عالج القرآن اليأس في محورين رئيسين :
المحور الأول : الآيات التي تدعو إلى التوحيد مما يبعث الأمل والأمان في القلوب : {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [ الزمر : 62 - 63] { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [ الأحزاب : 3] { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [ يونس : 58] { فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الروم : 50] .
فالإيمان إذن يقتضي التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين، ويبعد اليأس عن الإنسان، ويرتفع به إلى أعلى عليين، بما يمده من قوة الإيمان، أما إذا ترك الإنسان التوكل، فلا يستطيع التحليق والطيران إلى الجنة فحسب، بل ستجذبه تلك الأثقال إلى أسفل سافلين .
والإيمان نور، فإذا استقر نور الإيمان في هذا الإنسان، لبين ذلك النور جميع ما على الإنسان من نقوش حكيمة، فيقرؤها المؤمن بتفكر، ويشعر بها في نفسه شعورًا كاملًا، ويجعل الآخرين يطالعونها ويتملونها، أي : كأنه يقول : هذا أنا مصنوع الصانع الجليل ومخلوقه، انظروا كيف تتجلى فيَّ رحمته وكرمه، وتصطبغ الكائنات في نظره بالنور الإلهي .
فليس الزمن الغابر كما يتوهم اليائس مقبرة عظمى، بل يشهد ببصيرة القلب، كل عصر من العصور الماضية زاخر بوظائف عبودية تحت قيادة نبي مرسل، أو طائفة من الأولياء الصالحين، ويخترق حجب المستقبل فيرى الموت مقدمة لحياة أبدية، ويرى القبر باب سعادة خالدة، ويتيقن أن كل حادثة من حوادث الكون – كالأعاصير والزلازل والطاعون وأمثالها – إنما هي مسخرات موظفات مأمورات، ويرى أن عوصف الربيع والمطر وأمثالها من الحوادث التي تبدو حزينة سمجة ما هي في الحقيقة والمعنى إلا منار الحِكَم اللطيفة .
وهكذا تتحرر النفس البشرية من كل دواعي اليأس الذي يقوض أركانها.
المحور الآخر: استنهاض الهمة إلى أقصى مدى :
إن إحساس الإنسان باليأس ينتج أيضًا من انحطاط الهمة، والانشغال بسفاسف الأمور، حيث يستغل الشيطان حب الراحة والدعة لدى الإنسان؛ فيصرفه عن الإيمان بدسائس ومكائد خبيثة، تصيبه بالغفلة وانحطاط الهمة، فيقعده عن معالي الأمور، ويقذف به في هاوية السفالة والذلة .
لذلك فقد جعل القرآن الكريم للعمل منزلة مقدسة سامية، واستحث الإنسان أن يسعى في الأرض لاستنطاق أسرارها، واستخراج خيراتها ؛ لأن إعلاء كلمة الله في الأرض، يتوقف على الرقي المادي، فقال – تعالى - : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله} [ التوبة : 105] { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [ النجم : 39] .
لقد أدرج الله – سبحانه وتعالى - لكمال كرمه جزاء الخدمة في الخدمة نفسها، وأدمج ثواب العمل في العمل نفسه.
ولأجل هذا كانت الموجودات قاطبة تمتثل الأوامر الربانية بشوق كامل، وبنوع من اللذة عند أدائها لوظائفها الخاصة بها، والتي يطلق عليها الأوامر التكوينية، فكل شيء ابتداء من النحل والنمل والطير، وانتهاء إلى الشمس والقمر كل منها يسعى بلذة تامة في أداء مهماتها، أي: اللذة كامنة في ثنايا وظائف الموجودات حيث إنها تقوم بها على وجه من الإتقان التام، برغم أنها لا تعقل ما تفعل ، ولا تدرك نتائج ما تعمل .
فتأمل في وظائف أعضائك وحواسك ترى أن كلًّا منها يجد لذائذ متنوعة أثناء قيامه بمهامه، في سبيل بقاء الشخص أو النوع، فالخدمة نفسها والوظيفة عينها تكون بمثابة ضرب من التلذذ والمتعة بالنسبة لها، بل يكون ترك الوظيفة والعمل عذابًا مؤلمًا لذلك العضو .
والنباتات والأشجار تمتثل أوامر فاطرها الجليل بما يشعر أن في عملها شوقًا ولذة ؛ لأن ما تنشره من روائح طيبة وما تتزين به من زينة فاخرة، تستهوي الأنظار وما تقدمه من تضحيات وفداء حتى الرمق الأخير لأجل سنابلها وثمارها، كل ذلك يعلن لأهل الفطنة أن النباتات تجد لذة فائقة في امتثالها الأوامر، بما يفوق أية لذة أخرى حتى إنها تمحو نفسها وتهلكها لأجل تلك اللذة، ألا ترى شجرة جوز الهند وشجرة التين، كيف تطعم ثمرتها لبنًا خالصًا تطلبه من خزينة الرحمة الإلهية، بلسان حالها، وتتسلمه منها، وتظل هي لا تطعم نفسها غير الطين، وشجرة الرمان تسقى ثمرتها شرابًا صافيًا، وهبها لها ربها، وهي ترضى قانعة بشراب ماء عكر حتى إنك ترى ذلك في الحبوب، فهي تظهر شوقًا هائلًا للتسنبل، بمثل اشتياق السجين إلى رحب الحياة .
ومن هذا السر الجاري في الكائنات المسمى بسنة الله، ومن هذا الدستور العظيم يكون العاطل الكسلان الطريح على فراش الراحة أشقى حالًا، وأضيق صدرًا من الساعي المجِدِّ، ذلك لأن العاطل يكون شاكيًا من عمره، يريد أن يمضي بسرعة في اللهو المرح، بينما الساعي المجد شاكر لله وحامد له، لا يريد أن يمضي عمره سدى .
لذا أصبح دستورًا عامًّا في الحياة المستريح العاطل شاك من عمره، والساعي المجد شاكر، وذهب مثلًا : ((الراحة مندمجة في الرحمة، والرحمة مندمجة في الراحة، وهنا يتبين سر الآية العظيمة التي جعلت السعي في الحياة مدعاة لذهاب دواعي اليأس، وذلك في أمر نبي الله يعقوب – عليه السلام – لبنيه ألا يستسلموا لليأس، ويسعوا في البلاد بحثًا عن يوسف وأخيه { يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [ يوسف : 87 ] .
من كتاب ( ولا تيأسوا ) لفضيلة الاستاذ الدكتور / احمد عبدة عوض