مَـابـاَلُنَـا...!
لقد تغير في الناس حتى دينهم والتزامهم، فما كانوا يرون به بأساً بالأمس هومن الجائزات اليوم، وما كان خطيئة وإثماً بالأمس أصبح حسنة وطاعة اليوم، وهي الفتنة التي قال الله عنها (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
قيل لأحد علماء السلف، ما الفتنة في هذه الآية؟
قال: أن يصبح ما كنت تراه حراماً حلالاً أو ما كنت تراه حلالاً حراماً.
ولا يكون تحوله هذا عن زيادة علم ورسوخ في الفقه، وإنما مجرد جريان وراء الهوى والشهوات، وضعف أمام الفتن والمغريات، فنحن الآن ينبغي أن نلتفت إلى ضرورة أن نسعى لتحقيق صحوة جيدة أو زيادة الصحوة،
فتوبتنا تحتاج الآن إلى توبة، والتزامنا يحتاج إلى التزام!
ولقد صدق الإمام أنس بن مالك حين قال كما في الصحيح: ((وإنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله من الموبقات)). لمن يقول هذا الكلام؟ إنه يقول: للتابعين وهم من القرون المفضلة.
ولقد أدرك أنس بن مالك تغير الأمة ولاحظ بدء قصورها، فرأى حين رجع إلى المدينة بعد أن مكث في الشام دهراً قليلاً.
وجد الناس لا يسوون صفوفهم، فقال: لقد تغيرت علي صفوف الناس في صلاتهم يعني على عهد النبي .
لقد عرف أنس بن مالك أن هذه هي بداية ميلان الجادة وانحراف الطريق، فماذا يقول يا ترى لو أدرك زماننا؟ ورأى أحوالنا؟
ليت الناس ما غيروا إلا صفوفهم لكان الأمر سهل والخطب أخف!
ولست أقول هلك الناس، ولست بالمهلك!
ففي الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا.
وكيف أهلك الناس؟ وقد قال النبي : ((من قال هلك الناس فهو أهلكهم)) .
ونؤمن بقول الرسول : ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله)) [رواه البخاري ومسلم].

ولكن لا يخفى على أي مؤمن صادق ما آل إليه أمر الناس وحال المسلمين اليوم من الغرابة، فالموافق المتابع فيه لما عليه الرعيل الأول قليل، والمخالف هو الكثير، وقد اندرست رسوم كثير من الشريعة أو كادت وانمحت بعض مظاهر الدين أو زالت، وإلى الله المشتكى وإليه الملجأ، وهو حسبنا ونعم الوكيل...