وقفات مع الحزن
========
ما يصيب الإنسان من فوات محبوب أو حصول مكروه فيما مضى من أزمان فهذا يسميه العلماء " بالحزن "
والحزن " يختلف عن الهم وعن الغم ، فما أصابك مما لا يلائمك فيما مضى فهو الحزن .
وما أصابك مما لا يلائمك ولا يوافقك في الحاضر فهذا هو " الغم "
ما تخشى مما سيقع في المستقبل هذا يسمى " بالهم "
" الحزن هو من قدر الله عز وجل "
وليعلم أنه لن يسلم أحد من الحزن ، يقول ابن القيم رحمه الله كما في " زاد المعاد " :
" الناس كلهم مصابون – لا تظن أن أحدا بمعزل عن المصائب – الناس كلهم مصابون إما بفوات محبوب أو بحصول مكروه "
فهو من قدر الله عز وجل :
{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ }
يعني من أمراض ، من أوجاع ، من هموم
{ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا }
يعني من قبل أن نخلق الخليقة .
{ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }
ما العلة ؟ ما الحكمة ؟
{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }الحديد23
يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم :
( قدَّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء )
" الحزن إذا استسلم له العبد يكفي أن من أعظم أضراره أنه قد يودي بصحة الإنسان "
تذهب عافيته ، إذا ألمت به الأمراض والأوجاع من جرَّاء أمر حصل له فأحزنه فإن عافيته تذهب ، والله لو ذهبت الدنيا كلها وبقيت الصحة مع الدين فإنك من أعظم عباد الله نعمة ، لكن والله لو حيزت لك الدنيا كلها وذهبت معها الصحة والدين فإنك من أبأس الناس ، ولذلك انظروا إلى ما قاله جل وعلا عن يعقوب عليه السلام :
{ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ }يوسف 84
{ من } هنا سببية ، يعني بسبب الحزن .
وتعلمون أن أعظم ما يملكه ابن آدم في جسده هو بصره " من أراد أن يذهب عنه الحزن "
فليكن ولياً لله جل وعلا ، أولياء الله يصيبهم الحزن ، ولكن هم لا يستسلمون له ، ثم بفضل من الله جل وعلا لما وفقهم إلى الولاية يذهب عنهم هذا الحزن ، وإن وقع صار هذا الحزن خفيفا ، قال تعالى :
{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }يونس
من هم ؟
{الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }يونس63
ما المزايا ؟
( لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }يونس 64
لا يمكن أن تغير كلمات الله عز وجل .
" الحزن لن تخلو منه هذه الدنيا "
لو سلم أحد من الأحزان لسلمت منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولذلك لما يدخل أهل الجنة الجنة ماذا يقولون ؟
{ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ }فاطر34 لم ؟
لأن الحزن كان فيما تركوه من هذه الدنيا .
حتى لما يذهب المؤمن الطيب النقي إلى ربه بعد أن يموت ويدفن في قبره وهو في البرزخ، انظروا إلى ماذا يقوله أصحابه حينما يذهب يلتقي بهم ، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما عند النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إذ حضر المؤمنَ ) يعني إذا حضر الموتُ المؤمن ( أتته الملائكة بحريرة بيضاء فيقولون اخرجي راضية مرضياً عنك ، إلى روح الله ورب راضٍ غير غضبان فتخرج كأطيب ريح مسك ، حتى إنه ليتناول بعضهم بعضاً فيأتون به إلى السماء ، فيقول أهل السماء ما هذه الروح الطيبة التي أتتكم من الأرض ؟ فيأتون بهذه الروح الطيبة إلى أرواح المؤمنين فهم أشد فرحاً من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه )
لما يقدم علينا غائب وقد طال غيابه كم يكون فرحنا ؟
فرح المؤمنين لما يأتي المؤمن إليهم أشد فرحا منا بقدوم غائبنا .
( فيأتون إليه فيقولون " ماذا فعل فلان ؟ )
وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني :
( ماذا فعلت فلانة ؟ هل تزوجت ؟ فيقول بعضهم لبعض)
وهذا هو موضع الشاهد
( دعوه ) وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني ( أنظروه ، فإنه كان في غمِّ من الدنيا ، فيقول ألم يأتكم فلان ؟ ) يعني مات قبلي ( فيقولون لا ، فيقولون ذُهب به إلى أمه الهاوية )
يعني أنه من أهل النار .
" الحزن قد يعتريك بسبب دعوتك للخير لشخص قريب منك أو بعيد ولاسيما الآباء "
بعض الآباء في هذا الزمن قد يضعفه الحزن إضعافا شديدا بسبب أنه يبتلى ببعض الأبناء- بعض الأبناء قد يكون بلوى – فيجد أن هذا الولد لم يحقق لا مصلحة لا في دين ولا في دنيا ، هنا لا تستسلم للحزن ، لا تذهب صحتك وعافيتك ،إنما عليك التبيين والإرشاد والتوجيه ، ولذلك ماذا قال جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم ؟
{وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ }لقمان23
وقال جل علا لما رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم تكاد نفسه أن تخرج :
{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }فاطر8
وقال تعالى :
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }الشعراء3
يعني مهلك نفسك ألا يكونوا مؤمنين ، وإنما عليك الدعوة والتبيين والتوضيح ، لأني أرى بعض الآباء وبعض الأمهات قد ذهبت عافيتهم بسبب الأبناء ، ولاسيما أن بلوى هؤلاء الأولاد لا تكون إلا بعد ما يكون العمر من ثماني عشرة إلى عشرين أو يزيد – سبحان الله – أهل اللغة يقولون المراهق من قارب على البلوغ ، عندنا نحن نقول " إن المراهق هو من بلغ " كنا قبل عشر سنوات نقول إن المراهق من بلغ إلى ثمان عشرة سنة ،لكن لما اتسعت الدائرة وانفتحنا على العالم وكثرت الشهوات والمغريات أصبحنا نرى أن المراهقة في حق من يدرس الآن في الجامعة ، كنا نعرف أن من دخل الجامعة انتهت منه المراهقة .
إذاً المراهقة على حسب ما ذكره أهل اللغة ، من أنها " ما قبل البلوغ " لكن الزمن تغير واختلف ، ولذلك المراهقة استمرت ببعض الناس إلى أن بلغ خمسا وعشرين سنة أو ثلاثين سنة .
إذاً / عليك البيان والتوضيح ، ولا تهمل ، بعض الناس يقول " من اهتدى فليهتد ، ومن ضل فإنما يضل على نفسه " هذا خطأ ولا يجوز في شرع الله ، يجب أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر ، وأحق بذلك من هم ؟ أهل بيتك ، لكن إن لم يتيسر لك ذلك ، إن لم يفتح الله قلب هذا الولد ، فما عليك إلا أن تدعو الله جل وعلا .
" الحزن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه متعب "
ولذلك صلوات ربي وسلامه عليه ما ترك باباً من أبواب الحزن إلا أغلقه ، ولذلك في أقل الأحوال ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه :
( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث )
لم؟
( فإن ذلك يحزنه )
" الحزن هو من مبتغيات الشيطان "
إحزانك هو أعظم ما يفرح به الشيطان يقظة ومناماً ، لماذا يحب الشيطان أن يحزن ابن آدم ؟
لأنه يعرف أنه متى ما وقع الحزن في قلبه ضعف عن طاعة الله ، ليس حالنا كحال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود :
( إذا حزبه أمر قال أرحنا بها يا بلال )
لا ، بل كثير منا إذا أتته مصيبة يتعب ويحزن فتضعف عبادته ، ولذلك يحب الشيطان الحزن ، قال تعالى :
{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }المجادلة10 .
بل إنه لا يتركك حتى في المنام ، النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :
( الرؤيا ثلاث ) يعني ما يراه ابن آدم ثلاث ، ذكر منها :
( تحزين الشيطان )
يعني يأتي إليك في منامك ببعض ما يحزنك ، هنا لا تستسلم ، ولذلك لما أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم :"
( قال يا رسول الله إني رأيت في المنام أن رأسي قد قطع وأنه يتدهده وأنا أتبعه ، فقال صلى الله عليه وسلم لا تخبر بتلاعب الشيطان بك )
ولذلك انفتحت علينا أبواب مفسري الأحلام ، لا شك أن الرؤيا مأمور بتفسيرها شرعا ، لكن ليس كل رؤيا تُفسر وتعبر ، أصبح الناس يسألون عن أحلامهم وعن مناماتهم أكثر مما يسألون عن يقظتهم فيما يخص شرع الله جل وعلا ، ولذلك بعض الناس أصبحت له مكانة عن طريق تعبير الرؤى من خلالنا نحن ، بعض الناس لما تُعبَّر له رؤيا على خلاف ما يحب ينحبس في بيته ، حبيسا لهذه الرؤيا – سبحان الله – في صحيح البخاري أبو بكر رضي الله عنه أعظم الناس فقها وفهما وأعظم الناس علما ونقاءً – انتبه – نقاءً وطهرا وعفة ( لما فسَّر رؤيا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يا رسول الله أقسمت عليك أصبتُ أم أخطأت ؟ قال أصبت بعضا وأخطأت بعضا )
هذا من ؟ أبو بكر رضي الله عنه ، فما ظنك من في هذا الزمن ؟ !
فانتبه ، لا تستلم لمعبري الأحلام في كل ما يقال لك ، لا نقل فينا وفينا ، نحن الذين فتحنا على بعض الناس أن يدخل الحزن على قلوبنا بسبب أفعالنا .
" الحزن كان يستعيذ منه النبي صلى الله عليه وسلم "
كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال : وانتبه معي إلى جمل هذه التعويذات
( كثيرا ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وغلبة الدين وقهر الرجال )
من كان حزينا مهموما أيكون نشطا ؟ لا ، يكون كسلانا عاجزا .
من كان مهموما محزونا أيكون شجاعا مقداما ؟ لا .
من كان مهموما محزونا أيكون منفقا باذلا متصدقا ؟ لا .
من كان مهموما محزونا أيكون قويا يتغلب على ما يأتيه إما بطريق الحق أو بطريق غير حق ؟ لا .
فـ ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهم والحزن ) ثم ذكر النتائج السلبية لهذا الحزن:
(والعجز والكسل والبخل والجبن وغلبة الدين وقهر الرجال)
" الحزن إذا استسلمت له فاتك أجر الله "
ولاسيما إذا كان تسخطا على أقدار الله عز وجل ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه :
( ما يصيب المسلم من نصب ولا هم ولا غم ولا أذى ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه )
ولذلك لماذا يستسلم الإنسان إلى الحزن وكل شيء مقدر
{ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }الرحمن29
تفسيرها " أنه جل وعلا في كل يوم يفرِّج همَّاً ، ينفِّس كرباً ، يغني فقيرا ، يشفي مريضا "
عسى فرج يأتي به الله إنه .... له كلَّ يوم في خليقته أمر
" الحزن إذا أردت أن يذهب عنك فكن قريبا من الله "
يقول ابن القيم رحمه الله كما في زاد المعاد :
" من أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن ذكر الله ، وتعلق القلب بغير الله ، والغفلة عن ذكره ، ومحبة سواه ، فمن أحب شيئا غير الله عُذِّب به ،وسجن قلبه في محبة ذلك الغير ، فما في الأرض أشقى منه ولا أكسف بالا ، لا أنكد عيشا ، ولا أتعس قلبا ، ومحبة غير الله هي عذاب الروح ، وسجن القلب ، وضيق الصدر ، وهي سبب الألم والنكد والعناء "
" الحزن إذا أردت أن يذهب عنك فكن منفقا باذلا "
يقول ابن القيم رحمه الله كما في زاد المعاد :
" البخيل الذي ليس منه إحسان هو أضيق الناس صدرا ، وأنكدهم عيشا ، وأعظم همَّا وغمَّا ، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا للبخيل وللمتصدق كرجلين عليهما جُنَّتان )
الجٌنَّة : هي ما يلبس اتقاء ضربات السيوف .
( كرجلين عليهما جُنَّتان من ثدييهما إلى تراقيهما )
والترقوة : هي العظم الذي هو أعلى الصدر .
فيقول ابن القيم رحمه الله شارحا حديثه صلى الله عليه وسلم :
" فكلما همّ المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت حتى يجر ثوبه " يعني حتى تغطي بدنه " وكلما همَّ البخيل بالصدقة لزقت كل حلقة مكانها فلا تتسع "
قال فهذا مثل انشراح صدر المتصدق وانفساح قلبه ، ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه .
وقد قال رحمه الله في زاد المعاد :
" حال الصدر في القلب كحال العبد في القبر ، عذابا وسجنا وانطلاقا وحبسا "
اللهم اذهب عنا الحزن واحلنا دار المقامة من فضلك