عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ( إن الله فرض فرائض ، فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء ، فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان ، فلا تبحثوا عنها) . حديث حسن ، رواه الدارقطني وغيره .

شرح الحديث
**********
هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ، وله علتان : إحداهما : أن مكحولا لم يصح له السماع من أبي ثعلبة ، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما .

والثانية : أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة ، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله ، لكن قال الدارقطني : الأشبه بالصواب المرفوع ، قال : وهو أشهر .

وقد حسن الشيخ رحمه الله هذا الحديث ، وكذلك حسن قبله الحافظ أبو بكر بن السمعاني في " أماليه " .

وقد روي معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر ، خرجه البزار في [ ص: 151 ] " مسنده " والحاكم من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه الآية : وما كان ربك نسيا [ مريم : 64 ] ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، وقال البزار : إسناده صالح .

وقد خرجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي ثعلبة ، وقال في آخره : رحمة من الله فاقبلوها ولكن إسناده ضعيف .

وخرجه الترمذي ، وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء ، فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه .

وقال الترمذي : رواه سفيان - يعني ابن عيينة - عن سليمان ، عن أبي عثمان ، عن سلمان من قوله ، قال : وكأنه أصح . وذكر في كتاب " العلل " عن البخاري أنه قال في الحديث المرفوع : ما أراه محفوظا ، وقال أحمد : هو منكر ، [ ص: 152 ] وأنكره ابن معين أيضا ، وقال أبو حاتم الرازي : هو خطأ ، رواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ليس فيه سلمان .

قلت : وقد روي عن سلمان من قوله من وجوه أخر .

وخرجه ابن عدي من حديث ابن عمر مرفوعا وضعف إسناده .

ورواه أبو صالح المري ، عن الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عائشة مرفوعا وأخطأ في إسناده .

وروي عن الحسن مرسلا .

وخرج أبو داود من حديث ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ، ويتركون أشياء تقذرا ، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأنزل كتابه ، وأحل حلاله وحرم حرامه ، فما أحل ، فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، وتلا : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما [ الأنعام : 145 ] الآية ، وهذا موقوف .

وقال عبيد بن عمير : إن الله عز وجل أحل حلالا وحرم حراما ، وما أحل فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه ، فهو عفو .



فحديث أبي ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعة أقسام : فرائض ، ومحارم ، وحدود ، ومسكوت عنه ، وذلك يجمع أحكام الدين كلها .

[ ص: 153 ] قال أبو بكر السمعاني : هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين ، قال : وحكي عن بعضهم أنه قال : ليس في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد أجمع بانفراده لأصول العلم وفروعه من حديث أبي ثعلبة ، قال : وحكي عن أبي واثلة المزني أنه قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات ، ثم ذكر حديث أبي ثعلبة .

قال ابن السمعاني : فمن عمل بهذا الحديث ، فقد حاز الثواب ، وأمن العقاب ؛ لأن من أدى الفرائض ، واجتنب المحارم ، ووقف عند الحدود ، وترك البحث عما غاب عنه ، فقد استوفى أقسام الفضل ، وأوفى حقوق الدين ، لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث انتهى .

فأما الفرائض فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به ، كالصلاة والزكاة والصيام والحج .

وقد اختلف العلماء : هل الواجب والفرض بمعنى واحد أم لا ؟ فمنهم من قال : هما سواء ، وكل واجب بدليل شرعي بكتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك من أدلة الشرع فهو فرض ، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي وغيرهم ، وحكي رواية عن أحمد ؛ لأنه قال : كل ما في الصلاة فهو فرض .

ومنهم من قال : بل الفرض ما ثبت بدليل مقطوع به ، والواجب ما ثبت بغير مقطوع به ، وهو قول الحنفية وغيرهم .

وأكثر النصوص عن أحمد تفرق بين الفرض والواجب ، فنقل جماعة من أصحابه عنه أنه قال : لا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله تعالى ، وقال في صدقة الفطر : ما أجترئ أن أقول : إنها فرض ، مع أنه يقول بوجوبها ، فمن أصحابنا من قال : مراده أن الفرض ما يثبت بالكتاب ، والواجب ما ثبت بالسنة ، ومنهم من قال : أراد أن الفرض ما ثبت بالاستفاضة والنقل المتواتر ، والواجب ما ثبت من جهة الاجتهاد ، وساغ الخلاف في وجوبه .

[ ص: 154 ] ويشكل على هذا أن أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين : ليس بفرض ، ولكن أقول : واجب ما لم يكن معصية ، وبر الوالدين مجمع على وجوبه ، وقد كثرت الأوامر به في الكتاب والسنة ، فظاهر هذا أنه لا يقول : فرض ، إلا ما ورد في الكتاب والسنة فرضا .