مدينة يَشْبُمْ هي الصدفة اللؤلؤية التي لم أكن أتوقع اكتشافها وليلة القدر التي ساقها الإله لي في لحظة ضيق وكرب، والجنة الضائعة التي لم يسبق «لملتون» أن كتب عنها، عجيبة الدنيا الأولى والأخيرة، ومشكاة الكون ومصباح التاريخ، كل شيء فيها له مذاق خاص ولون مختلف أقرب إلى طعم الخلود، وإكسير السعادة بمياهها العذبة، وهوائها الممزوج بعطر الملائكة، وأحشائها المطعمة بالممالك القديمة.. وهناك.. هناك على مرفأ وادي يشبم الأثري التقيت الأستاذ فيصل حسين البعسي، المتخصص في الآثار القديمة، الذي اطلعني على كل طلاسم واسرار هذا الفردوس السحري.
يشبم الحميرية
يَشْبُمْ اسم يمني قديم حسب قول الدكتور يوسف محمد عبدالله، وأية مدينة على وزن المضارع هي اسم حميري، ويشبم يقدر بأنها مشتقة من شبام المدينة التي تقع في محافظة حضرموت، وشَبِم هو المكان المتوسط الذي يقع بين طريقين، وهناك من ذهب إلى أن شَبمَ هو عذب الماء، وتعد مياه يشبم من أعذب المياه الموجودة على الاطلاق، وهي تقع بين طريق القوافل الرسمي الذي يربط بين مناطق الشرق ومناطق الغرب، أي بين مدينة عدن ومناطق الشرق إلى حضرموت، والمهرة، وكان هذا هو الطريق الرئيس الذي يؤدي إلى حطيب، ثم إلى المدينة وطريق خورة.
تاريخ عريق
ويضيف البعسي في سياق حديثه المستمد من أحد بحوثه قائلاً: مدينة يشبم قديمة جداً، وقد ذكرت في نقوش قتبانية في القرن الرابع قبل الميلاد، وموجودة هذه النقوش في متحف بيحان، وفيها أن أحد ملوك قتبان قد عين أحد قادته حارساً على بوابة يشبم، وورد ذكرها عند الهمداني الذي يقول إنها وادٍ عظيم يسكنه الأيزون أي اليزنيون، وأحفاد ذي يزن، ويسكنها كذلك قبائل معن، وهناك بعض الباحثين الذين يربطون معن بمعين التي كونت لبنتها الأولى وأساسها المتين في هذا الوادي، ولم تصل إلى الجوف إلا وقد أضحت دولة لها كيانها وهناك باحث روسي يقول بأن نشأة دولة معين في وادي يشبم، وأنها هاجرت إلى منطقة الجوف، وأما بالنسبة للتاريخ الإسلامي فقد قامت عليها عدة قبائل، وكانت فيها دولة سلاطين آل صلاح الذين يوجد جزء منهم في مديرية نصاب، والجزء الباقي في مدينة أحور الساحلية التابعة لمحافظة أبين.
كنوز وآثار
وعن موقع مدينة يشبم الجغرافي يستطرد قائلاً:
يحدها وادي يشبم من الشرق، ومن الجنوب وادي خواوي، أما من الغرب والشمال فتحدها جبال الكور العملاقة ثم يضيف بدقة معلوماته قائلاً:
كما أوضحت لك إن هذه المدينة موغلة في القِدم، وعندما يحفر الناس الأساسات لبناء منازلهم يعثرون على آثار قديمة مختلفة الأشكال والروعة، كما أنهم عندما يحفرون الآبار اليدوية تصادفهم أدوات فخارية وبرونزية، وبعضهم تصادفه عين بئرٍ قديمة جداً، وهذه الأخيرة غالباً ما تحصل مراراً على مستوى الوادي، والمتتبع لتاريخ هذه المدينة يجد أنها أوسانية بدرجة أساسية، لكنها بعد القرن الرابع قبل الميلاد خضعت للحكم القتباني بمعية نصاب، وشهدت كذلك حكماً حضرمياً، حتى الهمداني نفسه يصنفها من ضمن أودية حضرموت، أو جزءاً منها، لكنها بدرجة أساسية أوسانية أولاً وقتبانية ثانياً.
مناطق مهمة ومدينة أثرية مكتشفة
أما عن المناطق الأثرية الهامة في هذه المدينة العائمة فوق بحرٍ من التاريخ فقد فصلها الأستاذ فيصل بالقول:
إن رسالة الماجستير التي أعدها في الجزائر عنوانها «مستوطنات كور العوالق»، بما فيها وادي يشبم، وقد أحصيتُ إلى الآن ثمانية إلى تسعة مواقع مهمة، كما أن عندنا نقوشاً ومخربشات منتشرة علي مستوى شعاب الوادي الطويل، وكل شِعب فيه الكثير من المخربشات، أما بالنسبة للمباني الأثرية، فإن هناك مبنى شِعب معلوم، وهناك مدينة أثرية اكتشفناها حديثاً، ولم يسبق أن وصل أحد إليها البتة، وهذه معلومة جديدة وطازجة، حيث يوجد في هذه المدينة المزخرفة أكثر من مائة منزل أزيلت بعض سقوفها، ويحدثنا الآباء أنها كانت إلى عهدٍ قريب مسقوفة، وهي مبنية من الحجر ومسَوَرة، وأعلى قلعة فيها تسمى قلعة «حديدة البانيين»، والبانيون عبارة عن مذهب منتشر في الهند، والمدينة أثر يمني قديم، وفيها الكثير من المخربشات الأثرية، وهناك الكثير من السواح الذين يأتون للسؤال عنها، ولديهم خارطة عنها، مع العلم أن موقع هذه المدينة الشاهق يثير عدة أسئلة، فهي ليست على طريق تجارية، كما أنها منطقة وعرة لا يمكن الوصول إليها إلا بالمخاطرة وشق الأنفس، وليس فيها أدنى مقومات العيش، لكن نمطها المعماري مميز وجميل وجذاب، وتحتوي على مبنى هندسي ربما يكون قصراً أو معبداً، كما تضم مستودعات غلال وبِركة، وهي محصنة، وتجري فيها المياه طوال العام، وأنا اعتقد أنها أنشئت لحاجة حربية، ومن المناطق الأثرية حجر نعب التي مع الأسف قد أزيلت، ولا يوجد لها أي أثر، إذ لم يمضِ على إزالتها سوى نصف قرن، وقد عثر فيها على تماثيل برونزية بأحجام كبيرة، وقد كان هناك تاجر آثار سويدي اسمه (لمبج) كان يراسل البدو الطيبين، ويعطيهم أسلحة ورصاصاً مقابل هذه التماثيل، وقد قال أحد الذين كانوا يراسلونه إن التماثيل البرونزية التي كانوا يعطونه إياها ذات أحجام كبيرة لأشخاص وحيوانات.
ساقية وقلعة
ويضيف عن المناطق الأثرية سارداً:
هناك ساقية مثقوبة في الحيد (الكهف) تسمى ساقية نقب، وتقع في جبل نقب، ويبلغ طولها أكثر من عشرين متراً، وكانت تحول المياه لسقي الأراضي الزراعية، ومازالت قائمة إلى الآن، بالإضافة إلى حجر سفال، وهي عبارة عن قلعة شامخة تتعرض للنبش بشكل مستمر، وتتكون من غرفتين أساسيتين، وممر رئيس وبركة كبيرة، وأود أن أشير إلى أن المواقع الآثرية التي تعود إلى ما قبل التاريخ منتشرة في وادي يشبم بشكل كبير جداً، والحديث عنها سوف يستمر إلى أن تنتهي الكلمات والقواميس.
مدينة فوق الوصف
آلاف السحب القطنية لم تغادر وجه المدينة، كما لم تغادر الجبال أماكنها الراسية، كذلك أشجار السدر التي تحاول بكثافتها أن تجعل لها حيزاً في هذا المكان الذي ربما يعد المطار الأول الذي استقبل والديَّ البشرية «آدم وحواء» أثناء هبوطهما الاضطراري، كما أن شريط الكلمات الفراشتية الملونة لم ينقطع أو يتوقف عند حد، بل واصل رقصه التاريخي على أديم ذاكرتي متناسلاً مع كل همسة حرف، وزخة سحر، وقبلة فرح، محرضاً إياي على الكتابة عن هذه المدينة التي لم تقدّر سياحياً، ولقد وعدتها بأنني سأكمل بقية الحديث.