للدعاء فضل عظيم في رمضان، فعندما ذكر الحق جل وعلا آيات الصيام فى سورة البقرة فى الآيات (183-187)، فإنه أورد سبحانه آية الدعاء فى سياق تلك الآيات وهى قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة: 186 ولا يخفى دلالة ذلك، فالصائم قريب من الله سبحانه، ولا ترد دعوته – وشعوره بالرغبة والرجاء والخشية يدفعه إلى الإلحاح فى الدعاء وإلى اغتنام أبواب الخير المفتوحة فى هذا الشهر الفضيل لكى يقرعها، ويداوم الطرق عليها. يقول الدكتور أحمد عبده عوض الأستاذ بكلية التربية بجامعة أم القرى، إن دلالة ورود آية الدعاء ضمن آيات الصيام تشير إلى أن الصائم مستجاب الدعوة كما جاء فى الحديث، موضحا أن دعاء الصائم يفتح له أبواب الرحمات وأن الصوم خوف ورهبة ورجاء واخلاص، فهذه المعانى كلها تتحقق بالدعاء، الذى يتأكد به ارتباط الصائم بخالقه سبحانه وحرصه على مناجاته والهروع إليه سبحانه فى السراء والضراء فمن رزقه الله تعالى الدعاء فقد أنعم عليه بالإجابة وهذا المعنى موجود فى قوله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فالمسلم منه الدعاء وعلى الله الإجابة.

كثرة ورود الدعاء

ويشير إلى أن أهمية الدعاء تتأكد من كثرة وروده فى القرآن الكريم فقد ورد فى 209 آيات لتقترب من عدد ألفاظ (العبادة) التى وردت فى 271 آية تأكيدا لكون الدعاء هو مخ العبادة، أو هو العبادة ذاتها.
ويضيف أن المتأمل فى الأدبيات الإسلامية يرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن مما فضلت به هذه الأمة (أن الله تعالى كان إذا بعث نبيا قال له: ادعنى استجب لك.... وقال لهذه الأمة: أدعونى استجب لكم).

وهى الآية الكريمة فى سورة غافر: آية: 60 (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وتضيف هذه الآية معنى قويا جدا فى أن عدم الدعاء هو استكبار على الله تعالى، وتعبير عن ضعف الإيمان وعن عدم إدراك للجوء إلى الخالق سبحانه وهو القريب المجيب الذى لا يرد سائلا يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم (إن ربكم حى كريم يستحي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردهما خائبين) وكان صحابة الرسول الكريم يدركون أهمية النجوى والابتهال والدعاء فكانوا يرفعون أصواتهم بالدعاء فى كل حين فقال لهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (أيها الناس اربعوا على أنفسكم انكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا ان الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته). ونجد النداء القرآنى فى سورة الأعراف: آية 55 (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) التي تؤكد أن أفضل الدعاء ما كان تضرعا وخفاء؟.

الاعتداء فى الدعاء

وحول علاقة الأمر بالدعاء بالاعتداء فى قوله تعالى (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، يوضح الدكتور أحمد عبده عوض أن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم (سيكون قوم يعتدون فى الدعاء) والاعتداء فى الدعاء يكون بالجهر الكثير به، وأن يدعو المرء أن يكون فى منزلة نبى مثلا، أو يدعو بأمر محال، أو يشترط على الله تعالى كأن يقول (اللهم اغفر لى ان شئت) وهذا كله اعتداء فى الدعاء.

ومن خصائص الدعاء أنه عندما يعبر عن خوف المسلم ورجائه وطمعه فى رحمة الله أن يدخله فى دائرة الإحسان والمحسني، حث يقول تعالى (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف (56) فالمسلم يرى الله معه فى كل حاله، ولذا لا يجد ملاذا سواه سبحانه وتعالى. فدعاء الصائم تأكيد لمظاهر العبودية لله سبحانه تعالى وتقر به الخالق وينقله من قدرات الحق سبحانه التى ليس لها قيود ولا حدود، هو اذن فعل ما بوسعه وتوقفت الأسباب عند ذلك، ولم يجد الحل إلا فى رفع اكف الضراعة إلى المولى سبحانه دليل على قوة إيمانه . وعلى المرء المسلم ألا يستكثر مطالبه بجوار كرم الله.

تعجل الدعاء

ويقول إن المسلم مدمن القرع لأبواب رحمة الله، وهو بين الرجاء واليقين، يدرك أن رحمة الله قريبة منه، ولذا عليه أن يصبر وينتظر فى ترقب نتائج الدعاء وهذا المعنى نجده فى قوله صلى الله عليه وسلم. (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: «قد دعوت ربى فلم يستجب لى») على أنه من الأمور المهمة فى استجابة الدعاء أن يكون صالحا، يقول صلى الله عليه وسلم (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم) فقال رجل من القوم: إذا نكثر قال (الله أكثر). نعم الله تعالى أكثر إحسانا وكرما وعطاء مما تسألون.