انوار قرآنية البسملة

السلام عليكم ورحمة الله
تعريف بـ (البسملة)

أولاً: البسملة علامةٌ على بدايات السور: في سنن أبي داود بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه {بسم الله الرحمن الرحيم}.

ثانياً: البسملة جملةٌ مكونةٌ من أربع كلماتٍ عُرفاً وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، وعدد حروفها 19 حرفاً، وهي مأخوذة من بَسمل: إذا قال (بسم الله)، كما قال عمر بن أبي ربيعة:

لقد بسلمت ليلى غداة لقيتها فيا حبذا ذاك الحبيب المبسملُ

كما أخذ فعل حوقل: من (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وسبحل من (سبحان الله)، وهيلل من (لا إله إلا الله)، وطبقل من (أطال الله بقاءك)، ودمعز (أدام الله أعزك)، وجيعل من (جعلني الله فداك).

ما العلاقة بين الاستعاذة والبسملة؟

العلاقة بينهما تكامليةٌ رائعةٌ تبين لذة العبودية، وجمالَ اللجوء إلى الله تعالى، والأُنْسَ في حمى الربوبية:

1) فالاستعاذة تدل على أجمل الفرار، وعلى التخلي عن الشوائب والأشياء السيئة والأوضار، وأعظم الأشياء السيئة نابعة من الشيطان، والبسملة اعتزاز بالواحد القهار، فإذا احتمى الإنسان بربه من الشيطان تنقى من الأوساخ بالاستعاذة، ثم ينتقل إلى تنمية نفسه بالبسملة، فالاستعاذة تخلية، والبسملة تحلية، كالاستغفار والتسبيح.

2) الاستعاذة اعتذارٌ أمام الرب العظيم سبحانه وتعالى بأنك ضعيف القوة، لا تستطيع أن تنجو من الشيطان إلا إذا استعذت بالله لينصرك ويؤويك ويسترك، والبسملة مدح لطلب القرب، وترديدٌ للصفات العليا الشريفة لبيان صدق الحب، واستعانةٌ به سبحانه ليعطيك القوة والسلاح الذي تواجه به عدو البشرية في كل درب.

معنى البسملة

أولاً: جمع الله تعالى في البسملة بين اسمه الأعظم وهو (الله) وبين وصفه بأحسن نعوته وصفاته، وذلك بوصفه بـ (الرحمن الرحيم).

ثانياً: البدء بــ(بسم الله) يحقق الآتي:

1) الإذن في القراءة.

2) التوحيد: أي باسمه لا باسم غيره.

3) الرعاية والحماية: كما قال تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود:41]، وفي البخاري عن أبي هريرة: (باسمكَ رب وضعت جنبي وبك أرفعه. إن أمسكت نفسي فَارحمها، وَإن أرسلتهَا فَاحفظهَا بما تحفظ به الصالحين).

4) استمداد القوة والحلِّية والبركة: ومن ذلك التسمية على النسك {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام
انوار قرآنية البسملة roro11.gif8]، {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعامانوار قرآنية البسملة roro11.gif9] فمعنى البسملة: اقرأ قراءة ملابسة لبركة هذا الاسم المبارك.

5) الاستعانة بالاسم لها هذا التأثير فكيف بقدرة صاحب الاسم القوي القدير، ومن ذلك {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1]، ومن هنا نضع هذه القاعدة التربوية التزكوية: (إذا كانت الاستعانة باسمه سبحانه تحقق المطلوب، فكيف إذا كان الإنسان في كنف صاحب الاسم علامِ الغيوب).

والإنسان إذا أُدخل على عظيمٍ من عظماء البشر، فإنه يرتعد ويأخذه الارتباك، فكيف إذا أُدخِل على كلام رب العزة عظيم العظماء، فلابد أن تأخذه الهيبة، ويأتيه من الحياء ما ليس له منه فكاك، ويستشعر الخوف من عدم إحسان القراءة والتباس الفهم، ويقلق من خذلان التوفيق، وعندها يستعين باسم الله تعالى من خلال (بسم الله الرحمن الرحيم)، ولذا قال أحدهم وهو يصف حاله عندما دخل إلى حلقات القرآن:



دخـــلت وقلبيَ قـــد طــــار مـني ولكـــــنه عـــــاد لمـــا دخلتُ

دخلت الرحـــاب وأسلمت روحي إلى تلف الوجد حتى سلمــتُ

وكان المكان الرهيبُ الرهيــــبُ عليه يخيـــــــم نور وصـــمــتُ

فحفَّ بي من جـــــــلال القران ذهول فــــهمت وهــمت وهمتُ

البسملة رسالة المسلمين للكون

بيان ذلك بأن نسأل السؤال الآتي: لماذا قال الله تعالى (الرحمن الرحيم) ولم يقل(بسم الله الملك) أو (بسم الله الحي القيوم) خاصة أنه قد ورد أن اسم الله الأعظم يتضمن (الحي القيوم)؟

الجواب: لِحِكَم عظيمة منها:

1) أن الله خلق الكون للرحمة لا للعبث ولا للعب ولا للغضب {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود
9]، {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام]، فالأصل في الكون الرحمة، وليس الغضب والانتقام، ولا الثأر والتدمير، وفي البخاري عن أبِي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قَال: (إن اللَّه لَما قَضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي).

2) رسالة المسلمين خلاصتها الرحمة، ففي سورة (الأنبياء) ذكر الله قصص الأنبياء؛ فذكر إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، ثم بين خلاصة رسالة الإسلام، فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء
7].

3) ونلاحظ هنا أن الله ذكر الرحمة في البسملة في الآية الأولى من الفاتحة قبل ذكر (العالمين) في الآية الثانية، وبعد ذكر (العالمين) في الآية الثالثة، وقبل يوم الدين في الآية الرابعة؛ لتأكيد ما سبق تحبباً إلى خلقه، وبياناً لعظيم لطفه، وجميل فعله جل في علاه.