الحمد لله رب العالمين , حمدا يليق بجلاله وعظمته ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة العظمى ،فإن الإعتدالية خصيصة اساسية فى الإسلام ، وبنيت فى ضوئها التشريعات الإسلامية وسنعرض لمفهوم الإعتدالية , ومظاهرها فى الإسلام ، وأنواعها المتعددة.
مفهوم الإعتدالية:
يقول الله سبحانه وتعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) البقرة:143.
والوسط هذا الخيار والأجود ..وفسرته الأحاديث بأنه عدل , والوسط عدل ."بن كثير ج 1980/190".
ويمكن القول ان الناس فى مسايرتهم لوصايا الدين , على ثلاثة أصناف , فمنهم صنف تذهب به طبيعته , أو يذهب به دينه ومذهبه إلى أبعد الأطراف فهو غال شديد شديد اللغو، ومنهم صنف ثان تذهب طبيعته أو يذهب به دينه ، ومذهبه ، إلى أدنى الأطراف ، فهو مترخص شديد الترخيص ، ومنهم صنف ثالث تذهب به طبيعته , أو يذهب به دينه إلى منزلة
وسطى بين المنزلتين ، فلا هو إلى الغلو ولا إلى الترخيص, ولكنه على أحسن ما يكون من نشد أوساط الأمور ، والأحذ فى طرائق الإعتدال .
ولا شك أن الفضيلة الخلقية فى كل ما تقدم هى التوسط بين الطرفين ، فالعرب تستعمل كلمة وسط استعمالاً حقيقيًا لتدل بها على مكان الشئ بين الشيئين ، فهم يقولون ( جلس فلان وسط الدار ) ويقولون ( توسطت الشمس السماء ) ويقولون ( واسطة العقد ) للجوهرة التى تمتاز فى العقد من سائر أخواتها عن يمين وشمال , وهذا الإستعمال
الحقيقى لكلمة وسط , وما يشتق منها يقاربه فى اللغة استعمال الكلمة استعمالاً مجازيًا , وإذا كان المعنى الحقيقى لها دالاً على وجود الشئ بين الشيئين , فإن المعنى المجازى يدل على الخيرية والسبق إلى الفضل ( أحمد حسن الباقورى , 1981, 27 – 28 ).
وهكذا تكون كلمة وسطاً فى الآية الكريمة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) صالحة للمعنين جميعا , المعنى الحقيقى والمعنى المجازى على أن يكون معنى الآية هو أن الله جعل الأمة العربية الإسلامية أمة خيرة , عريقة فى الخير , وبهذا التفسير تلتقى مع الآية الكريمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)آل عمران :110.
وذلك بالنظر إلى المعنى المجازى , وعلى أن يكون معناها الحقيقى هو أن الله تعالى جعل هذه الأمة فى منزلة وسطى بين المنزلتين ، فلا هو إلى اللغو المفرط , ولا هى إلى التهاون المفرط , كما هو غيرها من الأمم الأخرى .
وهكذا فإن القصد والأعتدال هما خصيصة الإسلام الأولى وأن الغلو والابتذال هما خصمه الألد ,والذين يتناولون عقائد الإسلام وشرائعه تناول الواعى الفقيه يتبين لهم ذلك بما لايشوبه غموض .
وقد دعا الإسلام أتباعه كذلك إلى أن يتسموا بنفس السمه إلى أن يكونوا معتدلين . حيث أن الفقه الحق يكون فى الترخيص الأمين الذى ييسر على الناس , ويرضى الله , وليس فى التشدد . وهذا يتفق مع مقولة سفيان الثورى الذهبية " إنما الفقه الرخصة عن ثقة , اما التشدد فيحسنه كل أحد " .
نعم إن التشدد يحسنه كل أحد, ممن ضاقت به معارفهم أو ضاقت صدورهم , فما أسهل الجنوح إلى المبالغة والتزيد باسم الحذر والحيطة, وما أيسر الجنوح إلى المبالغة والتزيد باسم الرفض والتحريم أخذًا بالشبهات ، واحتجاجاً بسد الذرائع ، وإنما التحدى الحقيقى والفقه الأصيل ، يتمثل إما فى ضبط ميزان الاعتدال فى العبادة والسلوك ، أو فى
المجاهدة على فعل الخير ، أو درء الشر (فهمى هويدى , 1987, 46) .
وقد دعت آيات القرآن الكريم إلى اليسر والإعتدال كما يتضح من هذه الآيات (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة:185.
(فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) الإسراء :28. (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) المائدة:6.( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)الحج:78. (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) النساء: 28.
كما دعت الأحاديث النبوية إلى التيسير والتبشير وعدم التنفير وعدم الغلو . فقد قال صلى الله عليه وسلم " عليكم من الأعمال ما تطيقونه ، فإن الله لا يمل حتى تملوا "وقوله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الدين متين ، فأوغلوا فيه برفق ، ولا تبغضوا ‘إلى أنفسكم عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضا قطع ، ولا ظهر أبقى " .
ومع أن الإسلام قد دعا إلى الاعتدال ، فإن ثمة أمرًا جديرًا بالانتباه هنا، وهو أن التيسير المطلوب لا يكون بتطويع الأحكام الشرعية ، لتكون فى خدمة الواقع أيا كان ، بحيث يتم قبول كل ما هو قائم أو تبريره ...وإضفاء غطاء أو رداء شرعى له ، فذلك أمر مرفوض بطبيعة الحال ، ولا محل لمناقشته ، من حيث أنه يفتح الباب للانخلاع من الشريعة تدريجيا ،
لكن الذى نسعى إليه ونلح عليه هو أولاً الاعتدال فى فهم النصوص وتناولها بصورة لا تشق على الناس ، ولا تحملهم حرجاً ، ولا عنتاً يفوق طاقتهم ، وهو ثانياُ الاهتداء بالمصالح المشروعة فى استنباط الأحكام الجديدة ،انطلاقا من فهم رحب للنصوص القائمة ،والمقاصد المستهدفة .
وليس خافياً أن الاعتدال المطلوب فى تعاطى النصوص الشرعية ينسحب على العبادات والمعاملات ، فى آن واحد ، أما استنباط الاحكام فى ضوء متغيرات الواقع ومستجداته فينصب على المعاملات بالدرجة الأولى . ولاشك أن الاعتدال والتوسط فى الدين الإسلامى له أسسه وركائزه كما أن منهجه القويم الذى يتفق مع الطبيعة البشرية التى فطر الله الناس عليها .
وتتضح هذه الاعتدالية ، وهذا التوسط فى العقيده الإسلامية ، وفى العبادات المختلفة وفى السلوك الإسلامى ، وفى الأخلاقيات الإسلامية ، وفى توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم
.ولذا فإننا نتناول الاعتدالية فى كل ما تقدم بشئ من التفصيل والإفاضة فى النقطة التالية

الاعتدالية والوسطية فى العقيدة .
كما اتسمت العقيدة الإسلامية بالوضوح والدقة فإنها اتسمت كذلك بالاعتدالية ، وتتخذ الاعتدالية فى النواحى العقائدية جوانب مختلفة ..فمنها الاعتدالية فى أساس العقيدة ، وذلك بتوجه الأنظار إلى إله واحد ، خالق نعبده ،وتسبحه ، وذلك انطلاقاً من أسس فلسفية ، كما يقول الله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)
الأنبياء:23.( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) المؤمنون :91.
كما تتضح الاعتدالية كذلك فى شمولية العقيدة الإسلامية حيث الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر . كما تتضح كذلك فى الدعوة إلى الإيمان بالرسل السابقين ، وأن ايمان المرء لا يكتمل إلا بالإيمان بهم ، وتصديق ما جاءوا به .

وهناك جانب مهم فى إطلاق لفظ الإيمان والكفر على الناس ، حيث تتضح اعتدالية الإسلام فى تحذير اتباعه من تكفير بعضهم بعضاً ...وذلك من ارتكب معصية ، وأصر عليها ولم يتب منها ، أو تكفير علماء الدين وغيرهم لأنهم لم يكفروا الحكام ، أو تكفبر كل من عارض فكرهم ولم يقبله .
ولقد حذر النبى من الاتهام بالكفر فشدد النحذير ، ففى الحديث الصحيح " من قال لأخيه : ياكافر ، فقد باء بها أحدهما " فما لم يكن الآخر بيقين ، فسترد التهمة على من قالها ،ويبوء بها ، وفى هذا خطر جسيم وقد صح من حديث أسامة بن زيد : أن من قال (لا إله إلا الله ) فقد دخل الإسلام ، وعصمت دمه وماله ، ومن قالها خوفاً أو تعوذاً من السيف ، فحسابه على الله ولنا الظاهر ،ولهذا أنكر النبى صلى الله عليه وسلم غاية الإنكار على أسامه حين قتل الرجل فى المعركة بعد أن نطق بالشهادة ، وقال " قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله " ، قال : إنما قالها تعوزا من السيف ، قال " هلا شققت عن قلبه ؟ ما تصنع بلا إله إلا الله ؟ " قال أسامة : فما زال يكررها حتى تمنيت أنى أسلمت يومئذ فقط .
الحق أن هناك فرقاً بين الإيمان المطلق ، ومطلق الإيمان ، وبين الإسلام الكامل ومجرد الإسلام ، وهناك فرق بين الشرك الأكبر وبين الشرك الأصغر , ونفاق العقيدة ونفاق العمل . ( يوسف القرضاوى , 1982، 77).

ويجب أن نعلم أن الكفر نوعان :الكفر الأكبر : وهو الموجب للخلود فى النار ...أما الأصغر: فهو موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود ، كما فى الحديث :" اثنان من أمتى ، هما كفر : الطعن فى النسب ، والنياحة " وقوله فى السنن " من أتى امرأة فى دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد " وفى الحديث الآخر " من أتى كاهنا أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " وقوله "لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" وكل هذه الأمور لا تخرج عن الملة _ كما يقول بن عباس رضى الله عنهما _ فهو كفر دون كفر وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .
أما الكفر الحقيقى _ الأكبر _ فهو الشرك بالله تعالى ، أو الردة عن الإسلام .
وبعد أن عرضنا للاعتدالية والوسطية فى العقيدة الإسلامية ، فإنه يمكن القول إن هذه الاعتدالية تتسع لأمور أخرى غير العقيدة ، مثل العبادات والمعاملات ، وهذا ما تعرض له النقطة التالية .
الاعتدالية والتوسط فى العبادات والمعاملات .
تتضح الإعتدالية فى العبادات أكثر ما يكون فى عدم كثرة التكاليف التى جاءت بالقرآن ، حتى صار من اليسر القيام بها دون عنت أو مشقة ، كما نرى فى إباحة قصر الصلاة حال السفر والفطر للصائم إذا كان مريضاً أو على سفر ، وإباحة التيمم بدل الوضوء للصلاة لمن لم يجد الماء ، أو كان فى استعماله ضرر ، وقد فرض الصيام شهراً واحداً فى العام ،
وأبيح الفطر لمن لا يحتمله ، وقد فرض الحج مرة واحدة فى العمر ،ولم يكلف به إلا من استطاع إليه سبيلا ، والأمر كذلك فى الزكاة التى لم تفرض إلا على القادر الذى يفيض حاجته، وفى ناحية المعاملات نجد اليسر شاملاً ، فليست هناك إجراءات رسمية ، أو شكلية يجب اتباعها ليكون العقد صحيحاً كما كان الأمر عند الرومان بل تكفى فى هذا رغبة المتعاقدين فقط ومن ثم فلا نجد فى القرآن فى جواز العقود إلا شرط الرضا ومن باب التيسير فى المعاملات أيضا ابتناء كثير من الأحكام على العرف الصحيح شرعاً وفى باب العقوبات فإن التوجيه النبوى فى شأن الحدود يحث المسلمين على الترفق والتيسير فى مثل قوله صلى الله عليه وسلم "ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم "، وفى بعض "الروايات ادرأوا عن
المسلمين ما استطعتم ، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله ، فإن الإمام يخطئ فى عفوه خير من أن يخطئ فى العقوبة" .
وقد حدد الشيخ عبد العزيز جاويش فى كتابه " الاسلام دين الفطرة " أحد عشر أصلاً للإسلام ، أولها الإجتهاد ، وثانيها القصد فى الأعمال ،وإقامة مالا يشق على النفوس من التكاليف ، وقد كتب فى هذا المعنى يقول : فكل ما ليس فى وسع الإنسان أن يقوم به فلا تكليف فيه . والمراد بالوسع فى الآية الكريمة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)البقرة :286.أن يكون العمل حيث لا يجهد صاحبه ، ولا يوقعه فى العناء والتعب .(فهمى هويدى،84،1987).

وإذا عدنا إلى تطبيق عملى للاعتدالية فى الإسلام ، فإننا سنجد ذلك واضحاً فى التدرج الذى انتهجه القرآن الكريم مع الصحابة فى أمرهم بشئ ما ،أو نهيهم عن آخر ..حيث تقول السيده عائشة رضى الله عنها فى هذا المعنى ، واصفة تدرج التشريع ونزول القرآن "إنما أنزل أول ما أنزل القرآن بسور فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا أثاب الناس إلى الإسلام ،نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أولاً :لا تشربوا الخمر ولا تزنوا ، لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنا أبدا " رواه البخارى .
فالخمر لم تحرم مرة واحدة ، بل تدرج القرآن الكريم فى تحريمها ، حيث بين لهم أن ضررها أكبر من نفعها فى قوله سبحانه (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) البقرة:119.
ثم حرمها عليهم فى بعض الأوقات فى قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ( النساء: 43. فكانوا لا يشربونها إلا بعد الصلاة ، ثم نزل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) البقرة:90. ولعل هذا التدرج يتفق مع فهم القرآن للنفس البشرية ، وكنهها ، وهو تأكيد على اعتدالية الإسلام فى تشريعاته .
وبعد أن عرضنا للاعتدالية وصورها المختلفة فى العبادات والمعاملات فى الإسلام ، فإنه يمكن القول إن هذه الاعتدالية تتسع لتشمل النواحى السلوكية وهذا ما ستعرض له النقطة الثانية .


الاعتدالية فى السلوكيات .
رسمت الشريعة الإسلامية طريقاً قويماً للسلوك الصحيح للمسلم ، الذى يبتعد عن التشدد فى سلوكياته وأفكاره ، ويعتدل فى شتى أحواله ..حيث وزع الإسلام حقوق الآخرين بقسط وعدل ، كما يوضحها الحديث الذى رواه البخارى والترمذى عن أبى حذيفة قال: قال سلمان لأبى الدرداء :" إن لربك عليك حقا فاعط كل ذى حق حقه " وذكر ذلك لرسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : "صدق سلمان "وروى مسلم فى صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هلك المتنطعون " قالها ثلاثا . قال الإمام النووى : أى المتعمقون المجاوزون
الحدود فى أقوالهم وأفعالهم . ويلاحظ أن هذا الحديث جعل عاقبة التنطع هى الهلاك ، وهو يشمل هلاك الدين والدنيا ، وأى خسارة أشد من الهلاك وكفى به زجرا .

ولقد شدد القرآن الكريم وأنكر على أصحاب نزعة الميل إلى التشدد فى تحريم الطيبات والزينة التى أخرج الله لعباده ، فقال تعالى فى القرآن الكريم (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ

كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الأعراف :31، 32. وفى القرآن المدنى يخاطب الجماعة المؤمنة بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) المائدة 87-88.
وهاتان الآيتان الكريمتان تبينان للجماعة المؤمنة ، حقيقة منهج الإسلام فى مقاومة الغلو الذى وجد فى بعض الأديان ..فقد روى فى سبب النزول أن رهطاً من الصحابة قالوا :
نقطع مزاكيرنا , ونترك شهوات الدنيا ، ونسبح فى الأرض كالرهبان , وروى أن رجالاً أرادوا أن يتبتلوا أو يحصروا أنفسهم ويلبسوا المسوح (ملابس الرهبان ) فنزلت .

وجاء بن عباس : أن رجلاً أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله إنى أذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء ، وإنى حرمت على اللحم ، فنزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المائدة:87. ذكر هذه الروايات بن كثير فى تفسيره "بن كثير ج2 /87,88"ويمكن القول إن ما جاء به الإسلام من أحكام واضحة مفصلة , تهدى إلى الخير والعدل , لهى أهدى طريق للسلوك السوى للمسلم دون تعنت أو غلو حيث نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغلو ، ودعا إلى التيسير والتفائل وهذا مما تتناوله _ بشئ من التفصيل _ النقطة التالية .

الاعتدالية فى توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم :
جاءت توجيهات الرسول الكريم فى مجملها تدعو إلى الرفق واللين والتوسط ، وعدم المغالاة فقد روى ابو يعلى فى مجمله عن أنس بن مالك أن الرسول صلى الله عليه وسلم :كان يقول "لا تشددوا على أنفسكم ، فيشدد عليكم ، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، فتلك بقاياهم فى الصوامع والديارات , رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " " بن كثيرج4 /315.
ومن أجل ذلك قاوم النبى صلى الله عليه وسلم كل اتجاه ينزع إلى الغلو فى التدين ، وأنكر على من بالغ من أصحابه فى التعبد والتقشف ، مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال الذى جاء به الإسلام ، ووازن بين الروحية والمادة ,ووفق بفضله بين الدين والدنيا , وبين حظ النفس من الحياة وحق الرب من الحياة ، التى خُلق لها الإنسان .
وتتضح صور مقاومة الرسول الكريم للتطرف بالحسم والحزم فى عدة مواقف نورد بعضا منها :-
عندما اجتمع ثلاثة من أصحابه يتواصون على أن يرتقوا بعبادتهم على أن يؤود طاقة الإنسان فلما أخبروا عن عبادته صلى الله عليه وسلم كأنهم تقالوها : فقال أحدهم إنى سأصوم الدهر ، ولا أفطر ..وقال الثانى :إنى سأقوم الليل ولا أٍٍنام ..وقال الثالث : أما أنا فلن أتزوج النساء ...عندئذ خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم " أأنتم
الذين قلتم كذا وكذا ؟ قالوا _وجلين _ نعم يارسول الله...فقال الرسول الكريم " اما والله إنى لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، ، ولكنى أصوم وأفطر ، وأقوم من الليل وأنام ،وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى "

إن الصيام والقيام عبادتان لهما فى الإسلام مكانة عالية ، ومع ذلك اعتبر الرسول مجرد المغالاة فيها عملاً مرفوضاً ، وذات يوم والرسول مع أصحابه فى سفر ، وكانوا صياماً خشى الرسول على أصحابه من وقدة الحر ، ولفح الهجير ، فأفطر ونادى فى أصحابه بأن يفطروا ...وامتثل الصحابة لأمر الرسول إلا نفراً منهم واصل صيامه ، فلما نقل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نبأهم غضب وقال " أولئك العصاة أولئك العصاة " فلما سمعوا ذلك أفطروا . "خالد محمد خالد ، 1982، 52- "53.

ويضع الرسول منهجاً قويماً للاعتدال والقصد فيقول عليه السلام :" إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقى "وتضع الاعتدالية فى سلوكيات الرسول صلى الله عليه وسلم وعلاقاته بأصحابه وسؤاله عنهم ، وتوجيهاته المستمرة لهم ، وعدله بينهم ، وهديهم إلى الصراط المستقيم .وإذا كنا قد عرضنا للاعتدالية فى توجيهات الرسول الكريم ، فإن هناك وجها آخر للاعتدالية ، وهو الجانب الأخلاقى فيها ...فكما توجد اعتدالية فى التشريعات والسلوكيات فإن هناك اعتدالية فى فإن هناك اعتدالية ووسطية كذلك فى الأخلاقيات ، وهذا ما تعرض له النقطة الثانية.

الاعتدالية فى الجوانب الأخلاقية.
إن كل صفة خلقية لها حدها من التوسط ،وهذا الحد قد يزداد عند بعض الناس فتنقلب هذه الصفة الحسنة إلى صفة سيئة ، فالشجاعة _ فهى صفة محمودة وخلق كريم فى كل الأعراف وعند حميع الشعوب _ إن هى إلا وسط بين الطرفين ، فإن هى جاوزت منزلتها هذه فبلغت الطرف الأعلى كانت تهوراً ، أو بلغت الطرف الأدنى كانت جبنا ، وكلا الأمرين ، الجبن والتهور زذيلة ، والجود كذلك وهو من أجل الأخلاق وأكرمها عند الله ، وعند الناس ، وسط بين الاسراف والبخل ..(أحمد حسن الباقورى ،27).
وكذلك من اعتدال قوة العقل حسن التدبير ، وجودة الذهن وثقابة الرأى ، ومن إفراطها يصدر المكر والخداع والدهاء . وخلق العفة يصدر منه السخاء والحياء والصبر وميلها إلى التفريط يحصل منه الحرص والشره والوقاحة والخبث والتقتير والتذلل للأغنياء .(حسنى محمد بدوى 1984،26).

كما أن خشوع الإيمان قد ينقلب إلى خشوع النفاق إذا أفرط فيه ، والتواضع قد ينقلب إلى المهانة ،والمهانة قد تنقلب إلى الكبر، والعلو والاقتصاد قد ينقلب إلى الشح والاحتراز قد ينقلب إلى سوء الظن ، والهدية قد تنقلب إلى رشوة ، والعفو قد ينقلب إلى الذل ، والرجاء قد ينقلب إلى التمنى ، والتحدث بأنعم الله قد ينقلب إلى الفخر بها ورقة القلب قد تنقلب إلى
الجزع ،و المنافسة قد تنقلب إلى الحسد ،و التوكل قد ينقلب إلى العجز والمبادرة قد تنقلب إلى العجلة ، والأخبار بالحال قد ينقلب إلى الشكوى .(ابن القيم ، الروح ،1975).

وهكذا فإن كل صفة لها شق آخر سئ ، وذلك إذا أفرط المرء فى تلك الصفة ، ولعل هذا يؤكد الحاجة إلى الاعتدال فى كل شئ ، والتوسط فى النواحى الأخلاقية لا يقل أهمية عن التوسط فى باقى النواحى التعبدية والسلوكية ،وذلك لأن الأخلاقيات ركن أساسى فى الدين الإسلامى ، وجزء مهم فى بناء الكيان الروحى للأمة الإسلامية .

د / أحمد عبده عوض