بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون : إن المقصد الأول من العبادات ـ والدين كما تعلمون عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق ـ إن المقصد الأول من العبادات هو الإمتثال لأمر الله عز وجل والوفاء بحقه ، ومع ذلك لا يخفى أن وراء العبادات آثاراً طيبةً ومنافع جلة ، في حياة الفرد والجماعة ، والحج ونحن على مشارف هذه العبادة العظيمة .
والحج هو أكثر هذه العبادات اشتمالاً على الأمور التعبدية التي لا تُعرف حكمتها معرفةً تفصيلية على وجه التأكيد ، لكن الحج أوضح هذه العبادات أثراً في حياة المسلمين أفراداً وجماعات ، كيف لا وقد قال الله عز وجل :

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾
(سورة الحج)
﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾
إن هذا التعليل القرآني لهذه الرحلة المباركة التي يقطعها الناس قادمين من كل فج عميق يفتح لنا باباً رحباً للتأمل في هذه المنافع المشهودة التي قدمها القرآن الكريم.
الحج أيها الإخوة شحنة روحية كبيرة ، يتزود بها المسلم فتملأ جوانحه خشية ، وتقىً وعزماً على طاعة الله ، وندماً على معصيته ، وتغذي فيه عاطفة الحبِ لله ، الحبِ لله ولرسوله ، ولمن عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ، وتوقظ في نفس المسلم مشاعر الإخوة لأبناء دينه في كل مكان وتوقظ صدره شعلة الحماسة الدينية والغيرة على حرماته ، هذه بعض المنافع التي يشهدها الحاج إذا قصد البيت الحرام.
أيها الإخوة الكرام : إن الأرض المقدسة ، وما لها من أثر في النفس ، وقوة الجماعة ، وما لها من إيحاء في الفكر والسلوك ، كل هذا يترك أثراً واضحاً في أعماق المسلم فيعود من رحلته إلى الله ـ والحج كما تعلمون رحلة إلى الله ـ فيعود من رحلته إلى الله أصفى قلباً ، وأطهر مسلكاً ، وأقوى عزيمةً على الخير وأصلب عوداً أمام مغريات الشر ، وكلما كان الحج مبروراً خالصاً لله عز وجل كان أثره في حياة المسلمة المستقبلية واضحاً ، لأن هذه الشحنة الروحية العاطفية تهز كيانه المعنوي هزاً تنشئه على خلق آخر وتعده كأنما هو مولود من جديد يستقبل الحياة.
يعني بشكل واضح الحج المبرور يتيح لك أن تفتح مع الله صفحة جيدة وأن تعود كيوم ولدتك أمك ، وأن تُغفر لك ذنوبك ، وليس للحج المبرور ثواب إلى الجنة ، فرصة لا تعوض .
يقول عليه الصلاة والسلام :
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))
أيها الإخوة الكرام : أداء فريضة الحج تمام نعمة الله على المؤمن ، لقد جعل الله البيت الحرام قبلة للمؤمن ، يتجه إليه كل يوم خمس مرات في صلاته ، وهكذا شاءت إرادة الله ، أن ينشغل فؤاد المؤمن بهذا البيت وهو بعيد عنه إلى أن يؤدي فريضة الحج ، هذا البيت الذي يستقبله كل يوم خمس مرات سيراه بعينه ستقع عينه عليه ، والحج أيها الإخوة تمام نعمة الله على المؤمن ، لأن المؤمن لا يحج إلا إذا كان مستطيعاً ببدنه الذي سلمه الله له ، وقواه وبماله الذي ادخره فائضاً للحج عن حاجاته الأساسية ، وبنفقة أهله وعياله في غيبته ، فهو نوع من الغنى والصحة ، وهو من تمام نعمة الله على المؤمن.
والحج أيضاً تمام نعمة الله على المؤمن ، لأن إيمانه بالله ورسوله كان في المستوى الذي حمله على مغادرة الأوطان ، وترك الأهل والخلان وإنفاق الأموال ، بلغ حبه لله وانصياعه لأمره درجة أنه ترك بلده ودفع الأموال من أجل تلبية نداء الله عز وجل ، والحد أيضاً تمام نعمة الله على المؤمن لأنه ما من أحد حج بيت الله الحرام إلا وهو مؤدٍ لجميع ما كُلف به من عبادات شعائرية ، كالصلاة والزكاة والصيام ، ومن عبادات تعاملية ، من توبة نصوح وأداء لجميع الواجبات ووفاء لكل الحقوق.
أيها الإخوة الكرام : الحج عبادة شاملة لكل أركان الإسلام ، ففيه من الصلاة أن تذهب إلى بيت الله الحرام لتصلي فيه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ))
فمن الصلاة أن الصلاة في البيت العتيق تعدل عن الله مائة ألف صلاة وفي الحج من الصلاة إنفاق الأموال في التنقل والسكنى والطعام والشراب والركوب ، وفي الحديث الشريف:
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ))
وفي الحج من الصوم أنك تبتعد عن المباحات من لبس المخيط والتطيّب والحلق والتقليم ، وكلها مباحات خارج الحج.
وفي الحج من معنى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ؛ أنك تحج بيته الحرام تلبية لأمره وطاعة له ، ولا أدل على ذلك من قولك في التلبية ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، وتؤدي مناسك الحج كما علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال :
((عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ))
أيها الإخوة الكرام : الحج عبودية لله عز وجل ، عبودية لخالق السماوات والأرض رب العالمين إن عبودية الإنسان لله تقتضي أن يبتعد عن التعالي على أخيه الإنسان ففي المسجد مثلاً ؛ من يصلي أولاً في أول صف هو الذي يأتي أولاً ، لا طبقية ولا رتب ولا شيء من هذا القبيل فالذي يصل أولاً يصلي في الصف الأول ، ومن يأتي متأخراً يصلي في الصف الأخير مهما تكن رتبته والذي يحدث أنك تجد من كان في مجتمعه في الصف الأخير قد تجده في المسجد في الصف الأول ، إن هذه المساواة في العبودية لله عز وجل تخرج الإنسان عن التعالي وتجعله يتواضع بحيث يحسن معاملة جميع المؤمنين هذا في بيئة المسجد ، ولكن الله جل جلاله أراد أن يجعل هذه المساواة وهذا الخضوع ليس في بيئة محدودة ولكن في نطاق عالمي ، وفي بيئة عالمية تجمع كل أجناس البشر ، نتميز كما نشاء في بلادنا ، وبين أهلينا ، ولكن عندما نصل إلى بيت الله الحرام لابد من أن نقف جميعاً أمام الله متساوين في لباسنا ، وفي طوافنا ، وفي سعينا ، وفي وقوفنا ، وفي دعائنا ، وفي ابتهالنا .
أيها الإخوة الكرام : الحج أدب رفيع مع عناصر الكون كلها ، فمن لوازم العبودية لله عز وجل أن الحج ألزم الحاج بالتأدب مع كل أجناس الكون ، مع الجماد ، في تقبيل الحجر الأسود ، ومع النبات في النهي عن قطعه ، ومع الحيوان في تحريم صيده ، ومع الإنسان في حرمة التشاجر معه ومجادلته.
البكاء في بيت الله الحرام من لوازم العبودية لله في الحج ، إن الحاج حينما يدخل بيت الله الحرام ويطوف حول الكعبة المشرفة تنهمر عيناه بالدموع هذا البكاء تعبير عن الندم على ما سبق من ذنوب وتضرع إلى الله عز وجل أن يقبل توبته وأن يعفو عنه ، هذا البكاء تعبير عن ترك العجب والكبرياء ، والتذلل لخالق الأرض والسماء .
هذا البكاء تعبير عن أن الحاج تخلى عن كل شيء وخضع إلى الله في كل شيء ، ومع أن البكاء في الأصل مظهر من مظاهر الضعف والحزن فإنه في الحج ليس كذلك ، هذا البكاء في الحج إحساس عميق بأن السعادة الحقيقية هي في القرب من الله تعالى .. لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف .
أيها الإخوة الكرام : في بيت الله الحرام آيات بينات ، مقام إبراهيم ، أي أن هناك آيات كثيرة في مقام إبراهيم ، من هذه الآيات أن إبراهيم عليه السلام كان أمةً واحدة فقد اجتمعت فيه من خصال الخير ما لا تجتمع إلا في أمة ، تقول هذا أمين وهذا صادق وهذا كريم ، ولكن خصال الخير كلها مجتمعة في هذا النبي عليه الكريم ، قال تعالى:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾
(سورة النحل)
ما معنى قول الله عز وجل : ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾ يعني هناك آيات كثيرة في مقام إبراهيم ، أول آية أنه كان أمةً وحده اجتمعت فيه كل خصال الخير.
أيها الأخوة : ومن هذه مقولة أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم معصومة بمجموعها بينما النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده .
ومن هذه الآيات البينات أن حجم الإنسان عند الله بحجم عمله ، وأن إبراهيم عليه السلام من حيث العمل الذي أجراه الله على يديه عمله يساوي عمل أمة فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، وهذا يذكرنا بقول الله عز وجل يخاطب النبي الحبيب عليه أتم الصلاة والسلام:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾
(سورة الأنبياء)
من هذه الآيات البينات أن إبراهيم عليه السلام أقبل على بناء الكعبة وإعلائها تنفيذاً لأمر الله تعالى بإتقان شديد ، والإتقان في تنفيذ الأمر دليل قطعي على محبة الآمر ، وهذا يذكرنا بقول النبي عليه الصلاة والسلام :
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ وَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلا أَثْبَتَهُ))
ومن هذه الآيات البينات في مقام إبراهيم أن الله خلق الكون وجعله يعمل بالأسباب ، فالذي يأخذ بالأسباب ويتقنها ، تعطيه هذه الأسباب النتائج مؤمناً كان أو كافراً ، لكن هناك حقيقة كبرى ، هي أن خالق الأسباب فوق الأسباب بل هو مسببها ، إن شاء أعطاك وإن شاء منعك وأنت آخذ بالسبب ، فالسبب أيها الإخوة في علم التوحيد لا يخلق النتيجة لذلك لابد من أن يكون الإنسان منتبهاً ، فإذا غفل عن هذه الحقيقة أدبه الله بإحدى طريقتين أو بأكثر ، بتعطيل فاعلية الأسباب ، أو بخلق نتائج مدهشة من دون أسباب ، لأنه أله الأسباب ، وذكرت في خطبة سابقة أن أهل الغرب أخذوا بالأسباب وألهوها فأشركوا ، وأن أهل الشرق لم يأخذوا بها فتخلفوا وعصوا ، والحقيقة أن تأخذ بها وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
سيدنا إبراهيم عليه السلام .. لازلنا في قوله تعالى ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾ ما معنى مقام إبراهيم ؛ سيدنا إبراهيم عليه السلام جاء بزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى موقع الكعبة الذي لا زرع فيه ولا ماء ولا وسائل للحياة في هذا المكان الخالي من وسائل بقاء الحياة ، ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع وانطلق راجعاً ، فأمسكت هاجر بزمام دابته وقالت له يا إبراهيم لمن تتركنا فلم يجب ، قالت : آلله أمرك بهذا ، قال نعم ، قالت : إذاً لن يضيعنا.
أحياناً الإنسان يتوكل على الله وبين يديه كل أسباب السلامة ، لكن هذا التوكل المطلق ، ليس بيدها ولا بيده شيء من أسباب بقاء الحياة ، في وادٍ غير ذي زرع ، لا ماء ولا طعام ولا شجر ، إذاً لن يضيعنا ، هذه قضية إيمانية كبرى ، وهي أن الله إذا أمرك بأمر فبدى لك أنه يضر بمصالحك أو يحول بينك وبين ما تتمناه فاعلم علم اليقين أن الآمر ضامن الآمر هو الله الذي بيده كل شيء ، فإذا أمرك بأمر وتوهمت أن هذا الأمر يضر بمصلحتك أو يحول بينك وبين منفعة ، لا تتردد في تنفيذ الأمر لأن الله ضامن.
أيها الإخوة الكرام : العاقبة للمؤمن ، والدنيا تأتيه وهي راغمة

(( فمن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ))
((وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي ، أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ))
من هذه الآيات البينات في مقام إبراهيم عليه السلام أنه أمر أن يذبح ابنه إسماعيل وهو في سن الشباب ، قال تعالى :
﴿فلما بلغ معه السعي﴾
تصور ابناً ربيته ، إلى أن أصبح شاباً يافعاً ، أعانك في عملك ، وحمل عنك عبئاً كبيراً ، وهو نبي ، يقول الله لك اذبحه ، هذا أمر ترتفع فيه نسبة العبودية إلى القمة ، وكلما اتضحت حكمة الأمر ومنفعته لك ضعفت فيه العبودية ، وكلما غابت عنك حكمته ، وغابت عنك منفعتك فيه ارتفع في هذا الأمر نسبة العبودية ، فهو من أعلى الأوامر الإلهية التي انصاع لها هذا النبي الكريم.
أيها الإخوة الكرام : لم يتباطأ في التنفيذ ، لم يدعُ الله أن يرحم شيخوخته ، أو أن يعفو عن ابنه وعلى الرغم مما يبدو ظاهراً من قسوة الابتلاء فقد شرع في التنفيذ.
أن يُقدم الإنسان على ذبح ابنه الوحيد الشاب ، والأب شيخ كبير والزوجة عاقر لا تنجب ، إن من يفعل هذا يحب الله حباً يفوق الدنيا وما فيها ، حباً أعلى من كل حب ، يقول عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَنَسٍ قَالَ

((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))
أيها الإخوة الكرام : قد يتوهم الإنسان أحياناً أنه يحب الله ورسوله ، هذا الحب لا يظهر في الموافقات يظهر في التعارضات ، حينما ترى مصلحتك في مخالفة هذا الأمر ، وحينما يثبت لك أن هذا أمر الله عز وجل ، فإذا بادرت إلى تنفيذ أمر الله ، ووضعت تحت قدمك مصلحتك ، ومنفعتك ، فأنت مؤمن ورب الكعبة ، وأنت تحب الله ورسوله ، وهناك امتحانات كثيرة ، الإنسان لا يظهر في الموافقات ، قد تطلب الزواج والزواج سنة ، تقول أنا أطيع الله عز وجل ، طبعاً هذه طاعة لله ولكن تتوافق مع حاجاتك ومع فطرتك ومع رغباتك ، أما حينما تتعارض مصلحتك المادية مع نص قرآني ، مع نص صحيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتؤثر طاعة الله وتلقي بمصلحتك عرض الطريق ، عندئذ تكون مؤمن ورب الكعبة.
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
أيها الإخوة الكرام :
من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً..
إذا كلفك مساوٍ لك ، ند لك ، إذا أمرك بأمر تسأله لماذا ، لماذا أفعل هذا ؟ ولكن إذا أمرك الله جل جلاله ، خالق السماوات والأرض العليم الحكيم الرحمن الرحيم ، إذا أمرك الله أمراً ، يبغي أن تأخذ أمره بالطاعة بمقدار ثقتك بعلمه ، ورحمته وحكمته ، الله جل جلاله لا يريد لنا إلا الخير ، ولا يقضي لنا إلا بالخير ، وكلما قصر الفكر البشري عن إدراك الخير كان الخير أضخم وأكبر ، لأن الخير في هذه الحالات أكبر من أن يدركه الإنسان بعقله القاصر ، قال تعالى :

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة البقرة آية 216)
هذه الدروس من مقام إبراهيم ، فيه آيات بينات مقام إبراهيم
والله جل جلاله حينما يخاطب خلقه لا يخاطبهم بالتكليف ، افعلوا ولا تفعلوا إنما يدعوهم إلى الإيمان به ، فمن آمن به كلفه ، لذلك تجد كل تكليف مسبوقاً في القرآن الكريم بقوله تعالى :

﴿ يا أيها الذين آمنوا﴾
لأن الإنسان إذا دخل مع الله بعقد إيماني فقد آمن إيماناً قطعياً أن لله الكمال المطلق ، فإذا تلقيت أمر الله عز وجل ولم تفهمه نفذته .. فلا بد من أن تجد الراحة في قلبك والصفاء في نفسك ، وحينما تقبل على تنفيذ الأمر لثقتك بعلمه وحكمته ورحمته يكشف لك الحكمة منه ، فتعود بثمرتين ، ثواب العابد وفهم العارف.
أيها الإخوة الكرام : هذه بعض اللمحات من مقام سيدنا إبراهيم
الحج رحلة إلى الله ، عبادة بدنية ، ومالية ، وشعائرية ، تؤدى في أمكنة مخصوصة ، وفي أحوال مخصوصة ، وفي أزمنة مخصوصة .
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وتخطى خيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
الخطبة الثانية:
أيها الإخوة الكرام : بيت الله الحرام مركز لدائرة تمر بأطراف قارات العالمين القديم والجديد بيت الله الحرام الكعبة المشرفة ، هي الوسط الهندسي لليابسة مركز لدائرة تمر بأطراف قارات العالمين القديم والجديد ، والأرض اليابسة موزعة حول بيت الله الحرام بصورة منتظمة.
هذه الحقيقة أكدتها أحدث الدراسات العلمية بمركز البحوث الفلكية في أحد الأقطار العربية الشقيقة وذلك باستخدام الحاسب الآلي في حسابات المسافات بين مكة المكرمة وعدد من المدن التي تقع في أطراف العالمين القديم والحديث ، فقد ثبت بعد الحسابات التي أجريت على الحاسب الآلي أن أقصى أطراف الأرض في أفريقيا وأوربا وآسيا ، تقع على مسافة ثمانية آلاف كيلو متر من مكة المكرمة ، أوربا آسيا وأفريقيا ، هذه قارات العالم القديم ، أطرفها ، المدن التي على أطرافها ، بُعدها عن مكة المكرمة ثمانية آلاف كيلو متر.
فمكة تقع في وسط العالم القديم ، وأما بالنسبة لأطراف العالم الجديد وهو قارة أمريكا شمالاً وجنوباً ، وأستراليا والقارة المتجمدة الجنوبية ، جميع أطراف هذه القارات الثلاث تقع على مسافة ثلاثة عشر ألف كيلو متر من مكة المكرمة ، ولا يقابل مكة المكرمة على سطح الأرض من الطرف الآخر يابسة ، بل بحر ، إنه المحيط الهادي إذاً بحسب هذه الدراسة التي أجريت على الحاسب الآلي يتبين أن بيت الله الحرام هو المركز الهندسي لليابسة . قال تعالى :
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)﴾
(سورة آل عمران)
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا علاً صالحاً يقربنا إليك.
أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك.

والحمد لله رب العالمين