الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا شك أن المسلم مطالب بتقديم النفع لأخيه المسلم، والتبرع بالدم للمحتاج إليه لإنقاذه من هلكة يُعتبر من أجلِّ القربات وأعظمها ، وتدخل في باب التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله سبحانه في قوله: { وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى }[1]، ويدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"[2]، والتبرع بالدم جائز، سواء كان المتبرع مسلما أم كافرا، كتابيا أو وثنيا، إذا أمن من حصول ضرر على المتبرع به، وكان المتبرع له في ضرورة إليه. بل إن التبرع بالدم ينقلب حكمه إلى الوجوب في حالة إذا ترتب عليه إنقاذ معصوم ولا يوجد غيره فإنه يجب والحالة هذه.
وأما أخذ مقابل مادي سواء مالا أو عينا مقابل التبرع بالدم فإن ذلك محرم، ويدخل في النهي الوارد عنه صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي جحيفة رضي الله عنه، "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم"[3]؛ ولأن الدم محرم أكله وشربه والانتفاع به، بنص قوله تعالى: {إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ }[4]، والإجماع منعقد على ذلك، ولو كان ذلك على سبيل الهدية؛ لأنها هدية في مقابل محرم[5]. والتكييف الفقهي حينئذ لهذا التصرف أنه: بيع ومعاوضة، وليس تبرعا.
ومن أخذ مالا مقابل تبرعه بالدم فإنه يأثم على هذا الفعل، والواجب عليه التوبة إلى الله والاستغفار، فإن كان يجهل الحكم فلا شيء عليه في هذا المال، وإن كان عالما أو في نفسه شيء من هذا المال فله أن يتصدق به على الفقراء والمساكين. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.