سارحٌ في قعر الصمت في البلد المعذّب بالحرب بعدما استسلم المتعبون للنوم. شاردٌ في ظلمة لم يضء جنباتها مصباح. مذعور في بيت آثر سكانه اللّجوء إلى حصن الفراش من شدّة البرد. متدثّر بالغطاء والنوم يأبى الزيارة، والخوف يقفز أمامه مهدّداً متوعدا ، ورائحة الشّكوك توخز أنفه: وماذا بعدُ؟ مغادرة المنزل صعبةٌ في عتمة تسود الشوارع والأزقة، فإمّا أن يصطادك لصوصٌ أو يترصّد بك خاطف نهمٌ يبحث عمن يفتديك بحفنة نقود. و يظلّ الشّابّ محاصراً بصرير الخوف ورائحة الخذلان.
سأم يلتهم دماغه: لاكتاب يقرأ بعد أن أهمل دراسته الجامعية التي باتت كلفتها فوق احتمال أسرة فقدت المنزل والمعيل، و لا تلفاز يسرّي عن عيون اعتادت الأجساد العارية، والأشلاءالممزقة،الأصوات المزعجة، وأهوال الدّمار.
أخذ يعزف على مفاتيح جوّاله آهة الملل، رائحة الشوق إلى مِنْ صاروا تحت التراب، بسمات الحنين إلى مَن جرّحتهم رياح الغربة، فتشرق بالبهجة شاشة المحمول المجاور. يتناوله بسرور ليقرأ الرّسالة على شاشة جوال شقيقه رفيق البيع على الأرصفة المكتظة بالباعة يتنافسون على الظّفر بمَنْ يشتري، ويسعده أنّ هناك مِنْ يبدع الألم كلمات. و يشرع بمداعبة المفاتيح للردّ على الرسالة فتجاهل نداء الأرواح للأرواح أمر فيه قلّة ذوق.
إرسال واستقبال، خذ و هات. صفير رسالة تنبيه من هنا، وتوجّع أخرىمن هناك:انتهى الرّصيد.
قهقه وهو يضرب كفاً بكفّ. كسرت ضحكته من نفسه وعلى ذاته زجاج الصّمت: عليك أن تعمل لساعات طويلة كي تملأ رصيد الجوّالين.