بسم الله الرحمن الرحيم

يروى أن رجلاً كان في عداد الكافرين اسمه العاص بن الربيع ، وكان تزوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب وبعد الهجرة بعامين كان آتياً على رأس تجارة لقريش من بلاد الشام وشرح الله صدره للإسلام على مقربة من المدينة ولكن سرية فذهب إليه بعض المنافقين ، وقالوا: ما دمت قد أسلمت أنت تعلم أن هؤلاء القوم قد أخذوا أموال إخواننا ودورهم فلا عليك أن لا تذهب إلى مكة مرة ثانية ووزع هذه الأموال على من أخذ ماله عنوة من المسلمين

لكن الرجل قال له بصرامة وشدة: ما كنت لأبدأ عهدي في الإسلام بالخيانة وواصل مسيرته حتى وصل إلى مكة ودعا أشراف أهلها وقال: يا أهل مكة هل بقى لأحدكم شئ عندي؟ قالوا: لا وجزاك الله خيراً ، قال: أشهدكم إني آمنت بدين محمد صلى الله عليه وسلم

فالدرس الأول الذي نستوعبه من الهجرة النبوية وما أحوج شبابنا جميعاً إليه الآن بل إننا للأسف نستمع هنا وهناك أن هذا هو الخلق القويم لدى الأمم المتمدينة وهو أولاً وقبل كل شئ خلق نبي الإسلام وخلق الإسلام في كل زمان ومكان هو التخطيط ، التخطيط السليم بالأسباب التي في استطاعتنا وما دام الإنسان يخطط على حسب استطاعته فإن الله يعينه بقدرته كما أعان حبيبه ومصطفاه في رحلة الهجرة

على أن أخطط على حسب وسعي وطاقتي وإمكاني وجهدي واستخدم كل ما هو متاح لي من طريق حلال وبعد ذلك يقول لي رب العزة {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} الطلاق

لكن أكف عن التخطيط وامتنع عن المذاكرة وأقول ما قدره الله يكون وما اختاره لي سيتحقق ، هذا ليس توكلاً على الله لكنه تواكلاً وسلبية حاربها الله ونهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم

الدرس الثاني: أن المؤمن لابد ألا يفرق بين العادات والأخلاق والمعاملات في ظلال الإسلام فإن كل ما أصاب مجتمعنا من تدهور في الأخلاق ومن سوء المعاملات في الأسواق ولدى التجار ومن انتشار النفاق وصفاته وأمراضه سبب ذلك كله هو ضعف اليقين وعدم الاستمساك بكلية هذا الدين

يظن الإنسان أنه أدى ما عليه لله إذا حافظ على الفرائض في وقتها وصام شهر مضان وتلا القرآن أو تمسك بالأشياء والسنن الظاهرة ربى لحيته وجعل له عدبة طويلة واستخدام السواك كل هذا خير لكن لابد مع ذلك كله من مكارم الأخلاق ومن حسن المعاملات الإسلامية ، وإلا خبروني لو أن تاجراًَ يغش في وزنه أو في كيله أو في سعره أو في بضاعته ويؤدي العمرة في شهر رمضان كل عام ويحج بيت الله الحرام كل عام هل ينفع حجه وعمرته؟ كلا ، لقوله صلى الله عليه وسلم: {لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَه}{1}

وفى الأثر المشهور: {الدين المعاملة} فلا يقبل الله من يصلي في الليل ولو ألف ركعة ثم في الصباح لا يتورع عن الكذب ولو في مباح لأن ديننا لا يعرف كذبة بيضاء وأخرى حمراء أو سوداء فقد قال صلى الله عليه وسلم: {إِني لأَمْزَحُ وَلاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقّاً}{2}
حتى المزاح لا يكون إلا في الحق وبالحق

عن عبدِ الله بنِ عامرٍ قالَ: {جاءَ رسولُ الله بَـيْتَنَا وأَنَا صَبِـيٌّ صغيرٌ ، فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ فقالتْ لِـي أُمِّي: يا عبدَ الله تعالَ أُعْطِيكَ ، فقالَ رسولُ الله: مَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ ، قالتْ: أَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ تـمراً ، قالَ: أَمَا إِنَّكِ لو لَـمْ تَفْعِلـي لَكُتِبَتْ علـيكِ كِذْبةً}{3}

إن من يستاك بالسواك يفعل فعلاً طيباً لكن الأطيب منه من يطهر فمه عن الغيبة والنميمة والسب والشتم والقذف واللعن وهذه الأقوال الخبيثة التي تخرج من فيه ، لكن الذي يستاك ثم يسب أو يشتم أو يلعن أو يغضب فإنه لم يدرِ الحكمة النبوية من استخدام السواك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

ديننا أيها المسلمون الكرام لا يفرق بين ثلاثة أمور: العبادات والأخلاق والمعاملات ، فمن قال أنا على خلق طيب والمهم طهارة القلب ، وتكاسل عن الصلاة نقول له هذا لا ينفع إذا كان خلقك طيباً وقلبك طاهراً فلماذا تتباطئ عن نداء الله؟ ولماذا لا تؤدي الصلاة لتفوز بحق الله ، ولا تندم على ذلك يوم القيامة؟ ومن حافظ على الصلاة وارتكب ما لا يحله الله في أخلاقه ومعاملاته مع عباد الله نقول له قال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ الله إِلاَّ بُعْداً}{4}

فالذي يستبيح الرشوة بحجة أنه يحتاج وأن دخله لا يكفيه نقول له: هذه حجة واهية والذي يستبيح استغلال الناس بحجة أنه ينفق هذه الأموال على الدعوة الإسلامية أو طباعة الكتب الدينية أو نشر الشرائط الإسلامية نقول له قال الحَبيب صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الله طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّباً}{5}
والرسول صلى الله عليه وسلم كان هو المثل الأعلى في الأمانة في بعثته وفي هجرته صلى الله عليه وسلم

قد يقول له البعض: كيف تصل إلى منصب مرموق بدون التزلف والتقرب لكبار المسئولين ، كان هذا هو الدرس الرابع فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما تمسك بهذه الفضائل حماه الله بأشياء قد لا نعيرها بالاً ، حماه في الغار بشجرة نبتت فوراً على باب الغار فسدته وأمر العنكبوت الضعيف{وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت41
أن تنسج على هذه الشجرة بيتاً لها



وكلف حمامتين أو يمامتين وحشيتين غير مستأنستين أن تصنعا عشاً في الحال وتبيضا فيه فستره عن الكفار بأشياء لا تخطر على البال ، وعندما لحق به فارس منهم والتفت سيدنا أبو بكر وقال: يا رسول الله أدركنا الطلب فقال: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} التوبة40

سخر الله له الأرض ونزل الأمين جبريل وقال: يا محمد ، الله يقرئك السلام ويقول لك الأرض طوع أمرك فمرها بما شئت ، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى الفارس وفرسه وقال: يا أرض خذيه فانشقت الأرض وأمسكت بالفرس وبقدميه أكثر من مرة والأرض تتلقى الأمر منه صلى الله عليه وسلم

لأن الله أعزه وأمر الكل أن يكون طوع أمره لأنه تمسك بدين الله وبأخلاق الله ولم يتنازل قدر أنملة ولم يتزحزح عن مبدأه طرفة عين ولا أقل ثم زاد الله في إكرامه وزاد الله في إعزازه لأن من يتمسك بهدى الله يعزه الله {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} المنافقون8

فدخل المدينة مُعززاً مُكرماً {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج40

لنعلم علم اليقين أن الذي يتمسك بهدى الله مهما واجهته الفتن ومهما تعرض للمحن ومهما أحاطت به الظروف لابد أن يؤيده الله ويعزه الله وينصره الله فتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً


{1} رواه البيهقي في سننه وابن حبان في صحيحه عن أنس ورواه الطبراني في الكبير وصاحب مسند الشامين عن أبي أمامة {2} رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عمر والخطيب عن أنس {3} سنن البيهقى الكبرى {4} رواه السيوطي في الفتح الكبير عن ابن عباس {5} رواه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده والدارمي في سننه والترمذي والسيوطي في الفتح الكبير عن أبي هريرة