بسم الله الرحمن الرحيم

ونحن على أبواب عام هجري جديد يتساءل كثير من الناس سؤالاً قد يكون معاداً ولكننا نلمح فيه معنى فريداً وجديداً ، أما السؤال فهو لماذا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؟

والمعتاد في دنيا الناس كما نرى الآن أن يهاجر الإنسان بحثاً عن المال إذا كان لا يحصله في موطنه إلا بمشقة بالغة ، أو يهاجر بحثاً عن منصب كريم إذا كانت نفسه تتوق إلى أن يكون رجلاً عظيماً ولا يجد دواء لتلك العظمة في بلدته وموطنه ، أو يهاجر للعلاج إذا كان به داء أعيي الأطباء في بلدته فيهاجر بحثاً عن طبيب ماهر في بلد آخر ليعالجه من الداء الذي يشكو منه

وهذه الأشياء كلها قد عرضها الكافرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اجتمعوا فيما بينهم بعد أن أعياهم أمره ، ولم يستطيعوا أن يوقفوا زحفه المقدس على القلوب ليسوقها إلى حضرة علام الغيوب عز وجل ، فأجمعوا رأيهم أن يرسلوا رجلاً منهم يعرض عليه كل ما تتوق إليه النفس البشرية من أهواء أو شهوات أو ملذات

فقد ذهب إليه عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَكَانَ سَيداً حَلِيماً {قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ ـ: يَـٰا مَعْشَر قُرَيْشٍ أَلاَ أَقُومُ إِلىٰ هَـٰذَا فَأُكَلمَهُ ، فَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُوراً لَعَلَّهُ أَنْ يَقْبَلَ بَعْضَها فَنُعْطِيَهُ أَيُّهَا شَاءَ وَيَكُفَّ عَنَّا ؟ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضيَ اللَّهُ عنهُ وَرَأَوْا أَصْحَابَ رسولِ اللّهِ يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ فَقَالُوا: بَلىٰ ، فَقُمْ يَـٰا أَبَا الْوَلِيدِ فَكَلمْهُ ، فَقَامَ عُتْبَةُ حَتّىٰ جَلَسَ إِلىٰ رسولِ اللّهِ فَقَالَ: يَـٰا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنَ السَّعَةِ فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ وَإِنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، فَرَّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ وَسَفَّهْتَ بِهِ أَحْلاَمَهُمْ وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ وَكَفَّرْتَ مَنْ مَضىٰ مِنْ آبَائِهِمْ ، فَاسْمَعْ مِني أَعْرِضُ عَلَيْكَ أُمُوراً تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهَا بَعْضَهَا ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ: قُلْ يَـٰا أَبَا الْوَلِيدِ أَسْمَعُ ، فَقَالَ: يَـٰا ابْنَ أَخِي إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ مِنْ هَـٰذَا الْقَوْلِ مَالاً جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتّىٰ تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالاً ، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ شَرَفاً شَرَّفْنَاكَ عَلَيْنَا حَتّىٰ لاَ نَقْطَعَ أَمْراً دُونَكَ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكاً مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا ، وَإِنْ كَانَ هَـٰذَا الَّذِي يَأْتِيَكَ رَئِيٌّ ، تَرَاهُ وَلاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرُدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ طَلَبْنَا لَكَ الطَّبِيبَ وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتّىٰ نُبْرِئَكَ مِنْهُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التَّابِعُ عَلىٰ الرَّجُلِ حَتّىٰ يُدَاوىٰ مِنْهُ ، أَوْ لَعَلَّ هَـٰذَا الَّذِي تَأْتِي بِهِ شِعْرٌ جَاشَ بِهِ صَدْرُكَ ، حَتّىٰ إِذَا فَرَغَ عَنْهُ وَرَسُولُ اللَّهِ يَسْتَمَعُ مِنْهُ، قَالَ رسولُ اللَّهِ: أَفَرَغْتَ يَـٰا أَبَا الْوَلِيدِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ : فَاسْمَعْ مِني ، قَالَ: أَفْعَلُ ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ: بسم الله الرحمن الرحيم {حم{1} تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ{2} غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ{3} غافر

فَمَضىٰ رسولُ اللَّهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ فَلَمَّا سَمِعَهَا عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهُ وَأَلْقىٰ بِيَدِهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِداً عَلَيْهَا يَسْمَعُ مِنْهُ ، حَتّىٰ انْتَهىٰ رسولُ اللَّهِ لِلسَّجْدَةِ فَسَجَدَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ يَـٰا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتُ فَأَنْتَ وَذَاكَ}{1}

إذاً لماذا هاجر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟ إن هذا السر ندركه إذا عرفنا سر بعثته ، لماذا بُعثت ياحبيب الله؟ أجاب عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّـمَا بُعِثْتُ لأُتَـمِّـمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ}{2}

فهو صاحب مبادئ ومثل وقيم وفضائل يريد أن يدعو الناس إليها وأن يمشي الناس على هديها ، وفي الحقيقة لا صلاح لأحوالنا ولا صلاح لأحوال مجتمعنا ولا صلاح لأحوال البشرية كلها إلا إذا انتشرت هذه القيم الإيمانية التي من أجلها بُعث المُصطفى صلى الله عليه وسلم ، وإلا فبالله عليكم هذا رجل يحاربه أعداءه بشتى الوسائل يعذبون أصحابه ويطردونهم ويستولون على دورهم وعلى أموالهم ويخرجونهم فقراء

ثم بعد ذلك كل من عندهم منهم وديعة ثمينة يخشى عليها من السرقة فليس لديهم بيوت يحفظونها فيها وليس فيهم رجل مأمون يأتمنونه عليها إلا المأمون الذي أمنته السماء على وحي السماء صلى الله عليه وسلم ، فيجعلون عنده أعز ما يملكون وأثمن ما يملكون ودائع عنده ثم تأتي الهجرة ويستطيع أن يهاجر ويأخذ هذه الأشياء كلها معه ، وهي حقوق إخوانه من الفقراء والمساكين الذين أخذهم الكفار عنوة واستولوا على أموالهم بقوة العتاد والسلاح

ولكنه صلى الله عليه وسلم يعلمنا المثل الأعلى أن الإيمان يعني المثل والمبادئ فقد قال صلى الله عليه وسلم في هذه المبادئ {لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَه}{3}



فالذي ليس عنده أمانة في نقد الكلمة أو في حفظ الودائع أو في المحافظة على الأسرار هذا يكون إيمانه فيه نقص عند الواحد القهار ، فيترك ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينام في فراشه وربما يعدو عليه القوم فيضربونه بسيوفهم ولكنه مع ذلك تركه حتى يرد الودائع إلى أهلها بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ويرد الأمانات إلى أهلها كلها لأنهم كانوا يلقبونه بالصادق الأمين صلى الله عليه وسلم


{1} جامع المسانيد والمراسيل عن محمد بن كعب القرظى
{2} رواه صاحب مسند الشهاب عن أبي هريرة والإمام مالك في الموطأ والطبراني من حديث جابر
{3} ابن خزيمة وابن أبي شيبة عن أنس