إبتلاء المؤمنين

إن الله وهو القادر ولا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء كان قادراً على أن يعز نبيه في بلدته مكة ويهلك الكافرين ويمنع المؤمنين ويجعلهم وهم بين ظهرانيهم أعزة لا سلطان عليهم إلا لربِّ العالمين ، وقد خير في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعندما وجدهم لا يؤمنون به إلا القليل وذهب إلى الطائف ليدعو أهلها من ثقيف إلى الإسلام فأعرضوا عنه ولم يؤمنوا به

فرجع من عندهم إلى مكة ونزل عليه الأمين جبريل وهو في الطريق بعد أن رفع شكواه إلى الله وأنزل حاله بمولاه ومعه ملك وقال: يا محمد هذا ملك الجبال وقد جعله الله طوع أمرك ، فقال له ملك الجبال: {يا محمد إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ} ، (والأخشبين الجبلين المحيطان بمكة) يعني لا يبقى فيها أحد ولكنه صلى الله عليه وسلم قال: {بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً}{1}

واشتد إيذاء أهل مكة لأصحابه وذهب نفر منهم يشكو من شدة ما يجد من الايذاء لكنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصبر الجميل ، وقال لهم: {اصبروا حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً} ومضى حين من الزمن فأمرهم أن يخرجوا وقال: {إنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ وهُمَا الحَرَّتَانِ فَهاجَرَ مَنْ هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ ورَجَعَ عامَّةُ مَنْ كانَ هاجَرَ بأرْضِ الحبَشَةِ إلى المَدِينَةِ}{2}

فمنهم من هاجر متخفياً ومنهم من أعلن بهجرته كعمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد طاف بالقوم وهم حول الكعبة وقال منذراً ومتوعداً {من أراد أن تثكله أمه أو تتيم أولاده أو تترمل زوجته فليتبعني خلف هذا الوادي} وخرج نهاراً جهاراً ولم يتعرض له أحد



ومنهم من ترك كل ما يملك كصهيب رضي الله عنه وخرج بنفسه وعندما لحق به أهل مكة أخذ كنانته وأخرج سهامه وقال: يا معشر قريش تعلمون أنى من أحكمكم رمياً ووالله لو اقتربتم مني لأصوبن إليكم سهامي حتى إذا انتهت كنانتي (يعني محفظة السهام) أمسكت بسيفي فجالدتكم ولكن أدلكم على خير من ذلك ، أدلكم على مالي فتأخذوه وتتركوني أهاجر إلى الله ، فرضوا بذلك فنزل في الحال تلغراف من ملك الملوك إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول فيه الله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} البقرة207

فقال صلى الله عليه وسلم وهو في مكانه: {رَبِحَ البَيْعُ أَبا يَحْيى} لصهيب {رَبِحَ البَيْعُ أَبا يَحْيى}{3}

لماذا أمرهم الله بالخروج مرتين إلى الحبشة ومرة إلى المدينة وقد قال في قرآنه عز وجل {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} المجادلة21
تلك هي الضريبة واسمها شبيه بها عندما يقابلون الأعداء لماذا لا يغلب الله الأعداء - وهو القادر - بدون حرب؟ وقد قال لحبيبه وأتباع حبيبه صلى الله عليه وسلم منبهاً {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى} الأنفال17

لأن هذه هي حكمة الإيمان فقد أعلنوا الإيمان ونحن جميعاً والحمد لله أعلنا الإيمان وكل من يعلن الإيمان لابد له من امتحان واختبار يجريه عليه الديان ليعلم صدق إيمانه فيكتبه من الصادقين إذا وفى بما عاهد الله عليه أو يرى رقة إيمانه إذا لم يتحمل ما اختبرته به خبرة رب العالمين فيعطيه ثوابه على قدر إيمانه

وفي ذلك يقول الله في الأمر الجامع لجميع الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين وعامة المسلمين والمؤمنين من السابقين واللاحقين يقول الله {الم {1} أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} لماذا؟ {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{3} العنكبوت

إذاً لابد لأهل الإيمان من الاختبار والامتحان على حسب زمانهم وعلى حسب قدراتهم واستعداداتهم وعلى حسب ما في قلوبهم من نوايا وطوايا وصدق ويقين في عقيدتهم لله وكلما زاد الإيمان كلما زاد الامتحان ليزيد الرقي عند حضرة الرحمن عز وجل

ولذلك قال الحَبيب صلى الله عليه وسلم: {يُبْتلى المرء على قدر إيمانه} وبين درجات الابتلاء فقال صلى الله عليه وسلم: {عن مُصْعَبِ بنِ سعد عن أبيه ، قالَ : يا رسولَ اللَّهِ ، مَنْ أشدُّ الناسِ بَلاءً؟ قالَ: الأنبياءُ ، ثم الأَمْثَلُ فالأمثلُ ، يُبْتَلَى العبدُ على حَسَبِ دينِهِ ، فما يَبْرَحُ البَلاءُ بالعبدِ حتى يَدَعَهُ يَمْشي على الْأَرْضِ وما عليهِ خَطيئة}{4}

فلو كان البلاء يقصد به العقاب أو الجزاء حاشا لله ، لحفظ منه كمَّل عباده وهم الأنبياء والصالحون والصديقون وما شابههم وما ماثلهم لكن الله وهو الحق والكل عنده سواء ولا يكرم الخلق بقدر عطائهم من الدنيا لأنه هو الذي أعطاها لهم ، وهو الذي أعطى هذا وحرم هذا وهو الذي رفع هذا وخفض هذا ، وهو الذي أعز هذا وأذل هذا ، وهو الذي يعطي ويمنع وهو الذي يخفض ويرفع


{1} رواه ابن حبان في صحيحه والبخاري ومسلم في صحيحيهما والسيوطي في الكبير والنسائي في سننه عن عائشة
{2} رواه البخاري في صحيحه والبيهقي في سننه وأحمد في مسنده عن عائشة
{3} رواه الحاكم والطبراني عن صهيب وقال الشيخان هذا حديث صحيح الإسناد
{4} صحيح ابن حبان