بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مكة المكرمة هي الوسط الهندسي للعالمين القديم والجديد معاً :

أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس الثاني والخمسين من دروس سورة البقرة، ومع الآية الثامنة والخمسين بعد المئة، وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾
أيها الأخوة الكرام:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 96]
قال علماء الجغرافيا: مكة المكرَّمة هي الوسط الهندسي للعالم القديم والجديد معاً، العالم القديم ؛ آسيا، إفريقيا، أوقيانوسيا، وأوروبا، أطراف العالم القديم، أيّ طرف من هذه الأطراف يبعد عن مكَّة ثمانية آلاف كيلو متر، إذا أضفنا العالم الجديد، وهو أمريكا الشمالية والجنوبية، أيّ طرف من أطراف العالَم الجديد يبعد عن مكة المكرَّمة ثلاثة عشر ألف كيلو متر، فمكة المكرمة هي الوسط الهندسي للعالمين القديم والجديد معاً.
هي أول بيتٍ وضع للناس، لأن الله عزَّ وجل خلق الإنسان بطبيعةٍ ماديَّة، فالإنسان إذا أراد أن يتقرَّب إلى الله يذهب إلى بيت الله، صار هناك هدف، الله عزَّ وجل قدَّس هذا المكان، المكان ليس مقدساً بذاته إلا أن يقدسه الله عزَّ وجل. فأمرنا أن نقبِّل الحجر الأسود، وأمرنا أن نضرب رمز الشيطان بالحجر، فرمز الشيطان محتقر نرجُمه، والحجر الأسود مقدسٌ نقبِّله، لا لعلةٍ فيه بل لأن الله أمرنا أن نفعل ذلك.

ربنا عزَّ وجل اتخذ هذا البيت الحرام ليكون وسيلةً لإقبال العباد على الله عزَّ وجل :

إذاً الله عزَّ وجل اتخذ هذا البيت بيتاً له وقال: تعالوا إلي، أقبِلوا علي، تقول أنت: لبيك اللهمَّ لبيك، هذا الشيء يقودنا إلى الحج، الإنسان يصلي في بلده، وزوجته أمامه وأولاده، وعمله قريب من بيته، أما حينما يحج بيت الله الحرام لا بد من ترك بيته، وترك زوجته، وترك أولاده، وترك منصبه، وترك مكانته، وترك عمله، وأن يتوجَّه إلى بيت الله الحرام متفرِّغاً لله عزَّ وجل، فإذا فرَّغ نفسه لله عزَّ وجل، فإن الله جل جلاله يفرغه مما سواه مكافأةً له على هذا التفرُّغ، فسأل أي حاجٍ ذهب إلى بيت الله مخلصاً، أي مشكلةٍ يعاني منها، أي همٍ في بلده يمحوه الله عنه ما دام في الحج.
إذاً الله عزَّ وجل من أجل أن تدفع ثمن لقائه اتخذ بيتاً، وقال: تعال إلي، من أجل أن تدفع ثمن لقائه.
مثل بسيط: لو أن طالباً والده أستاذ رياضيات متفوِّق، والأب أعطى ابنه درساً طبعاً بلا ثمن، لأن الدرس مجاناً، قد ينتبه وقد لا ينتبه، قد يستفيد وربما لا يستفيد، أما حينما يدفع الطالب مما قد جمَّعه في صيفٍ بكامله ثمن دروس أستاذ رياضيات، كله آذانٌ صاغية، لأنه دفع ثمن هذا الدرس من ماله الشخصي.
الإنسان حينما يترك بيته، ويترك أهله، وأولاده، وعمله ويؤثر تلبية دعوة الله على كل حظوظه من الدنيا، دفع ثمن هذا اللقاء، لذلك الله اتخذ بيتاً وقال: تعالوا إلي، أي تعال يا عبدي لأريحك من همومٍ كالجبال، تعال يا عبدي لتذوق طعم القرب مني، تقول له: لبيك اللهمَّ لبيك، فربنا عزَّ وجل اتخذ هذا البيت الحرام ليكون وسيلةً لإقبال العباد على الله عزَّ وجل.


إبراهيم عليه السلام له موقفان انفرد وتفوق بهما :

طبعاً هذه مقدمة، أما الذي أريد أن أقوله لكم: سيدنا إبراهيم أبوا الأنبياء، وقد قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾

[سورة البقرة الآية: 125]
أي اتخذوا من أعمال إبراهيم طريقاً إلى الله، اتخِذوا من الأعمال الجليلة التي قام بها إبراهيم طريقاً إلى الله عزَّ وجل، ماذا فعل إبراهيم؟ إبراهيم عليه السلام له موقفان انفرد بهما، أو تفوق بهما.
1ـ التوكُّل المُطلق على الله :

الموقف الأول: التوكُّل المُطلق على الله. طبعاً نحن نتوكَّل على الله، ولكن نأخذ بكل الأسباب، أنت حينما تسافر يكون البيت ممتلئاً بالطعام والشراب، وكل الأشخاص يلبّون طلباتك في غيبتك، ووضعت عندهم المال الكافي، وهناك هاتف، وكل شيء ميسَّر، وصيت أُناساً كثيرين لتلبية طلبات عائلتك في غيبتك، أما أن يأتي هذا النبي الكريم بزوجته هاجر وابنه، ويضعهما في وادٍ غير ذي زرع ويذهب، تقول: " آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا الله عزَّ وجل".
هناك ثقة بالله ليس لها حدود، أنت حينما تثق بالله لا بد من أن يكون الله معك، هذه المرأة والأم، تعرفون من الأم، أية أم، إذا أم زوجة نبي كريم ليس هناك شراب تشربه، ماء لا يوجد، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لن يضيعنا الله أبداً. وضعها بين الصفا والمروة، هما مكانان مرتفعان في موقع مكة، في أول بيتٍ وضع للناس، فمن شدة حرصها على ابنها، وعلى سلامته، أين الماء؟ راحت تسعى بين الصفا والمروة بحثاً عن الماء، ولكن مسعاها لم يجدِ شيئاً، طفلها الصغير ضرب بقدمه الأرض ـ أحياناً تحفر خمسمئة متر لا تجد ماء ـ فانفجر من تحت قدمه نبع زمزم.
ربنا عزَّ وجل علَّمنا بهذا الدرس أنك إذا توكلت على الله حقَّ التوكُّل كان الله معك، ولن يضيعك، طبعاً هذا توكُّل مطلق، لكن بالطبع نحن لسنا أنبياء، نحن مأمورون أن نأخذ بكل الأسباب وأن نتوكل على الله رحمةً بنا، أما إنسان يضع زوجته وابنه في وادٍ غير ذي زرع، حيث لا ماء، والإنسان بلا ماء يموت في أيام معدودة، أعتقد في ثلاثة أيام ينتهي، وبلا هواء أربع دقائق، أو ثلاث دقائق، فلذلك علَّمنا الله عزَّ وجل من هذا الدرس أنك إذا وثقت به عزَّ وجل كان معك.
لكن عندنا حكم شرعي، وعندنا موقف شخصي، فالذي فعله هذا النبي الكريم موقف شخصي، ولكن علَّمنا مُطلق التوكل، لأن الله عزَّ وجل خلق الكون على نظام السببية، فلما أراد أن يكون البحر طريقاً يبساً لم يجعله طريقاً يبساً إلا بسبب:

﴿ أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ﴾

[سورة الشعراء الآية: 63]
ضرب البحر بالعصا فصار طريقاً يبساً، فوُجد الطَود، فربنا عزَّ وجل حينما يريد أن نصنع شيئاً بفعله مباشرةً يجعله بسببٍ أرضي، فنظام السببية نظام أساسي، إنك تؤمن بالله عن طريق نظام السببية، كل شيء له سبب، من هو المسبب الأول؟ إنه الله، فحتى هذا النبع الذي هو الآن نبع ماء زمزم، كان بسبب أن هذا الطفل الصغير من شدة عطشه، ضرب برجله الأرض فانبجس هذا النبع العظيم، وهذا النبع يحيِّر العقول، فمجموع الأمطار التي تهطل في مكة وما حولها لا تكفي لهذا النبع، وكلكم يعلم كيف أن هذا النبع يلبي أربعة ملايين حاج، وينتقل هذا الماء إلى المدينة المنوُّرة ـ شيء عجيب ـ أرض قاحلة، أرض جافَّة، لا نبات فيها ولا ماء، هذا النبع مستمر، وهو آيةٌ من آيات الله الدالَّة على عظمته.
2ـ العبوديَّة الكاملة لله عزَّ وجل :

الدرس الثاني هو أن هذا النبي علَّمنا العبوديَّة الكاملة لله عزَّ وجل؛ حينما أمره أن يذبح ابنه، إنه شيء ليس في طاقة البشر، أنْ يؤمر إنسان بذبح ابنه الذي بلغ معه السعي، الطفل الصغير حينما يصبح فتًى، وعلَّمه، وربَّاه، وهذَّبه، وصار يساعده، الآن اذبحه، أيضاً هذا درس في الانقياد لله عزَّ وجل ليس له حدود، الله عزَّ وجل قال:
﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾

[سورة البقرة الآية: 125]
أي إن أردت أن تصل إلى الله فبادر إلى طاعته، وأعلن عبوديتك له، ثم توكَّل عليه:
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

[ سورة النمل الآية: 79]
قضية التوكل غائبة عن الناس، تجد كل إنسان عنده هموم تسحقه، فأين الله؟ كل شيء بيد الله عزَّ وجل، توكل على الله، كن معه وتوكل عليه، أطعه وتوكل عليه، بادر إلى العبودية له وتوكل عليه.
قدسية الصفا والمروة :

أيها الأخوة... فهذه المرأة الكريمة ـ زوجة سيدنا إبراهيم ـ التي سعت بين الصفا والمروة، وكان من سعيها أن تفجَّر نبع زمزم، هذا درس علَّمنا ربنا إياه من خلال هذه القصة، وعلَّمنا أيضاً كيف أن الله سبحانه وتعالى حينما امتحن إبراهيم عليه السلام بأن أمره بذبح ابنه، كيف أن هذا النبي العظيم بادر إلى هذا الأمر دون تردُّد:
﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة الصافات الآية: 102]
ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ الذي حدث أن العرب في الجاهليَّة جعلوا على الصفا صنماً، وعلى المروة صنماً، وصاروا يسعون بين الصفا والمروة تعظيماً لهذين الصنمين، فحينما جاء الإسلام عزف المسلمون عن السعي بين الصفا والمروة لأنه سعيٌ بين وثنين، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعيد لهذا المكان قدسيَّته فقال:
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾
ما معنى (من شعائر الله)؟ الشعائر جمع، مفرد شعيرة، هي مكان ولكن هذا المكان له خصوصية، في هذا المكان ينبغي أن تنتابك مشاعر خاصَّة، فإن أتيت بيت الله الحرام صادقاً، منيباً، مخلصاً، أنت في هذا المكان بين الصفا والمروة لا بد من أن تشعر بشيء، بحالٍ من القرب، بل إن الإنسان حينما يحج بيت الله الحرام يبدأ بالطواف، كطواف المُحب حول محبوبه، ويسعى بين الصفا والمروة كسعي المُشتاق إلى حبيبه، حالات نفسيَّة، هذا معنى الشعائر، أي أنت يجب أن تشعر بشعورٍ مقدسٍ وأنت فيها، وكل إنسان حجَّ بيت الله الحرام وما شعر بشيء ؛ بل إن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض ما روي عنه أنه من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حجَّ له.
أهمية التوكل :

الذي يعجب أن الإنسانَ يذهب إلى الحج، ويعود، ويحدثك عن كل شيء إلا الحج، يحدثك عن المبيت، وعن الطرق، وعن المشاريع العمرانيَّة، وعن تأمين الماء البارد، وعن تأمين الطعام، والمواصلات، وكيف وصل إلى الديار المقدسة، وكيف غادر هذه الديار، وأي رحلة ركب، وكم انتظر، شيء عجيب ‍يحدثك عن كل شيءٍ إلا الحج، لكن وأنت في الطواف ماذا شعرت؟ وأنت بين الصفا والمروة ماذا شعرت؟ وأنت على عرفات ماذا شعرت؟ أيعقل أن يقول لك الله عزَّ وجل: تعال واترك أهلك، وبيتك، ومالك، وعملك واجلس هنا هكذا بلا شعور، بلا إحساس، بلا إقبال، بلا شيء ثمين تملكه وأنت في الحج؟
فلذلك الله عزَّ وجل أراد أن يزيل وثنية هذا المكان المقدس وقال:

﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾
دعوكم من الأصنام التي كانت في الصفا وفي المروة، وهذان المكانان قدَّسهما الله عزَّ وجل لأنهما يشيرا إلى التوكُّل الذي علَّمنا إياه سيدنا إبراهيم.
هل هناك إنسان الآن لا توجد عنده قائمة هموم؟ ليس من إنسان إلا وعنده قائمة من الهموم، لماذا لا تتوكل على الله؟ لماذا لا تضع هذه الهموم عند الله عزَّ وجل؟ لماذا لا تكتفي أن تطيعه وعلى الله الباقي؟ هذا حال مريح جداً، الله عزَّ وجل خلقنا، وبيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، وكل شيء يغيره، وكل شيء يبدله، فأنا علي أن أطيعه، وعلى الله الباقي، أي أنك دبِّر ألاَّ تدبِّر، لا أقول: تتواكل، لا، ولكن لا تجعل الهم يسحق الإنسان، فحياة الإنسان معقدة جداً، ولا سيما في هذه الأيام، الحياة صعبة، الحاجات كثيرة، المكاسب قليلة، ثمة منافسة، وخوف، وقلق، وحرمان أحياناً، وشعور بالضياع، هذا علاجه التوكُّل..

﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ﴾

الشعور بالأمن هو أثمن شعورٍ يسعد الإنسان :

درس التوكل علمنا إيَّاه ربنا من خلال قصة هاجر زوجة سيدنا إبراهيم..
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾
فالله عزَّ وجل قال:
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾

[ سورة آل عمران الآية: 97]
أي أن الله عزَّ وجل يُلقي في قلب الحاج من الأمن ما لا يوصف، الشعور بالأمن شعور لا قدَّر بثمن، بل إن الشعور بالأمن يعد أثمن شعورٍ يسعد الإنسان، الله عزَّ وجل قال:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد الآية: 5]
رفع صلاح البال إلى مستوى الهدى:
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾

[ سورة آل عمران الآية: 97]
هناك آيات كثيرة جداً:
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾

[ سورة البقرة الآية: 125]

السعادة في الحج تكون من خلال الاتصال بالله عزّ وجل :

فأنت حينما تحج بيت الله الحرام تتمنى أن تعود إليه كل عام، من السعادة التي ألقاها الله في قلبك، الحقيقة في نقطة دقيقة جداً هي: إن اللذَّة الماديَّة لها شرائط، والسعادة الروحيَّة لها شرائط، الله عزَّ وجل جمَّد كل أسباب اللذَّة الجسميَّة، فهي بلاد حارة، جعل الحج في وقت محدد، إذاً كل هؤلاء الناس سيأتون إلى هذا المكان في وقتٍ واحد، أربعة ملايين إنسان لا بد من أن ينتقلوا من عرفات إلى مِنى في وقتٍ واحد، أصعب عقدة في الحج النفرة، أربعة ملايين لا بد من أن يطوفوا حول الكعبة.
جاء وفد لتنظيم الحج، فقدَّم تقرير مطول للقائمين على الحج هناك، فكان من بنود هذا التقرير أن يكون الحج على خمس دورات في السنة، بعيد عن جو الحج، على خمس دورات في السنة، فالله عزَّ وجل جعل كل أسباب الراحة الجسمية معطَّلة في الحج، ومع هذه الأسباب المعطلة هناك سعادة تفوق حدّ التصور لمن كان صادقاً في حجه، هذا الشيء دقيق.
لو أن المكان جميل، والهواء عليل، والطعام طيب، والمناظر خلاَّبة، والحج على مدار العام، صار الحج فيه راحة، والأوراق اختلطت، يا ترى أنت كنت سعيداً بهذه المناظر، وهذا الطعام، والهواء العليل، أم بإقبالك على الله؟ أراد الله أن تكون السعادة في الحج من بابٍ واحد إنها الاتصال بالله.
فكل أسباب السعادة الأرضيَّة معطلة، في وادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرَّم، الحر لا يُحْتَمَل، الازدحام لا يُحْتَمَل، فالله عزَّ وجل أراد أن تعرف أنك إذا اتصلت به وأنت في أصعب الظروف تكون أسعد الناس، وحينما تنقطع عنه وأنت في أجمل الظروف تكون أشقى الناس، هذه السكينة التي يلقيها الله في قلب المؤمن يسعد بها ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو مَلَكَ كل شيء، فكأن الحج وسيلة فعَّالة من أجل أن تتصل بالله عزَّ وجل، فرَّغك، قال: تعالَ إليَّ، دع بيتك، دع مكانك المريح، لك غرفة خاصة، لك مقعد وثير بين زوجة وأولاد وبنات وأصهار، بعملك ومكتبك، دعك من الدنيا وتعالَ إليَّ، تعالَ وارتدِ هذين الثوبين الخشنين، عاري الرأس، حافي القدمين، أو شبه حافي القدمين، تعالَ طُف حول الكعبة، اسعَ بين الصفا والمروة، انتقل إلى عرفات، ابتهل، ادعُني، توجَّه إلي، هذه السعادة.


السعادة التي يمتلكها الحاج في اتصاله بالله هي دليل أن الإنسان لا يطمئن إلا بذكر الله :

لذلك إذا جلست مع حاجٍ حجَّ حجاً مبروراً، وقبل الله حجَّه، تشعر أنك في جنة، فما هذه الجنة؟ السفر صعب، ترك الأهل أصعب، والإنفاق شديد، والحر شديد، لكن السعادة التي يمتلكها الحاج في اتصاله بالله، مع كل الظروف الصعبة التي تحيط به، هي دليل أن الإنسان لا يطمئن إلا بذكر الله..
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ﴾
حجَّ البيت أي قصد البيت، اعتمر زار:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾

[ سورة البقرة الآية: 196]
هذا الموضوع لا بد من أن يقودنا إلى الحج، الحقيقة الصلاة شحنة تعينك على أن تصل إلى الصلاةٍ الثانية، شحنة قصيرة ؛ الصبح، الظهر، العصر، المغرب، العِشاء، خمس أوقات، كل وقت يضمن لك السلامة والسعادة إلى وقتٍ آخر، ولكن شحنة يوم الجمعة هذه شحنة أطول تكفيك أسبوعاً بأكمله، لكن شحنة الصيام هذه تكفيك مدى العام، أما شحنة الحج هذه مدى العمر، فالحاج إذا ذهب إلى بيت الله الحرام، وعاد منه، فيجب أن يعود إنساناً آخر، يجب أن يعود متقد الفؤاد، لأن صار له هذا القرب من الله عزّ وجل، إلا أن الناس حينما يتأخرون في دينهم، يحجون رياءً وسمعةً أو للتجارة، أما الذي يحج بيت الله الحرام مخلصاً فيرى ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
الله اتخذ هذا البيت ـ للذي ببكة ـ بيتاً له، أمر عباده المؤمنين أن يأتوه زائرين وحاجين، والله يتولَّى بذاته مكافأتهم وإكرامهم، قد يقول الحاج: ماذا حصل لي؟ أنت حينما حججت بيت الله الحرام حصل لك القُرب، ومع القرب الأمن، ومع الأمن السلامة، ومع السلامة السعادة، أنت حينما زرت بيت الله الحرام ذقت طعم القرب من الله، عندئذٍ تزهد في الدنيا كلها. أراد الله أن يجعل الصفا والمروة مكانين لعبادته وطاعته وشعيرتين من شعائر المسلمين:
قال تعالى : ﴿ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾
لأن المسلمين في أول عهدهم كانوا يتحرَّجون أن يطَّوفوا بين الصفا والمروة، لأنه كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، فربنا عزَّ وجل أراد أن يجعل من هذين المكانين اللذين دُنِّسا بالصنمين، أن يجعلهما مكانين لعبادته وطاعته، وشعيرتين من شعائر المسلمين.. ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ﴾
يطَّوَّف: أي سبعة أشواط، لأن هناك فرق بين كَسَرَ وكسَّر، كسر القطعة إلى قطعتين، أما كسَّرها أي إلى قطع كثيرة، فأن يطوَّف أي أن يكون طوافه كثيراً، والنبي اختار سبعة أشواط تجسيداً لكلمة يطوَّف بهما.. ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾
ثم يقول الله عزَّ وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
الكبائر وأنواعها :
ذكرت قبل أسبوعين أن هناك كبائر، والكبائر مهلكة، وكلكم يعلم أن الكبائر هي التي توعَّد الله على مرتكبها وعيداً مخيفاً، أو لعنه، أو هي الأعمال التي توجب إقامة الحَد، على كلٍ هناك خلاف بين العلماء في تعريف الكبيرة، لكن من أدق أنواع التعاريف للكبيرة: أنه العمل الذي يستحق فاعله وعيداً من الله عزَّ وجل، أو لعناً، أو غضباً، أو توجب حداً.
فهناك كبائر ظاهرة وهناك كبائر باطنة، الظاهرة كشرب الخمر، وتعلُّم السحر مثلاً، والعلماء عدَّدوها إلى سبعين كبيرة، ولكن الكبائر الباطنة أخطر من الظاهرة بكثير، من هذه الكبائر الباطنة ذكرتها قبل أسبوعين، وهي الأمن من مكر الله، هذه كبيرة، إذا كان الإنسان مقيماً على معصيةٍ، ولا يبالي بها، والله يمدَّه بالمال والقوة، فإذا كنت على معصية، وكان ثمة عطاء من الله لك، ولم تخف، فأنت قد أمنت من مكر الله، الله عزَّ وجل لا يجعل من هذه النعمة نعمة إنما هي نقمة، إنما هي استدراج، فهذه كبيرة من الكبائر الباطنة، الأمن من مكر الله، هناك كبيرة أخرى من هذه الكبائر الباطنة هي اليأس من روح الله، وثمة كبيرة ثالثة هي سوء الظن بالله، وتحدثت عن هذا في الدرس الماضي.
واليوم تحدثت عن كبائر أربعة أو خمسة، من هذه الكبائر كتمان العلم، أي أنت معك معلومات حقيقيَّة، صحيحة من الكتاب والسنة، كنت في موقف، الحاضرون في أمسّ الحاجة لهذه المعلومات، ولكنك إن ألقيتها ضعضعت مركزك، فكتمتها، فكتمان العلم كبيرةٌ من الكبائر التي توجب لعنة الله والناس والملائكة أجمعين..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ﴾
بعضهم قال: هم اليهود الذين كتموا صفة النبي في التوراة الله عزَّ وجل وصف رسول الله في التوراة وصفاً دقيقاً، لدرجة أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك كتموا هذه الأوصاف من أجل عداوةٍ، أو حسدٍ، أو بغضاء مع المسلمين، فكتمان العلم من أكبر الكبائر، فالله عزَّ وجل توعَّد هؤلاء الذين يكتمون.. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
لا سبيل إلى الشعور بالأمن إلا بطاعة الله عز وجل :
مرَّة حضرت مؤتمراً عن الأسرة مدة يومين ـ أول يوم فيه خمس جلسات، وثاني يوم فيه خمس جلسات ـ وقد تمنيت على المحاضرين أن يتكلَّموا كلمة عن الدين، وعن الإسلام، أو عن الله عزَّ وجل، وهذا موضوع خطير متعلِّق بالدين، وبمنهجنا الاجتماعي، فهناك الآن رغبة بعزل الدين عن الحياة، حقائق الدين مشرقة، حقائق الدين صارخة، حقائق الدين مُسعدة، حقائق الدين غذاء لنا، ومع ذلك الآن تطرح أي موضوع بمعزل عن الدين، ولا كلمة، الكلام كله مادي، كله بعيد عن هذا الدين القويم، يقول لك: قيم روحية، الحس الأخلاقي. أي حس أخلاقي هذا؟
الشيء الحقيقي أن تؤمن بالله أن الله سيحاسب، وتؤمن وباليوم الآخر وتنضبط، أما بحس أخلاقي، يقول لك: قيم روحيَّة ـ شيء جميل! ـ ومشروبات روحية، مثل بعضها، في عزل للدين، حتى المثقف ثقافة عالية حر التفكير، علماني يعتّم على الدين تعتيماً كاملاً، مع أنه بفطرته يعلم أنه لا سبيل إلى سعادة الإنسان إلا بالدين، ولا سبيل إلى الشعور بالأمن إلا بطاعة الله عزَ وجل، فتجد موضوعات إنسانيَّة، موضوعات فلسفيَّة، موضوعات اجتماعية، موضوعات اقتصادية تعالَج بطريقةٍ أو بأخرى بعيداً عن الدين، فهذا ينطبق على هؤلاء، هذه الآية:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
فهذه الآية في هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البيِّنات، أي يعرف الحق لكن المناسب أن يكتمه، فكتمه، ما الذي يحصل؟ طريق السعادة الوحيد هو الله، فإذا أنت قطعتَ الطريق إلى الله منعت الناس من السعادة والسلامة. طريق السلامة أن تطيع الله وأن تعرفه :
الناس رجلان مقرِّب ومُبْعِد، مُحبِّب ومنفِّر، موصل وقاطع، ليس ثمة ثالث، إما أن توصل الناس بالله، وإما أن تقطعهم عنه، إما أن تحببهم به، وإما أن تنفّرهم منه، إما أن تقنعهم بأحقيّة الدين، أو أن تقنعهم بأحقية الحياة الماديَّة، فالذي يكتم علماً مقدّساً يعرفه ويكتمه حفاظاً على مكانته، أو طلباً لسلامته، ماذا فعل؟ قطع الناس عن الله عزَّ وجل.
(( يا رب ، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحب من أحبني ، وحببني إلى خلقي ))
[ ورد في الأثر ]
فإذا كان طريق السلامة هو أن تعرف الله، طريق السلامة أن تطيع الله، توجد نقطة بالحياة؛ في عندنا مشكلات كثيرة، كل مشكلة تعد عن الجهلة بحد نفسها مشكلة، أما الحقيقة فكل هذه المشكلات أعراض لمشكلةٍ واحدة هي الإعراض عن الله، هذه اسمها أعراض الإعراض؛ ما يعاني الناس من ضيق، من خوف، من قلق، من جفاف، من كساد، هذه كلها تأديبات من الله، فأهل الدنيا يبعدون الدين عن حل هذه المشكلات، يريدون أن يحلوها بطريقةٍ مادية، والطريق هذا قد يكون مسدوداً، أما حينما تقول للناس: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً ﴾
[ سورة الجن الآية: 16 ]
حينما تربط الناس بالله عزَّ وجل، حينما تطمئنهم أن الأمر بيد الله، لا بيد زيد ولا عُبيد، الشرك يقطع الناس عن الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 116 ]
أكبر عقاب يعاقب الله به أعداءه أن يحجبهم عنه:
أنت عندما تبيِّن أن الأمر بيد الله عزَّ وجل، ولا توجد أي جهة أرضيَّة بيدها الأمر:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 62 ]
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 54 ]
الأمر له، فهذا كلام مريح للنفس، هذا كلام مطمئن، فأنت حينما تعتِّم على حقائق الدين، تعتم على التوحيد، تعتم على أن الدين هو ملاذ الإنسان بالله، حينما تعتم على أن الدين هو المُسعد الحقيقي، حينما تعتم عن أن منهج الله هو المنهج الوحيد الموصل إلى السعادة، أنت حينما تعتم على هذه الحقائق تقطع الناس عن الله، توقعهم في الشقاء الدنيوي والأخروي، لذلك هؤلاء المعتّمون يلعنهم الله، أي يبعدهم عنه، وأكبر عقاب يعاقب الله به أعداءه أن يحجبهم عنه.. ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
[ سورة المطففين الآية: 15]
﴿ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
اللاعنون هم الخلق كافةً، حتى البهائم، فالإنسان حينما يبتعد عن الله يقسو قلبه، فإذا عالج بهيمةً قسا عليها، النبي عليه الصلاة والسلام رأى بعض أصحابه يذبح شاةً أمام أختها فوبخَّه وقال: هلا حجبتها عن أختها : (( أو تريد أن تميتها مرتين. ))
[الطبراني عن عبد الله بن عباس]
الناس رجلان :
المؤمن في قلبه رحمة، فكل من في الأرض، وكل ما في الأرض يلعن الذي يُبعد الناس عن الله عزَّ وجل، ليس هناك شخص ثالث، مقرِّب ومبَعِّد، محبب ومنفِّر، واصل وقاطع، الناس رجلان؛ رجل يدعو إلى الله، ورجل يبعد الناس عن الله، الأول يدعوهم إلى طاعته، يدعوهم إلى معرفته، يدعوهم إلى اتباع سُنَّة نبيه، يقدم لهم نموذجاً حياً صادقاً مخلصاً؛ والثاني يحببهم في الدنيا، يرغبهم في متاعها، وفي مالها، يبعد عنهم شبح الآخرة، فإذاً لماذا هؤلاء:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
يلعنهم الخلق كافةً، حتى غير الإنسان، فمرَّة وجدت إنساناً يبيع السمك الطازج، يصطاد السمك، والسمك يتحرَّك حركة عشوائيَّة، يذبحه ويخرج أحشاءه، قبل أن يسكن، والله يقول: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾
[ سورة الحج الآية: 36 ]
أي سكنتْ، رأيت إنساناً يأخذ دجاجة، يذبحها ويضعها في ماءٍ يغلي فوراً، حتى يسهل عليه نتف ريشها، هذا وحش، فهي مخلوق له روح، ذبحتَها، اِنتَظر حتى تهدأ، ثم ضعها في ماءٍ ساخن، وهي لا تزال تشعر وتحس فهذا في قلبه قسوة. الذي يكتم ما أنزل الله يبعد الناس عن الله :
اللاعنون الخلق كافة، فالبعيد عن الله كيفما تحرَّك يؤذي، لذلك المؤمن إذا مات تبكي عليه السماء والأرض، أمّا الكافر:
﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ﴾
[ سورة الدخان الآية: 29 ]
لأنه مؤذٍ، فالذي يكتم ما أنزل الله يبعد الناس عن الله، عن طريق السعادة قطعهم عنه، عن طريق الأمن قطعهم عنه، عن طريق التوفيق قطعهم عن الله، عن طريق الطمأنينة قطعهم عنه، عيَّشهم بالدنيا، وبهموم الدنيا، قال: هؤلاء.. ﴿ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ﴾
يبعدهم الله عن رحمته، ويلعنهم الخلق كافةً.. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾
هذه رحمة الله، دائماً في استثناء.. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
إذا كان ثمة كتمان وجب أن يكون عند التوبة تبيين، تابوا عن كتمان العلم، وأصلحوا ما أفسدوا سابقاً، وبينوا.. ﴿ فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
الدين أساس الأمن و الطمأنينة عند الإنسان :
أحد أخواننا له صديق يعاني من أزمة نفسيَّة، فأخذه إلى طبيب نفسي، فالطبيب سأله عن أحواله، قال له: هل له درس علم؟ فقيل له: نعم، فقال له: هذا السبب ـ هو درس بأوروبا، وتعلّم أن الدين يخدر الإنسان، ويعقِّده، فبحسب دراسته يجب أن يكون لهذا الشاب صديقة لكي يكون سويّاً، ويجب أن يكون منفتحاً على الحياة، ويفعل كل شيء بلا قيد ليؤكد شخصيَّته ـ فهذا الأخ فهيم، قدَّم لهذا الطبيب عشرة أشرطة وكتاباً، هذا الطبيب يبدو أنه صادق، ولكن غابت عنه الحقائق، عكف على قراءة الكتاب، وسماع هذه الأشرطة، وبدَّل كلامه مئة وثمانين درجة، صار يقول: الدين يخلق صحَّة نفسيَّة عند الإنسان، الدين أساس الأمن عند الإنسان، أساس الطمأنينة، أساس التألُّق، فهذه الحقائق غابت عنه، فلما عرف الحقيقة بيَّن عكسها، هذا وأمثاله يكرمهم الله عزَّ وجل..
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ﴾
الطبيب النفسي يعد السلوك المنحرف هو السوي، والسلوك المنحرف والتفلت من منهج الله هو الصحَّة النفسيَّة، أما الانضباط يعده عقدة، هكذا الأمر في الأطباء الذين درسوا علم نفس في جامعات أوروبا، والجامعات الغربيَّة أساسها الشخص الغربي، ليس له منهج يسير عليه إطلاقاً.. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
الدين سبب الصحة النفسية للإنسان :
لفت نظري هذا الطبيب أنه خلال تفُّهمه لحقائق الدين ـ وإن كانت سريعة ـ صار يتكلم كلاماً عكس الكلام الأول ؛ إن الدين سبب الصحة النفسية للإنسان، الدين يُحدث توازناً، يُحدث طمأنينة، يُحدث شعوراً بالأمن..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
طبعاً إذا مات الإنسان المؤمن فليس له أيّة مشكلة، أما إذا مات الكافر فله جهنم خالداً مخلَّداً فيها.. ﴿ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾
وهذا إن شاء الله نبيَِّنه في الدرس القادم نبدأ به. والحمد لله رب العالمين