غمط الناس.. لابن القيم رحمه الله
قال ابن القيم : في كتابه " مفتاح دار السعادة " :
اللهم فعياذاً ممن قصر في العلم والدين باعه ، وطال في الجهل وأذى عبادك ذراعه ، فهو لجهله يرى الإحسان إساءة ،
والسنة بدعة ، والعُرْف نُكْرا ، ولظلمه يجزي بالحسنة سيئة كاملة ، وبالسيئة الواحدة عشرا ،
قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سُلَّما إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه ، ولايعرف من المعروف ، ولا ينكر من المنكر؛
إلا ما وافق إرادته ، أو حالف هواه ، يستطيل على أولياء الرسول وحزبه بأصغريه ، ويجالس أهل الغي والجهالة ،
قد ارتوى من ماءٍ آجن ، وتضلع ، واستشرف إلى مراتب ورثة الأنبياء ، وتطلع ، يركض في ميدان جهله مع الجاهلين ،
ويبرز عليهم بالجهالة،فيظن أنه من السابقين ، وهو عند الله ورسوله والمؤمنين عن تلك الوراثة النبوية بمعزل ،
وإذا أنزل الورثة منازلهم؛فمنـزلته منها أقصى وأبعد منـزل .
نزلوا بمكة في قبائل هاشمٍ … ونزلت بالبيداء أبعد منـزل
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وعياذاً بك ممن جعل الملامة بضاعته ، والعذل نصيحته ، فهو دائماً يُبْدي في الملامة ويُعيد ، ويكرر على العذل فلا يفيد ولا يستفيد .
بل عياذاً بك من عدو في صورة ناصح ، وولي في مسلاخ بعيد كاشح ، يجعل عدوانه وأذاه حذراً وإشفاقاً ،
وتنفيره وتخذيله إسعافاً وإرفاقاً ، وإذا كانت العين لا تكاد إلا على هؤلاء تفتح ، والميزان بهم يخف ولا يرجح ؛
فما أحرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قلبه جزءا من الالتفات ، ويسافر في طريق مقصده بينهم ؛ سفره إلى الأحياء بين الأموات …
وما أحسن ما قال القائل :
وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله … وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم … وليس لهم حتى النشور نشور
اللهم فلك الحمد ، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان ، وبك المستغاث،وعليك التكلان ،
ولا حول ولا قوة إلا بك ، وأنت حسبنا ونعم الوكيل "