ساعة توزّع الناس رزق الودّ والحنان لم يكنْ غائباً الملام على الولادة المتعسرة التي أخذت حضن أمّه ، وسلّمتْه لذراعي الجدّة العجوز، لنظرها الكليل. يوم تقاسم الناس أبوّة صالحة مُنح أباً سكيراً ، لا يكاد يستفيق إلا ليشرب، و يهجع على الأرصفة مثيراً عاصفة من السخرية ، ويتلقى ما لا يحتمل من الشتائم.
حين تسلّم السلاح قرّر أن يتعلم كيف يصوّب إلى وجه زوجة عمّه التي أهانته، إلى ابن الجار الذي سخر من ملابسه، إلى ابنة عمّه التي رفضت حبّه، إلى عمّه الجبان الذي لم يدافع عنه.
لحظة أطلق النّار كان هدفه وجه المعلم الذي ضربه، والزميل الذي ركله، والمدير الذي لم ينصفه.
حين غدا مسؤولا عن حصاد الأرواح صار التّركيز على أمّ تجرّ ولدا : لسْتِ أفضل من أمي. بدا الرجل الأنيق دريئة مميزة: لست أرقى من أبي. بات الصبي اللاهي في الشارع محلّ تركيز عدسته وفوهة بندقيته: أريدك أن ترتاح من حياة الشّقاء، ويقهقه ضاحكا ولفافته في فمه .
نال الهدايا على إتقانه في التّصويب، وتكدس رصيده في المصرف ، وغدا الغول الذي يرعب المارة. حين حاول أن يعبر أحد الشوارع تلقى من زميل مثله طلقة غدر، فارتمى على الأرض يئنّ و يدمدم: ماء.... ماء.
اقتربت منه عجوز عابرة تحمل كيس خبز و جرعات ماء. تجر حفيداً يبكي أبويه الساكنين في السماء، لم تكن تملك دموعا للبكاء، نثرت على شفتيه قطرات الماء: سلامتك يا بنيّ لعن الله الغول الذي اصطادك مثل الكثيرين من حيّنا.