غريزة حب الجمال وحب الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم
غريزة حب الجمال وحب الخلود


الخضرة والماء عنصران ثابتان في مقيـاس الجمال عند الإنسان، في كل الشعوب وكل العصور ،




وحتى في نشأة الإنسان الثانية في الآخرة .
لقد وهبهُ اللهُ قوةَ إدراك الكمال والنزوع اليه، فتراه عندما يرى النقص في نفسه أو في شئ ، يتصور كماله ويحب أن يكون كذلك . فهو بغريزته يحب الجمال والكمال ، ويريد للزهرة والثمرة أن تكون في أعلى درجات الجمال، وللعصافير والأشجار،وكل ما يحيط بحياته .
وكما ينزع الى الكمال والجمال ينزع الى الخلود..فإذا أحس بالجوع عرف أنه يوجد ما يؤكل فتراه يبحث عنه، وإذا رأى محدودية وجوده في جانب ،عرف أنه يوجد فيه كمال وخلود ،فينزع اليه .
فالنزوع الى الكمال والخلود غريزةً تؤشر له على وجود الجنة ، والخلود فيها .
يرى الإنسان من الطائرة: مساحات واسعة من الأرض: جبالاً مقفرة ، أو صحراء مجدبة ،يابسةً أو ثلوجاً . أو أرضاً مغطاةً بمياه البحار المالحة.. فيقول في نفسه: لماذا صارت أكثر أرضنا قاحلة، ومصادر قوت الناس بقاعاً ورقاعاً صغيرة يتنازع عليها البشر؟ فهل من الصعب على الله تعالى أن يجعل الأرض كلها مروجاً وأنهاراً ، ويحل المشكلة ؟
وطعامنا..جعله الله من نبات الأرض وحيوانها، يحتاج الى جهد يأخذ أكثر وقتنا فهل كان من الصعب عليه عز وجل أن يجعل قوتنا ميسوراً مبذولاً للجميع، كما جعل الهواء الذي نتنفسه ؟
وهل كان من الضروري أن يكون ابن آدم أجوف، يجب عليه أن يملأ جوفه باستمرار بمواد من نبات الأرض أوحيوانها ، فإن لم يملأه مات !

وعندما ينظر الإنسان الى نفسه يرى أنه جهاز عظيم ،مجهز بخمس كاميرات متطورة ،هي حواسه الخمس ، وبمركز تحليل قدير لمعلوماتها هو الدماغ .
وإذا قسنا سرعة عمل دماغ الإنسان بسرعة شرائح الحاسب، وجدنا أن أعظم الشرائح وأكثرها تطوراً ،متخلفة عاجزة عن القيام بأبسط عمليات الدماغ !
ويتميز الإنسان عن كل الأجهزة بأنه يعي نفسه وينفتح على غيره ، فله نوافذ لفهم وجود العالم من حوله ، ومعرفة وجود ربه ،خالقه وخالق العالم .
ويتميز بطموحه العظيم ، وإمكاناته الكبيرة.. وبتناقضه العجيب .
إنه جهاز فريد (متعوبٌ عليه) . لكن عُمْرَهُ ومشاكله لا تتناسب مع عظمته !
مسكين ابن آدم ،تؤلمه البَقَّة ، وتقتله الشَّرْقَة ، وتُنْتِنُهُ العَرْقة، وسرعان ما يموت ويصير تراباً ! وما قيمة الستين سنة والمئة !
فهل كان صعباًعلى الله عز وجل أن يجعل عمره ألوف السنين ؟ أو يجعله خالداً لا يموت ؟! إن الفقر والمرض والموت ،حدودٌ بالغة القسوة على وجودنا .
وربط وجودنا بجاذبية الأرض ،سجنٌ يكبل مجال حياتنا .

والنتيجة: أننا ندرك وجود حياة أفضل وأكمل، ونطمح اليها ، وننزع الى الكمال والجمال والخلود .
لكن الله تعالى يقول لنا إن مشكلتكم أنكم تستعجلون ، وتريدون ذلك في الدنيا ،والدنيا لاتصلح لما تريدون ، لأنها مبنية على المحدودية ، والإمتحان ! وغاية مايمكن أن يكون للدنيا من دور ،أن تكون مكاناً للإعداد لما تريدون .
يقول عز وجل: وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ . (الشورى:27).
ويقول النبي(ص) :لولا ثلاث في ابن آدم ما طأطأ رأسه لشئ: المرض ،والفقر، والموت ،وكلهنَّ فيه وإنه معهن لَوَثَّاب ) !(الخصال/113).

وهكذا قدم الأنبياء(ع) عقيدة الجنة والنار الى الأمم،واقعاً أمامهم،لكنه في دار أخرى غير الأرض . أما في الأرض فالإيمان به معادلةٌ ضرورية في قانون الثواب والعقاب، تكمل قوانينهم فترتقي بسلوك الناس، وتساعد على إصلاح مجتمعاتهم .



إن الدين يقدم الجنة للناس بنعيمها المادي والمعنوي، أملاً محققاً ،لتخفق له قلوبهم ، وتُشحذ له هممهم ،فيعملوا الخير ويبتعدوا عن الشر،ليفوزوا بها .
ويقدم عقيدة العقاب بالنار أمراً محققاً أيضاً ، لترتعد منه فرائصهم ، ويكون رادعاً ضميرياً لهم عن الشر .





من كتاب الولادات الثلاث/للشيخ الكوراني
دمتم في حفظ الله ورعايته