علمتني الحياة أنه إذا تراكمت الهموم والأدواء، فالقرآن شفاء ودواء، القرآن يأخذك من هجير الدنيا إلي نعيم القرب، ومن ضيق الصدر إلي راحة القلب، ومن البعد إلي القرب. عشت أنهل من هذا الدواء الرباني في كل وقت وحين، فأشعر ببرد وسلام في صدري وحنين ومحبة لكلام الله في قلبي تنقي قلبي من أشواك الأحزان، وتسكب فيه أنهار الإيمان .
إذا أصابتك الهموم فالجأ إلي باب مولاك، وناجه بكلامه فالله أرحم من أن يجعل للهموم والكروب علي قلب من جاء إلي بابه سبيلا .

لقد كان السابقون من الصالحين والقانتين يعرفون هذه الجنات، ويقطفون منها في ساعات الأحزان للقلوب أغلي الثمرات .

القرآن يأبي إلا أن يعز حامليه ويرفع قدرهم في الدنيا والآخرة وأتذكر قصة لأحد العلماء الكبار كيف رفعه القرآن وكيف حفظه القرآن وكيف كان القرآن جنته التي لا يغفل عنها.

يقول هذا التابعي الجليل العلم الخاشع- بعد أن ذكر إسلامه وتعلقه بالقرآن، وهو عبد مملوك- وكان

منَّا من يؤدي الضرائب لمالكيه، ومنَّا من يقوم علي خدمتهم، وكنت واحداً من هؤلاء، فكنا نختم القرآن كل ليلة مرة، فشق ذلك علينا، فجعلنا نختمهُ مرة كل ليلتين، فشق ذلك علينا، فجلعنا نختمه كل ثلاث، فشق علينا لما كنَّا نعانيه من جهدٍ في النهار وسهرٍ في الليل، فلقينا بعض أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم، وشكونا لهم ما نكابده من السهر وقراءة كتاب الله، مع قيامنا بخدمة موالينا، فقالوا لنا: اختموه كل جمعة مرة، فأخذنا بما أرشدونا إليه، فجعلنا نقرأ القرآن طرفاً من الليل وننام طرفاً، فلم يشق ذلك علينا.

فكان من أمر التابعي الجليل أن آل أمرهُ إلي امرأة من بني تميم، وكانت سيدة فاضلة مؤمنة، فكانت لا تشقُ عليه في الخدمة، حيث كان يخدمها بعض النهار ويرتاح في بعضه الآخر، فتعلم- مع حفظ القرآن- القراءة والكتابة، وطلب العلم، ولما ذهب في أحد أيام الجمع لصلاة الجمعة، خرجت معه وقالت أمام الناس: اشهدوا يا معشر المسلمين، أني أعتقت غلامي هذا رغبة في ثواب الله، وطمعاً بعفوه، وليس لأحد عليه من سبيل إلا سبيل المعروف، ثم نظرت إليه وقالت: اللهم إني أدخرهُ عندك ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

فمن هو هذا الإمام إنه أبو العالية، رفيع بن مهران، لقد رفعه الله بالقرآن، وبالعلم بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقد دخل مرةً علي ابن عباس- رضي الله عنهما- وهو أمير البصرة لعلي- رضي الله عنه- فرحب به ورفع منزلتهُ، وأجلسه علي سريره عن يمينه، وكان في المجلس طائفة من سادة قريش، فتغامزوا به وتهامسوا بينهم، وقال بعضهم لبعض: أرأيتم كيف رفع ابن عباس هذا العبد علي سريره؟ فأدرك ابن عباس ما يتغامزون به، فالتفت إليهم وقال: إنَّ العلم يزيدُ الشريف شرفاً، ويرفع قدر أهله بين الناس، ويجلس المماليك علي الأسرة، وقد رفع الله أبا العالية بالقرآن حتي قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية وسعيد بن جبير.

كن كأبي العالية يرفعك الله بالقرآن، واترك همومك خلفك وسارع إلي كتاب الله ففيه الدواء وفيه الشفاء حيث تجد في آياته ما ينزغك من همومك نزغًا، ويفرج لك هما وكربا، ويرفع لك قدرا وذكرا، ويحيطك حفظًا إنه القرآن دواء الهموم والأحزان.

نسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من أهله الذين ينبع نوره في قلوبهم فلا تجد الأحزان مكانًا بين جوانحها.



نشر هذا المقال لفضيلة الاستاذ الدكتور احمد عبده عوض