هل سمعت عن رجل فيه هذه الصّفات : ( أشل ) ( أعرج ) ( أسود ) ( أفطس ) ( أعمى ) تخيّل معي لو أن إنساناً بهذه الصّفات لو كان موجوداً هل تراه يكون إنساناً هانئاً قرير العين بحياته ؟!..فكّر بهدوء . .
وهنا اسمح لي أن اقول لك أن هذا الرجل كان موجوداً . . وفي يوم من الأيام كان هو المرجع في الفتيا والتعليم بعد ابن عباس رضي الله عنهما في الحرم !
هل عرفته !
إنّه التابعي الجليل ( عطاء بن أبي رباح ) كان أشلّ أعرج أفطس اسود أعمى ..
لكنه أصبح إمام الناس في العلم والفتوى في أرض مكة . .
هل تُرى يا أخي لو أن هذا ( العبد الأسود ) - رضي الله عنه ورحمه - استسلم لواقع حاله .. هل تُراه كان يصل إلى ما وصل إليه من العلم حتى كان الخلفاء والأمراء يجّلونه ويجلسون في مجلسه وكأنه هو الأمير وهم من عامة الناس !
انه لم يَسدْ .. ولم يرتفع .. ولم تكن له هذه المكانة عند الله ثم عند الناس لأجل أنه كان رجلاً جميل الصورة ناعم الشّعر أرعف الأنف أبيض أملس كالحرير !
إنما رفعه ( العلم ) . . !
. . أنتَ لا تملك أن تخلق نفسك .. ولا تملك أن تختار لونك ولا جنسك ولا طولك ولا نحفك ولا سمنتك ..لكنك تملك أن تختار لنفسك القيمة الحقيقيّة التي ترفعك عند ربك ثم عند نفسك ثم عند الناس من حولك . .
قيمة كل إنسان ليس في جمال صورته وشكله !قيمته فيما يملك من علم .. قيمته فيما يُحسن !
كان ابن مسعود رضي الله عنه على جذع شجرة فهبّـ ريح شديدة فتلاعبت الريح برجليّه ..لك أن تتخيّل ولو للحظات منظر شاب قصير القامة نحيل الجسد والريح تلعب بقدميه كما تلعب بأغصان الشّجر ز. فقط تخيّل المنظر .. ستضحك . . لا تثريب عليك ..فقد ضحك الصحابة رضوان الله عليهم لما رأوا هذاالمنظر . .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أتضحكون من دقة ساقيه! والذي نفسي بيده إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد "
والله لو أخذنا ابن مسعود بكل جسمه ووزنّاه في الميزان لما تعدّى وزنه أن يكون شيئا بسيطاً ..لكن كيف تكون قدماه أثقل من جبل أحد ؟!إنها أثقل لما يحمله بين جنبيه من افيمان واليقين والعلم ..
ما قيمة الإنسان حين يترك العلم لأجل شكله أوصورته ؟!حين تترك العلم .. فأنت لم تكتسب جمالاً ؟ولم تتخلّص من طول أنفك ؟!وفي نفس الوقت أنت خسرت ما يرفعك ويجعل لك بين الناس مكانة واعتباراً ..
نعم .. ستجد من الناس من يسخر ... وستجد منهم من يضحك ... كن في يوم ما سيصفّق لك الناس من حولك إجلالاً واحتراماً .. فقط حينما تعطي لنفسك قيمتها ..حينما لا تظن أن قيمتك في شكلك أو جمال صورتك !
إن الله خلقك بهذه الصورة . . وفي الناس غيرك من لا يملك إلاّ أذناً واحدة !!
وفي الناس من هو أعور !وفي الناس من هو أعمى !وفي الناس من حولك من هو ابكم لا يستطيع أن يتكلم أو يفصح عما في نفسه !
أليس الله أعطاك عيناً ترى بها جمال الدنيا ..عيناً ترى بها أبويك ..
كم والله يعتصر القلب عطفاً .. حين تسمع كلمة من أعمى وهو يقول ( أتمنى فقط أن ارى أمي ) !
أليس الله وهبك أذناً تسمع بها كل الصوات وأذب التلاوات . . غيرك محروم !
أليس الله أعطاك لساناً ناطقاً تستطيع أن تفصح به عما في نفسك ..
ولك أن تتخيّل موقف إنسان يعتصره الألم وهو لا يستطيع أن يبوح بما في نفسه . .
الله أعطاك .. فالتفت إلى عطاياه .. ولا تجعل حديث الناس وسخريتهم تصرفك عن ملاحظة عطايا الله لك !فإن الله لو حرمك شيئا فإنه لم يحرمك من كل شيء . .
أخرج من قوقعة تفكيرك . . وامنح تفكيرك فرصة إلى أن يتحرّر من مراقبة صرخات الجاهلين من حولك .. واعرف ان قيمتك فيما تُحسن من علم وإيمان .
. فهذا أغنى الجمال عن أبي لهب ؟!فقد كان من أجمل الناس وأشدهم بياضاً إلاّ أنه في نار جهنم !وكان بلال بن رباح عبد حبشي ..وجليبيب عبد اسود . .
لكنهم يسرحون في جنات النّعيم . .
أخي ./ أختي .
لإن كنت لا تملك أن تصنع صورة نفسك . .فأنت تملك أن تكتب لنفسك مجداً وتاريخاً . . وتختار لنفسك طريقاً في هذه الحياة . . وتعتبر بمن سبقك كابن مسعود وعطاء . . فقد كتبوا تاريخهم بما يحملونه من العلم والإيمان لا بصورهم وأشكالهم . .