اجتاحت ريح عنيفة..محملة بوريقات صفراء وأتربة أرضية الغرفة الصغيرة..سمعت صوت ارتطام مصراعي النافذة..هبت بسرعة ومدت يدها خارج النافذة..تمتمت : قطرات ماء..إنها تمطر..!ركضت ترتقي درجات السلم بساقيها الطويلتين تسابقها قطة كبيرة..فراؤها متسخ..نزعت الغسيل بسرعة..رمته في السلة..وأوصدت باب السطح بإحكام...حملت سلتها ودندنت بلحن قديم وهي تنزل درجات السلم المتآكلة بحذر..توجهت صوب الغرفة الجانبية..كانت معتمة بلا نافذة..وتفوح من جنباتها رائحة الرطوبة..جدرانها باهتة زال معظم طلاءها..أنارت المصباح وتنهدت في ارتياح قائلة : _لقد كاد الغسيل يبتل يا أمي..!
جلست فوق بساط صوفي ..مددت رجليها..وشرعت في طي الملابس..لاحت ابتسامة على وجهها كأنها تذكرت شيئا جميلا..وقالت : _أمي ..هناك من يريد الزواج مني..إنه بائع الفطائر المحلاة..نعم هو بعينه ذو البطن البارزة..ضحكت ومالت إلى الأمام ثم أردفت :_أتذكرين..؟ كلما مررنا بجانبه كنت تهمسين في أذني ساخرة منه..لاهم لهذا الحلواني سوى أكل فطائره وطرد الذباب من دكانه..! لقد اصبح أرملا..وحيدا مثلي..لكنه لا يشبه الصورة الجميلة في مخيلتي..رجل وسيم ذو عينين خضراوين..سكتت فجأة وعبست..ثم قالت : _أعرف فيم تفكرين..أني تجاوزت الخمسين ولا يحق لي الاختيار..التفتت إلى الدولاب الصغير وأخرجت مرآة من جاروره..اقتربت من نور المصباح ..تمعنت في قسمات وجهها..كانت سمراء البشرة..ذات عينين سوداوين..وجبهة عريضة..مررت يدها على شعرها الاسود الذي خالطه الشيب محاولة تسوية خصلاته وغمغمت..لست باهرة الجمال..لكني مقبولة نوعا ما..تزعجني هذه التجاعيد..سوف أعد أقنعة طبيعية تعيد لوجهي نضارته..!
اسندت ظهرها على الحائط وشردت..سمعت طرقات هادئة على الباب فجفلت..قامت بسرعة وانتعلت خفها ..فتحته.. اجتاح عتبته رجل خمسيني أنيق الهندام..حياها باقتضاب..لكن سيل كلمات ترحيبها كان جارفا بشقيقها الوحيد.اتجه إلى الحجرة الجانبية وأجال بصره فيها..تسمرت عيناه على القطة النائمة بارتياح..صاح مؤنبا : _يا لك من عنيدة..قطة أخرى..لقد صار هذا البيت مجرد مأوى للقطط الضالة..اتجه نحوها يهم بركلها ..لكنها وثبت بخفة واختبأت تحت الدولاب ...حاولت أخته تخفيف ضيقه فقالت : _أتريد كوبا من الشاي..؟ردعليها متجاهلا سؤالها..ما الأمر الملح الذي هاتفتني لأجله..؟
أجابته متحاشية نظراته الحادة : _لقد جاءني عريس..قاطعها متبرما : _نعم الزواج مرة أخرى ..لقد صرت تدورين في فلكه..بعد سنوات طويلة من الإضراب عنه..أحنت رأسها في حزن قائلة : _أمي تريدني أن أتزوج..نظر إليها بغيظ وقال في حدة : _يا إلهي ألا تكفين عن ترديد هذه الحماقات..لقد ضقت ذرعا بك..دار على عقبيه واتجه نحو الباب ..توقف فجأة وأردف بحزم :_احزمي أغراضك سوف ترافقينني إلي بيتي..تراجعت الى الوراء وغمغمت بعبوس : _لا أخي..ليس الآن ربما لاحقا..!حاول إقناعها : _الاولاد يسألون عنك..أومأت ساخرة :_نعم يسألون عني ويشتاقون إلي,وما إن يروني حتى ينفض جمعهم ويطيرون إلى غرفهم تاركين عمتهم تحدق إلى الجدران..!
احتج بكلمات مبهمة ثم قال بصوت مسموع وهو يهم بالخروج : أتحتاجين شيئا..؟أجابته بنبرات حزينة : _لا أخي شكرا لك..!
صفق الباب وراءه بعنف..تنهدت بحزن ..استأنفت طي الملابس مكتئبة وقالت : _أرأيت أمي.. صار يعارض زواجي..لقد تغير كثيرا أصبح أنانيا وقاسيا كزوجته...زياراته تباعدت حتى ندرت...يصبح ودودا فقط حين يطرح فكرة هدم البيت وبنائه من جديد..وعندما لا يجد لدي ترحيبا بالأمر..يأتيني بفكرة تحويل الغرفة الأمامية إلى مرآب...فهو يخاف على سيارته ..حبيبة قلبه أن تنام في العراء..ويريد حرماني من نافذة البيت الوحيدة..متناسيا أني أنا وأنت فقط من تخليتا عن أبسط الاشياء لتأمين سقف يأوينا و يكفينا شر طرقات صاحب البيت كل أول شهر مطالبا بأجرة كرائه..أردفت بألم دفين : _ماكدنا نسعد بامتلاكه ونفكر في اصلاحه حتى داهمك المرض..وصرت مقعدة يا أمي ..!
رتبت الملابس في الدولاب بعناية..وبسطت لحافا سميكا ..وسادة كبيرة.. وغطاء ..ظهرت القطة فجأة وبدأت تتمدد في كسل..نظرت إليها مبتسمة وقالت : _لابد أنك جائعة صديقتي..! اتجهت صوب مطبخ صغير أسفل السلم..أخذت كسرة خبز وجبن ..عجنتهما جيدا في صحن صغير...وضعته أمام القطة..عادت إلى غرفتها..استلقت على ظهرها..وغمغمت بضيق : _لا تغضبي يا أمي لكن ابنك صار بخيلا ..لولا ذلك الأجر الزهيد..لمت جوعا..لقد فكرت مرارا في ترك عملي..صرت أكره ذلك المصنع وأمقت رائحة السمك وعلب السردين...لكن من سيعولني..حتى كيس السكر والشاي توقف عن جلبه..!
أمي ..لقد حسمت أمري..لم يعجبني هذا العريس..ما الذي يرغمني على الزواج منه..أعرف أني تجاوزت ربيع عمري وتخطيت عتبة الخريف..زفرت زفرة حارة وتابعت : _لقد تسربت مني سنوات عمري كالماء من بين الأصابع..سنوات طوال لأجل لقمة العيش وتأمين المسكن..ثم مرضك المزمن..لم يكن بإمكاني التخلي عنك..لست نادمة على رعايتك حبيبتي ..تكفيني نظرات الامتنان التي تطل من عينيك..أزاحت الغطاء فجأة..واتجهت صوب الجدار..مدت يديها وحملت صورة مزينة بشريط أسود..عادت إلى فراشها وهمست : _لا يمكنني النوم دون أن تكوني إلى جانبي أمي الحبيبة..أنا أعلم أنك ستزوريني في منامي وسنتحدث كثيرا..! أغمضت عينيها واستسلمت لنوم عميق وهي تعانق الصورة بحنان وعلامات السرور تعلو محياها..!