السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،




بدء: إيماناً واحتساباً

من اليسير على كلّ مسلم أن يوافق ليلة القدر، لأنها يقيناً في ليالي رمضان، فمن قام ليالي رمضان وافق إن شاء الله ليلة القدر، ولكن المهم أن يكون ذلك "إيماناً واحتساباً"، تماماً كصيام رمضان وقيامه، لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه"

"من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه"

"من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه"

---------------------

حين قدمتُ إلى هذه المدينة قصدتُ المسجد، بيت الله، لأؤدي حقّ الله، وأجد صحبة صالحة تعينني في بدء حياتي هنا، وربّما أرافقها وترافقني المسير.


بعد أيام من مواظبتي على حضور الصلوات، بادرني أحد المصلّين بالسؤال عن اسمي وحالي وعن ما إذا كنت جديداً في المدينة، فأجبته أن نعم!


بكلّ ودّ عرض عليّ مساعدته، وأخبرني بأنني أستطيع الاتصال به في كلّ وقت وطلب مساعدته، فهو في هذه المدينة منذ سنين طويلة!


مع مرور الأيام تعارفنا أكثر وتوطّدت علاقتنا، حيث كنا نتسامر مرةً تلو الأخرى بين المغرب والعشاء بعد أن نقرأ سويّاً ما تيسّر من القرآن الكريم.


بعد التعارف والتسامر والتذاكر كان لابدّ من التزاور!


دعاني أخي وصديقي، وقد تآخينا وتصادقنا، إلى بيته ذات يوم، فقبلتُ مسروراً!


دخلت بيته وإذا بي أشعر بالسكينة، وإذا البيت مؤثث أثاثاً جميلاً، وصاحبي يغدو ويروح محتفياً بي.


بعد الطعام والشراب أَخَذنا في السّمر!


قلت له: أي أُخَيّ، بيتك فيما أرى جميل، ومؤثث أثاثاً جميلاً، وأنت فيما أعلم، وذكرتَ لي مستور الحال، تعمل عملاً بسيطاً براتب بسيط!


فقال لي: إن لذلك قصة أسوقها إليك:


في هذه المدينة متجرٌ كبير جدّاً، تجد فيه كلّ شيء! وهذا المتجر يقدّم عروضاً خاصة من آن لآخر، بحيث يستطيع المرء أن يشتري الكثير بمال قليل! وأن يحصل على أثاث جميل، كأثاث بيتي الذي ترى، بسعر معقول ومستطاع!


فمثلاً هناك شهرٌ في السنة تكثر فيه عروض المتجر الخاصة، وفيه ليلة، غير معروف وقتها في هذا الشهر، تتميّز بأجمل وأثمن المعروضات، بأسعار في متناول الجميع!


فأنا منذ حللت هذه المدينة أحرص أن لا تفوتني عروض الشهر كله، وبالتالي عروض هذه الليلة الثمينة، ولذلك فبيتي كما ترى!


ولا تقتصر عروض هذا المتجر على هذا الشهر! وإنّما له عروض موزعة على السنة كلها، أحرص على نصيبي منها!


فمثلاً في الثلث الأخير من الليل، وذلك كل ليلة، تكون هناك إمكانية للذهاب للمتجر والتزوّد بكلّ شيء، أيضاً بأثمان معقولة ومستطاعة.


بل إنّ صاحب المتجر كريمٌ جدّاً! فما يذهب إليه أحدٌ في ساعة من ليل أو نهار، فيسأله، إلا أعطاه!


قلت: فما بال الناس لا يذهبون لهذا المتجر ويؤثثون بيوتهم كما فعلت؟


قال: بعضهم يفعل! وكثيرٌ منهم يغفل ويكسل! وذلك راجعٌ إلى كثرة الصّوارف والمشوّشات والإعلام المضادّ لهذا المتجر!


قلت لصاحبي: فما هذه السكينة وهذا الرضا الذي أحسّ به في جَنَبات بيتك؟!


قال: ذلك راجعٌ إلى علاقة توطّدت بيني وبين صاحب المتجر! فأنا معتمدٌ عليه في كل شأني، واثقٌ من أنه لا ولن يخذلني أو يحرمني!


قلت: هنيئاً لك ما أنت فيه، فكيف السبيل إلى مثله؟!


قال: سهلٌ ميسورٌ! وأنت إن شاء الله على طريق حسن، طالما أنّك بدأت بالمسجد، فلأهل المسجد مكانة خاصة عند صاحب المتجر، ولك أن تذهب لصاحب المتجر كلّ حين، فأبوابه مفتوحة، وعطاياه كثيرة، ولا تحتاج إلى وسيط أو شفيع!


قلت: قد دللتني على خير كثير، فشكراً جزيلاً لك، وأحبّ أن أكون أخاً وصديقاً لك ما عشتُ في هذه المدينة.


قال لي: يسعدني ذلك كثيراً.


وافترقنا على موعد باللقاء في صلاة الفجر!

----------------

ختام: يؤمنون بالغيب

جعل المولى الكريمُ القرآنَ الكريمَ هدىً للمتقين، وجعل من أوّل و آكد صفاتهم: يؤمنون بالغيب.

لابد أن تكون ثقتنا بما عند الله أكبر من كل ثقة في غيره ومن ما في أيدينا!


دمتم صالحين.