتُ، أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلالاً لَهُ وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لأنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأ عَيْنَيَّ مِنْهُ وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي ".

[أخرجه مسلم]

من هذه القصة نستفيد، " أما علمت أن الحج يهدم ما كان قبله ".
أيها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا الكيس من دان نفسه والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين.


***

الخطبة الثانية:
أيها الإخوة الكرام، في المدينة المنورة، وفي صحيفة تصدر هناك قرأت الخبر التالي:
" أعلمت وكالة الفضاء الأوربية، أن المرصد الفضاء الأوربي العامل بالأشعة ما دون الحمراء رصد غيمة من البخار، في الفضاء الخارجي يمكن لها أن تملأ محيطات العالم ستين مرةً، في أربعٍ وعشرين ساعة.
وعلق أحد علماء الفلك، في جامعة في أمريكا على هذا الخبر، أن المرصد عثر على غيوم للبخار في أكثر من مكان في الكون، إلا أن هذه الغيمة التي اكتشفها مؤخراً، تُعتبر مصنعاً هائلاً لبخار الماء يمكنها أن تنتج من الماء في يوم واحد ما يكفي لملئ جميع محيطات العالم بالماء العذب ستين مرة، وهذا مصداق قول الله تعالى:


﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

[سورة الحجر]
فالجاهلون والشاردون، يخوفون أهل الأرض، مرةً بنقص الغذاء ومرةً بنقص الماء، فتارةً يجعلون هذا العام حرب نفط، وفي عام آخر حرب قمح، ونحن الآن نتحدث عن حرب المياه في العالم، وفاتهم أن تقنين الله عز وجل هو تقنين تأديب لا تقنين عجز، هذا ينبغي أن يكون واضحاً لديكم قال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

[سورة الحجر]
غيمة واحدة تملأ محيطات العالم بالماء العذب ستين مرة في يوم واحد تقنين الله عز وجل تقين تأديب لا تقنين عجز.
الدعاء
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم أصلح لنا ديننا، الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا.
اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك.
نعوذ بك اللهم من عضال الداء ومن شماتة الأعداء ومن السلب بعد العطاء.
اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين، والمقيمين والمرابطين في برك وبحرك من أمة محمد أجمعين.
اللهم اقبل حجتهم واغفر لهم، ويسر أمرهم يسر لهم سبيل عودتهم يا رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين