يعد موقع الرقة عقدة للمواصلات البرية والنهرية بين الشامية والجزيرة، وبين الشام والعراق. تبعد عن مدينة حلب (190كم) وعن دير الزور من الشرق (140كم). وقد هيأ هذا الموقع لمدينة الرقة دوراً تجارياً وزراعياً وحضارياً كبيراً عبر التاريخ
يعود تاريخها إلى الألف الثالث ق.م حيث توضحت معالمها في موقع تل البيعة توتول الذي يبعد (2كم) من البليخ، وكانت توتول معاصرة لدولة يمحاض الحلبية ودولة ماري العمورية. وكانت ميناءً هاماً على الفرات أعد لبناء السفن.
وإليها قدّم صارغون الأكادي (2240ق.م) النذور والقرابين لإله "دجن" إبان اجتياحه لسورية، ولعلها خربت في عصر حمورابي (1750ق.م). وبعد سقوط بابل (539ق.م) خضعت الرقة لأعقاب الإسكندر. حيث يبدأ العصر الهلنستي السلوقي منذ عهد سلوقوس نيكاتور الذي بنى مدينة (نيكيفوريوم)،. وفي الحقبة الرومانية من القرن (1-4م) شيدت مدينة جديدة إلى جانبها شرقي باب بغداد الحالي في موقع الرقة البيضاء. وفي العصر البيزنطي أعاد بناءها الإمبراطور ليون الثاني الذي حكم بين (473ـ474م). وأصبح اسمها (كالينيكوم)، ثم أصبح اسمها: (ليونتوبوليس) نسبة إليه. ثم أصبحت الرقة موئل القبائل في البادية. فتحها العرب المسلمون سنة (17هـ)، وفي العصر الأموي اهتم بها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك فاختط بها سوقاً عرف باسمه واتخذ له فيها مقراً، وأمر ببناء قصرين في الطريق المؤدية إلى الرصافة، وأمر بحفر نهرين لسقايتهما هما: نهر المري ونهر الهني، وأقام جسراً على الفرات لربط الجزيرة بالشام. ثم بنى الخليفة العباسي المنصور مدينة الرافقة عام (156هـ/ 772م) إلى جوار الرقة وأحاطها بأسوار على شكل نعل الفرس، وبنى فيها جامعاً على الطراز العباسي. وكان بناؤها بإشراف المهدي بناء على أمر أبيه الخليفة المنصور.
ثم اتخذ الخليفة العباسي هارون الرشيد الرقة عاصمة للخلافة نظراً لرقة مناخها وأهمية موقعها. وبنى قصراً بين الرافقة والرقة هو قصر السلام، كما بنى القصر الأبيض وقصر الخش وعمارة هرقلة، وانشأ البرامكة قصورهم في منطقة الرقة البيضاء، وكانت الرقة معروفة بالرقة السوداء أو المحترقة وهي التي فتحها العرب. وكانت الرقة في عصر الرشيد من منازل الدنيا الأربعة، وفي عصره تم حفر فرع من نهر الفرات نحو الرقة عرف بنهر النيل مازالت آثاره باقية. وبقيت الرقة زاهرة حتى عصر المأمون الذي أمر بمتابعة تحصينها.
وأهم الآثار الباقية في مدينة الرقة:


زيارة السياحة فى مدينة الرقة 2015 riqa3.JPG

ـ أسوار الرافقة: شيدت أسوار الرافقة بالآجر بشكل مضاعف فهي مؤلفة من السور الداخلي وحوله السور الخارجي وبينهما الفصيل، ويحيط بالسور الخارجي الخندق عند الضلع الجنوبي الذي كان محاذياً للنهر.
يبلغ طول السور (5كم) ويحصر مساحة من الأرض تقارب (1.5مليون م2) وهو مدعم بالأبراج على امتداده، ويبلغ محيط كل برج (15-16م). ولقد أعيد إنشاء باقي الأبراج في عام (1975م) من قبل مديرية الآثار وبخاصة التي تدعم السور الشرقي والسور الجنوبي وكان سمك السور الداخلي( 5.8م). وكان للأسوار بابان عظيمان باب في الزاوية الجنوبية الغربية باب الجنان وباب في الزاوية الجنوبية الشرقية مازال ماثلاً يسمى باب بغداد والباب الجنوبي والباب الغربي.

زيارة السياحة فى مدينة الرقة 2015 bab-bagdad.jpg

ـ باب بغداد: هو من أهم الآثار التي مازالت قائمة في سورية، ويقع في الزاوية الجنوبية الشرقية على السور الخارجي وعرض الواجهة ( 7.57م) بارتفاع (5.20م) محاذياً لبرج متصل بالسور، وفتحة الباب بارتفاع (2.5م) يعلوها قنطرة ذات قوس مكسور. وعلى جانبي الباب حنيتان زخرفيتان ويعلو هذه الواجهة، أفريز عريض مؤلف من صفين من الحنيات السفلى تتلوها أقواس نصف دائرية، والحنيات السفلى تعلوها أقواس مفصصة ثلاثية، ويحيط الأفريز إطار بارز، وينفتح الباب من الداخل إلى دركاه ضمن صيوان بعمق متر كانت تعلوه قبة.

زيارة السياحة فى مدينة الرقة 2015 riqa1.jpg

ـ قصر البنات: ثمة بناء هام يطلق عليه اسم قصر البنات،قائم في الجهة الشرقية الجنوبية من الرافقة وضمن أسوارها، لم يبق منه إلا الأطلال الضخمة، يعود إلى القرن الثاني عشر كما يرى هرزفيلد الذي زار القصر عام (1907م) وأعد له مخططاً، ويبدو أن الأطلال في ذلك الوقت كانت أكثر ارتفاعاً بما يقرب من عشرة أمتار.
لقد ابتدئ بأعمال التنقيب والترميم في هذا القصر ضمن نطاق المشروع الاستثنائي في الرقة. ومنذ عام (1976م) تأكد من خلال دراسة الخزف الذي عثر عليه أنه يعود إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر أي إلى العصر الأيوبي، وهذا يؤكد ما جاء على لسان المؤرخين أن هذا القصر لم يسكن بعد العصر الأيوبي، ومن المؤكد أنه هجر بعد حريق هائل شب فيه.

زيارة السياحة فى مدينة الرقة 2015 riqa2.JPG

يتألف هذا القصر من باحة مركزية تطل عليها أواوين أربعة ويفتح في الجنوب مدخل رئيسي يقابله في أقصى الشمال صالة خلفها حجرة وإلى جانبيها حجرتان، وتطل الصالة على باحة ورواقين، ويمتد القصر شرقاً وغرباً تحت الشوارع القائمة ولم تكتمل عمليات الكشف لهذا السبب. لقد أصبح القصر واضح المعالم بعد أن أعيدت الجدران والفتحات والأروقة إلى وضعها الأصلي.
ـ قصور الرقة: على بعد ثلاثة كيلو مترات وفي الشمال من باب بغداد تم الكشف عن آثار ثلاثة قصور، أطلق على أحد هذه القصور اسم: قصر المعتصم (219ـ228هـ/833 ـ 842م)، وهو قصر كبير المساحة يبلغ طوله (168 متراً) وعرضه (74 متراً)، وفي الجهة الشمالية يقع مدخله الرئيسي المؤلف من ثلاثة أبواب مدعمة بأبراج نصف دائرية، ويتقدم القصر حديقة كبيرة تقع في القسم الشمالي من القصر.

زيارة السياحة فى مدينة الرقة 2015 300px-Jaabar.jpg

ـ قصر هرقلة:يقع هذا القصر في الجهة الغربية من مدينة الرقة وعلى بعد (7كم) ولقد أنشأه هارون الرشيد بعد أن فتح مدينة هرقلة منتصراً على نقفور. وبناء هذا القصر غريب متميز، وقد لا يكون قصراً بل آبدة تذكارية. أضلاعه الثلاثة أواوين تنفتح نحو الخارج قبالة أربع بوابات كبيرة تتوضع على سور دائري.
ـ المسجد الجامع: يرتبط تاريخ بناء المسجد الجامع العتيق بتاريخ بناء الرافقة في عصر أبي جعفر المنصور سنة (155هـ/772م)، حيث اعتمد في نظام عمارة الرافقة المخطط الدائري لمدينة دار السلام ببغداد، وحدد موقع المسجد الجامع وقصر الإمارة وسط تلك الدائرة.

زيارة السياحة فى مدينة الرقة 2015 496_246.jpg

المسجد في الرقة على غرار مسجد دمشق مؤلف من صحن وحرم وهو مستطيل عرضه(92.90م) وهو طول جدار القبلة. وطوله (108م). وهو محاط بجدارين من اللبن المغلف بالآجر المدعم بأبراج نصف دائرية، وأبعاد الآجر (45×45×10سم). وفي كل زاوية برج مستدير. ومجموع عدد الأبراج عشرون برجاً. ويبلغ سمك السور (1.70م). وفي الصحن تنهض المئذنة مستقلة ولقد أنشئت في القرن الثاني عشر وهي تشابه مآذن قلعة جعبر ومسكنة وأبي هريرة. يقوم الحرم في الجهة الجنوبية وهو بعمق (30.60م) ذو سقف جملوني محمول على صفين من الأعمدة (14) عموداً في كل صف ومشكلاً بذلك ثلاثة أجنحة عرضية. أما واجهة الحرم المطلة على الصحن فهي مؤلفة من أحد عشر فتحة مقوسة أبعادها الوسطية (3.56م) عرضاً و(10.5م) ارتفاعاً.
ولقد أنشئت هذه الواجهة من الآجر المشوي وهي إذ تبدو موحدة الفتحات والأقواس في الواجهة، فإن هذه الفتحات في الداخل تحاط بصيوان بارز ذي قوس أو حنيات في أعلاه أو شكل مفصص. وفي أسفل العضادات ينفتح محراب صغير. ويختلف شكل العضادتين الجانبيتين تماماً عن غيرها. لقد أنشئ المسجد، فيما عدا المئذنة في عصر المنصور، وذكره المقدسي وقال عنه:"إنه جامع عجيب"، وإن مكانه في سوق الصاغة. وفي عصر نور الدين محمود بن زنكي تم ترميم المسجد وتم بناء المئذنة بإشراف أخيه حاكم الرقة من (562ـ566هـ/1167 ـ1171م).
ـ واسط الرقة: يعود إنشاء هذه الحاضرة على نهر الفرات إلى عصر هشام بن عبد الملك ويطلق عليها أيضاً رقة واسط. وكانت ضاحية ملكية ما لبثت أن تحولت إلى مدينة في القرن العاشر، وكان فيها قصر لهشام أحدث فيها قناتين، الهنىّ والمرىّ. وأصبحتا ضمن ضيعة انتقلت ملكيتها إلى السيدة زبيدة زوجة الرشيد. ويفصل واسط عن الرقة نهر الفرات.
ـ التلال الأثرية في محافظة الرقة: تنتشر بكثرة وخاصة حول نهري البليخ والفرات، وقد قام كثير من الباحثين العرب والأجانب بوصف تلك التلال، ومنهم: الإنكليزي السير مالوان، ومورتيس فان لون، وجاك كوفان، ولورين كوبلاند، وعبد القادر الريحاوي.
وقد تبين أن هناك (23) تلاً أثرياً في حوض البليخ تخفي في باطنها آثار عصور ما قبل الفخار وأوائله (7000ـ5000ق.م)، وأن هناك (27) تلاً أثرياً تضم في ثناياها فخار تل حلف (5000ـ4000ق.م)، وكان فخار العبيد موجوداً في (14) تلاً أثرياً، أما العصر النحاسي (3500ـ3000ق.م) فلم تكن آثاره موجودة إلا في سبعة تلال.
ـ متحف الرقة:
في عام (1981م) تم افتتاح متحف الرقة الأثري والشعبي في بناء السرايا القديم، وكان معداً للهدم فقامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بإيقاف هدمه وترميمه وإعداده ليكون متحفاً يضم آثار محافظة الرقة التي تم الكشف عنها بجهود مجموعات من المنقبين العالميين والمحليين.
يتألف البناء من طابقين، وعند مدخل المتحف نجد لوحة فسيفسائية جميلة تعود إلى القرن الخامس عشر ميلادي عثر عليها في حويجة حلاوة في محافظة الرقة.
وزين البهو الكبير في الطابق الأرضي بلوحات فوتوغرافية لأهم مواقع الآثار في سورية كما خصص في هذا الطابق جناح للآثار القديمة وجناح آخر للآثار من العصور الرومانية والبيزنطية، مع جناح للفن الحديث.
أما الطابق الأول فلقد خصص للعصور العربية الإسلامية، منها خزف الرقة وزخارف قصور الرقة الداخلية وهي إطارات جصية بارزة وتيجان وعقود حجرية وجرار فخارية.
وفي الطابق نفسه قسم يتعلق بالتقاليد الشعبية في الرقة، عرضت فيه خيمة بدوية مع جميع مشتملاتها من أثاث وأدوات مع تمثالين لبدويين من الرقة مع مشاهد صناعة الخبز والغزل وحاجيات الخيول وقد حفظت في المتحف جميع المكتشفات الأثرية المعدة للبحث والدراسة من قبل العلماء.
واشتهرت الرقة بصناعة الخزف، وفي المتحف الوطني بدمشق نماذج منه تعادل أهميتها خزف الرصافة وبخاصة الخزف ذو البريق المعدني.