حوْل النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجال، وأيّ رجال، لكلٍّ منهم خصلةٌ، لكلٍّ منهم ميزةٌ، وكلٌّ حميد الخصال، وكلٌّ للنبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم – مطيعٌ، وكلٌّ عظيم الفعال، والحديث عنهم كما وصفَه النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لوْ أنفقَ أحدُكم ملْء أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه))، فعليهم من الله الرضوان، والحديث اليوم عن جانب بسيط لشخصيةٍ من أصحاب النبيِّ تميَّزت بميزة خاصَّة، إنَّه رجُل المهمَّات الخاصَّة، ما كلَّفه النبيُّ بأمر وقال: لا، وما كلَّفه بأمر إلا نفَّذه، أعطاه النبيُّ عصًا لتكون آيةً بيْنه وبين النبيِّ يوم القيامة إنه عبدالله بن أنيس

قصة عبدالله بن أنيس

خرج عبدالله بن أنيس من المدينة يوم الاثنَين، لخمس خلوْن من المحرَّم على رأْس خمسةٍ وثلاثين شهرًا من مهاجَر رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

قالوا - واللَّفظ لمحمَّد بن عمر -: بلغ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ثمَّ اللّحياني، وكان ينزل عرنة وما والاها في أُناسٍ من قومِه وغيرِهم، يُريد أن يَجمع الجموع إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فضوى إليه بشَرٌ كثير من أفناء الناس.

قال عبدالله بن أنيس - رضي الله تعالى عنه -: دعاني رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((إنَّه بلغني أنَّ سفيان بن خالد بن نبيح يَجمع لي الناس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعرنة، فأْتِه فاقتله)).

فقلتُ: يا رسول الله، صفْه لي حتَّى أعرفَه، فقال: ((آية ما بيْنك وبيْنه أنَّك إذا رأيتَه هِبْتَه وفرقتَ منْه، ووجدت له قشعريرة وذكرت الشَّيطان)).

قال عبدالله: وكنتُ لا أهاب الرّجال، فقلت: يا رسولَ الله، ما فرقت من شيء قطّ.

فقال: ((بلى، آية ما بيْنك وبينه ذلك؛ أن تجِد له قشعْريرة إذا رأيتَه)).

قال: واستأذنتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أن أقول، فقال: ((قُل ما بدا لك)).

وقال: ((انتسِب لخُزاعة)).

فأخذت سيْفي ولم أزِد عليه، وخرجتُ أعْتزي لخزاعة حتَّى إذا كنتُ ببطن عرنة لقيتُه يَمشي ووراءه الأحابيش.

فلمَّا رأيتُه هِبْته وعرفتُه بالنَّعت الَّذي نعت لي رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

فقلت: صدق الله ورسوله، وقد دخل وقْت العصر حين رأيتُه، فصلَّيتُ وأنا أمْشي أومئ برأسي إيماء.

فلمَّا دنوتُ منْه قال: مَنِ الرَّجُل؟

فقلتُ: رجُلٌ من خزاعة، سمعتُ بِجمعك لمحمَّد فجئتك لأكون معك عليْه.

قال: أجل، إنّي لفي الجمع له.

فمشيْتُ معه وحدَّثتُه، فاستحلى حديثي وأنشدته، وقلت: عجبًا لِما أحدث محمَّد من هذا الدِّين المحدث، فارق الآباء وسفَّه أحلامهم!

قال: لَم ألْق أحدًا يُشبهُني ولا يحسن قتاله.

وهو يتوكَّأ على عصا يهدّ الأرض، حتَّى انتهى إلى خبائه وتفرَّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به.

فقال: هلُمَّ يا أخا خزاعة، فدنوت منه.

فقال: اجلس، فجلستُ معه، حتَّى إذا هدأ النَّاس ونام اغتررتُه.

وفي أكثر الرّوايات أنَّه قال: "فمشيْتُ معه حتَّى إذا أمكنَني حملْتُ عليْه السَّيف فقتلته، وأخذتُ رأسه، ثمَّ أقبلتُ فصعدت جبلاً فدخلت غارًا، وأقبل الطَّلَب من الخيل والرّجال تَمعج في كلّ وجْه، وأنا مكْتمِن في الغار، وضربتِ العنكبوت على الغار.

فكنتُ أسير اللَّيل وأكمن النَّهار حتَّى جئت المدينة، فوجدت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في المسجد، فلمَّا رآني قال: ((أفْلح الوجه)). فقلت: وأفلح وجْهُك يا رسول الله.

إهْداءُ الرَّسُولِ عَصًا لابْنِ أُنَيْسٍ:

ثُمَّ قَامَ بي، فأدْخَلَنِي بَيْتَهُ فأعْطانِي عَصًا، فقَالَ: ((أمْسِكْ هَذِه العَصَا عِنْدَك يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ))، قالَ: فخَرَجْت بِها على النَّاسِ فقالُوا: مَا هَذه العَصَا؟ قُلْتُ: أعْطَانِيها رَسُولُ اللَّهِ - صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّم - وأمَرَنِي أنْ أُمْسِكَها عِنْدِي، قَالُوا: أفَلا تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صلَّى اللّهُ علَيْهِ وسلَّم - فتَسْأَلَهُ لِمَ ذَلِك؟ قالَ: فَرَجَعْت إلى رَسُولِ اللّهِ - صلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسلَّم - فقُلْت: يا رَسُولَ اللّهِ، لِمَ أعْطَيْتنِي هَذِهِ العَصا؟ قالَ: ((آيةٌ بَيْنِي وبَيْنَك يَوْمَ القِيامة؛ إنَّ أقَلَّ النَّاسِ المُتَخَصِّرُونَ يَوْمئِذٍ))، قَالَ: فقَرَنَها عَبْداللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِه، فلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ ثُمَّ أمَرَ بِهَا فَضُمَّتْ في كَفَنِه، ثُمّ دُفِنَا جَمِيعًا.

المتخصرون: هم الذين يصلون بالليل، فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصِرهم، وقيل: من لهم أعمال صالحة يتكئون عليها يوم القيامة كما يتكئ الإنسان على عصاه