بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر.
وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر.
اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المؤمنون... فيما يناجي سيدنا داود ربّه قال:" إلهي ما حقُّ عبادك عليك إذا هم زاروك ؟ فإن لكل زائرٍ على المزور حقا. قال: يا داود فإن لهم عليَّ أن أعافيَهم في دنياهم، وأن أغفر لهم إذا لقيتهم ".
ويا أيها الإخوة المؤمنون... ورد في بعض الأثر، أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أما خروجك من بيتك ـ أيها الحاج ـ تؤم البيت الحرام، فإن لكل بكل وطأةٍ تطأها راحتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو عنك بها سيئة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شُعْثاً غبراً من كل فجٍ عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي، ولم يروني فكيف لو رأوني ؟!. فلو كان عليك مثل رمل عالجٍ، ومثل أيام الدنيا، ومثل قَطْر السماء ذنوباً غسلها الله عنك. وأما رميك الجمار فلك بكل حصاةٍ رميتها تكفيرة كبيرة، وأما نحرك فمدَّخرٌ لك عند ربك. وأما حلقك رأسك فإنه مدخورٌ لك بكل شعرٍ تسقط حسنة، فإذا طُفْت البيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك ))

( زيادة الجامع الصغير والدرر المنتثرة )
أيها الإخوة المؤمنون... في الإسلام عبادات، ومعاملات، وحدود ؛ فالعبادات، تحدد علاقة الإنسان بربِّه، والمعاملات، تحدد علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، والحدود، تضمن سلامة المجتمع مِن أن يعتدى على الدين، وعلى العقل، وعلى المال، وعلى النفس، وعلى العِرض.
العبادات أيها الإخوة جوهرها الاتصال بالله عزَّ وجل، لأن النفس إذا اتصلت بربها تطهَّرت مِن كل خُبْثٍ، مِن كل شهوةٍ، مِن كل دناءةٍ، مِن كل انحرافٍ، مِن كل صفةٍ مذمومة، مِن كل هبوطٍ، مِن كل أنانيةٍ.
جوهر العبادات الاتصال بالله عزَّ وجل، لذلك كانت الصلاة عبادةً يومية، يؤديها الإنسان في كل يومٍ خمس مرات، وهناك عبادةٌ سنوية يؤديها المؤمن في العام مرة وهي الصيام، وأما الحج فهو عبادة العمر تؤدَّى في العمر كله مرةً واحدة، على سبيل الفرض.
يا أيها الإخوة المؤمنون... للحج معانٍ كبيرة، وحِكَمٌ عظيمة. مِن معاني الحج: أنك إذا ذهبت إلى الديار المقدَّسة خلعت عنك كل الأقنعة المُزَيَّفَة، الإنسان في بلده قد يكون ذا بحبوحةٍ، فتوافر المال بين يديه قناعٌ مزيفٌ يُنسيه مصيره في الآخرة، قد يكون ذا شأنٍ وجاهٍ، شأنه وجاهه في الدنيا قناعٌ مزيَّف، يحجُبه عن مصيره في الآخرة، قد يكون ذا عزوةٍ، وذا مكانةٍ، إنه إذا سافر حاجاً ومعتمراً إلى البلاد المقدسة، فإن الناس هناك سواسيةٌ كأسنان المشط، لا فرق بين غنيّهم وفقيرهم، ولا بين قويِّهم وضعيفهم، ولا بين صحيحهم ومريضهم، كلهم على صعيدٍ واحد، كلهم يرتدي ثياباً موحَّدة، غير مخيطة، ليعرف الإنسان مصيره، لابدَّ مِن أن يخلع عنه الثياب الأنيقة، لابدَّ من أن ينْخلع مِن مكانته الاجتماعية، لابدَّ من تذهب عنه أمواله الطائلة، يذهب إلى هناك ليعود إلى حجمه الحقيقي، ليعود فرداً، الله سبحانه وتعالى جعل تلك البلاد ـ التي نَحُجُّ إليها ـ كما وصفها:

﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾

( سورة إبراهيم: من آية " 37 " )
لو أن هذه البلاد كانت بلاداً جميلة ؛ حيث الجبال الخُضْر، والمياه العَذْبة، والسواحل الجميلة لذهب الناس إليها سائحين، ولاختلط السائح بالحاج، ولكن هذه البلاد التي فرض الله علينا الحج إليها ؛ بلادٌ حارَّة، قاحلة، لا نبات فيها، يذهب الحاج إليها ولا يبتغِ إلا وجه الله سبحانه وتعالى، لا يبتغِ إلا ابتغاء رضوانه.
أيها الإخوة المؤمنون... كأن الإنسان إذا حجَّ البيت عرف حجمه الحقيقي، أقنعةٌ كثير، كثيرةٌ كثيرة، تحجب عنه الحقائق وهو في بلده ؛ المال قناع، وهو حجاب، والمكانة الاجتماعية حجاب، والزوجة والأهل حجاب، وتوافر حاجاته حجاب، وبيته المريح حجاب يحجبه عن مصيره، لكنك إذا ذهبت البيت الحرام، ورأيت نفسك واحداً مِن الناس ؛ لا فضل لك عليهم، لا في ملبسٍ، ولا في مأوى، ولا في شيءٍ مِن هذا القبيل، عندئذٍ تعرف كيف أن الله سبحانه وتعالى سيجمع عباده يوم الحَشْر، ويقفوا على صعيدٍ واحد، ليحاسبهم عن أعمالهم كلها، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها.
أيها الإخوة المؤمنون... هذا معنىً مِن معاني الحج ؛ أن يعرف الإنسان حقيقته، أن يعرف الإنسان ضعفه، أن يعرف الإنسان مصيره، أن تزول عنه هذه الحُجُب التي تحجب عنه الحقائق، هذا معنىً مِن معاني الحج.
والمعنى الآخر: أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان، ومع كل إنسان، ولكنه نَسَبَ الكعبة إلى ذاته فقال: " هذه بيتي، فمن أرادني فليزرني في بيتي " إنك إذا تجشمت مشاق السفر، ودفعت النفقات الباهظة، مِن أجل أن تزور الله في بيته، الحُجَّاج والعُمَّار كما قال عليه الصلاة والسلام
(( وفد الله ".. " ضيوف الرحمن ".. " زوار بيته الحرام ))
إنك إذا توجَّهت إلى الكعبة المشرفة لتحج البيت فكأنما ذهبت إلى الله عزَّ وجل..

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

( سورة الصافات )
كما قال سيدنا إبراهيم..

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
سياحةٌ روحيَّة..

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

( سورة الذاريات )

إنك إذا ذهبت إليه، وقطعت كل العلائق التي تحول بينك وبينه، إنك إذا ذهبت إليه، وتركت الزوجة والولد، إنك إذا ذهبت إليه، وتركت البيت المريح لتنام تحت خيمةٍ قد لا تستريح بها، إنك إذا ذهبت إليه، مُنِعْتَ مِن أن ترتدي الثياب المخيطة، وأن تستخدم بعض المباحات التي أبيحت لك في بلدك ؛ منعت من قص أظافرك، منعت من حلق شعرك، منعت مِن التطيُّب لتعرف خشونة الحياة، ومُنْقَلب الإنسان إلى الدار الآخرة.
معنىً آخر من معاني الحج: أنك ذاهبٌ إلى الله عزَّ وجل.
أيها الإخوة المؤمنون... ربما طَغَت المشكلات، ربما طغت المشاغل، وتمكَّن الحِرْص، وتوجَّهت النفس إلى الدنيا ؛ تبحث فيها عن راحتها، وتستكمل منها زينتها، وزخرفها، فترى هذا العبد الذي شُغِلَ بالدنيا ؛ فكانت أكبر همه، ومبلغ علمه، يحافظ على الصلاة شكلاً لا مضموناً، يحافظ على أدائها وينسى حقيقتها، يحافظ على ركوعها وسجودها وقلبه ساهٍ ولاهٍ، يحافظ على سُنَنِها ويجهل حكمتها، إلى أن تصبح الصلاة نوعاً من العادة يؤدّيها كل يوم ولا يفقه حكمتها، عندئذٍ يأتي الحج لينزعه مِن بين أهله، يأتي الحجُّ لينزعه مِن أهله وولده، وعمله وتجاره، مِن قصره ومِن أصدقائه، وأحبابه، مِن حفلاته وأسماره، من مظهره الأنيق، يأتي الحج ليضعه في حجمه الحقيقي، كأن الله سبحانه وتعالى يقول: يا عبدي خَلِّ الدنيا وتعالَ إليَّ، خلِّ همومك وتعالَ إلي. لذلك يقول العبد: لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والمُلك لك لا شريك لك.
أيها الإخوة المؤمنون... تعالَ يا عبدي لأريحك مِن همومٍ كالجبال تجثُم على صدرك، تعالَ لأطهرِّك مِن شهواتٍ تنغِّص حياتك، تعالَ وذُق طعم محبتي، تعالَ وذق حلاوة مناجاتي، يقول العبد: لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلك لا شريك لك.
تعال لأريك مِن آياتي الباهرات، تعال لأريك ملكوت الأرض والسماوات، تعال لأعمِّر قلبك بنوري الذي أشرقت له الظُلمات، لأملأ نفسك غنىً ورضىً، تعال لأخرجك مِن ظلمات الشهوات إلى أنوار الطاعات، تعال لأنقلك مِن دنياك المحدودة وعملك الرتيب إلى آفاق معرفتي.


فيقول الحاج: لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلك لا شريك لك.
أيها الإخوة المؤمنون... كما قلت لكم: حكمة الحج كامنةٌ في أنه ذهابٌ إلى الله عزَّ وجل، فإذا ذهبت إليه فحقٌ عليه أن يكرمك.


((من توضأ في بيته فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم الزائر))

( العهود المحمدية )
كيف لو زرته في بيته الحرام ؛ حيث المسافات بعيدة، والنفقات كثيرة، والمشاقُّ عظيمة ؟ إذا زرته هناك فحقٌ عليه أن يكرمك، وأن يطهرك، وأن يغفر لك، وأن تعود مِن ذنوبك كيوم ولدتك أمك.
أيها الإخوة المؤمنون... الحج عبادة العمر، بها يرقى الإنسان مِن مرتبة العُبَّاد إلى مرتبة العلماء، مِن مرتبة مدافعة التدنّي إلى مرتبة متابعة الترقيّ.
أيها الإخوة المؤمنون، أيها السادة الأعزاء ؛ سيدنا عمر، رضي الله عن عمر، خطب خطبةً استهلَّ بها عهد خلافته فقال: " بلغني أن الناس قد هابوا شدتي، وخافوا غلظتي، وقالوا: كان عمر يشتدُّ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، ثم اشتدَّ علينا وأبو بكرٍ والينا، فكيف وقد صارت الأمور إليه ؟ "
كان النبي عليه الصلاة والسلام لرحمته العظيمة، ولحلمه الشديد يخفِّف مِن شدتي، وكان أبو بكر الحليم عليه رضوان الله تعالى يخفف مِن شدته، فكيف إذا صارت الأمور إليه ؟! ".
قال سيدنا عمر: " ألا مَن قال هذا فقد صدق، فإني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عونه وخادمه، وكان عليه السلام مَن لا يبلغ أحدٌ صفته في اللين والرحمة، وكان كما قال الله تعالى:

﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

( سورة التوبة )
فكنت بين يديه سيفاً مسلولاً، حتى يغمدني أو يدعني، فأمضي، فلم أزال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى توفَّاه الله وهو عني راضٍ، الحمد لله على ذلك كثيرا، وأنا به أسعد، ثم ولِيَ أمر المسلين أبو بكرٍ، فكان مَن لا تنكرون دَعَتَهُ، وكرمه، ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتي بلينه، فأكون سيفاً مسلولاً حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل معه كذلك، حتى قبضه الله عزَّ وجل وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيرا، وأنا به أسعد ـ الآن ـ ثم إني قد ولِّيت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أُضعِفَت... ".
كان أبٌ وأم ؛ الأم رحمتها تغلب عليها، والأب شدته تغلب عليه، فلما توفّيَت الأم ؛ يجب أن يأخذ الأب دور الأب والأم.
أيها الإخوة... يقول سيدنا عمر: "... إني قد وليت أموركم، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظُلم والتعدّي، فأما أهل السلامة والدين والقَصْدِ فأنا ألين لهم مِن بعضهم لبعض ـ أهل الظلم والتعدي أنا شديدٌ عليهم، أما أهل الدين والقصد فأنا ألين لهم مِن بعضهم لبعض ـ ولست أدع أحداً يظلم أحداً، أو يعتدي عليه، حتى أضع خدَّه على الأرض حتى يُذْعِن، وإني بعد شدتي تلك أضع خدّي على الأرض لأهل العَفاف، وأهل الكفاف، وأهل التُقى والصلاح، ولكم علَيَّ أيها الناس خصالٌ أذكرها لكم فخذوني بها ـ أي حاسبوني عليها ـ لكم عليَّ ألا أجبي شيئاً مِن أموالكم إلا بالحق، ولكم عليّ إذا وقع في يدي مِن أموالكم شيء ألا أنفقه إلا بالحق، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى، ولكم علي أن أسدَّ ثغوركم ـ أي أن أحمي حدودَكم ـ ولكم عليَّ ألا ألقيكم في المهالك، وإذا غبتم في البعوث ـ أي في الجهاد ـ فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم، فاتقوا الله وأعينوني على أنفسكم بكفّها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف، والنهي عن المُنكر، وإحضار النصيحة فيما ولاّني الله مِن أمركم".
أيها الإخوة المؤمنون... سيدنا عمر رضي الله عنه كان يخرج إلى ظاهر المدينة، ليتلقى الرُكبان، ليسألهم عن أحوال البلاد، التقى مرَّةً بأحد الركبان، فسأله عن أحوال البلد التي جاء منها، فقال هذا الرجل ـ ولا يعرف انه أمير المؤمنين ـ قال: " رأيت فيها الظالم مقهوراً، والمظلوم منصوراً، والغني موفوراً، والفقير مجبوراً، والأمير مشكوراً، وأعماله مبرورة ". فوقع على الأرض ساجداً شكراً لله عزَّ وجل.
أيها الإخوة الأكارم... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـَن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.
والحمد لله رب العالمين


* * *

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد،ن سيدنا محمد صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمداً وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة المؤمنون... ما منا واحد، إلا وبين جوانحه، قلبٌ ينبض، ولكننا قد نجهل حقيقة هذا القلب، والدور الذي يؤدّيه، والمجهود الكبير الذي يتحمَّله.
إن القلب في بعض الإحصاءات الأخيرة: يضخُّ في الدقيقة الواحدة خمس لترات، وهو في حالة استرخاء، وهو نائم، كل دقيقة، انظر إلى الساعة، عيِّر دقيقةً واحدة، اعلم أن القلب، في نبضاته الثمانين يضخ خمس لترات، قارورة الماء لتر ونصف، فتقريباً ثلاث أو أربع قوارير من الماء، الذي يباع معبَّأً، هذا ما يضخُّه القلب، في الدقيقة الواحدة.
لكن حينما يبذل الإنسان مجهوداً كبيراً، في الركض والمشي، يضخ القلب خمساً وعشرين لتراً في الدقيقة، وعند بعض الرياضيين في أثناء بذل الجهد العالي، يضخُّ القلب في الدقيقة أربعين لتراً، ما هذه المضخة التي تتراوح استطاعتها، بين خمس لترات، وأربعين لتراً ؟ أي أنها تبذل عند الحاجة ثمانية أضعاف الطاقة.
أيها الإخوة الأكارم... مَن مَنا يصدق أن القلب يضخُّ في اليوم الواحد، عشرة آلاف لتر مِن الدم، فالذي لديه مستودع للوقود السائل يتسع لمتر مكعب واحد، أي خمسة براميل القلب يضخ في اليوم الواحد، أي في الأربعةٌ وعشرين ساعة عشرة آلاف لتر من الدم، فإذا عنده عشرة مستودعات، كل مستودع خمس براميل، العشر مستودعات، يضخها القلب في اليوم الواحد، وأن ما يضخه القلب في العام، ثلاث آلاف وستمئة طن مِن الدم.
شيءٌ لا يصدق، إنما يضخه القلب، في اليوم الواحد يكفي لسحب قاطرة، لو أن جهد القلب حوِّل إلى استطاعة، لكفى، ما يبذله القلب في اليوم الواحد أن يسحب قاطرةً متراً واحداً.
هذا صنع الله، القلب الذي يضخ، يتحرَّك وينبض مِن الشهر الثالث، والإنسان في رحم أمه، ولا يتوقَّف، ولا يتعب، ولا يكلُّ، إلا حينما يقف الوقفة النهائية، وعندها ينتهي أجل الإنسان. سبحان من خلق هذا العضو الذي يعدُّ، كما قال عليه الصلاة والسلام.

((....أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

( صحيح البخاري )

الدعاء
اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا.
واقسم لنا مِن خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومِن طاعتك ما تبلغنا بها جنَّتك، ومِن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصرنا على مَن عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبْلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا، وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنه على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين