شرف الله القرآن الكريم فجعل له تنزلات وأماكن مختلفة ، وهذا يدل على عناية الله عز وجل بالقرآن الكريم ، وهذا ما سنوضحه هنا .
معنى النزول :
النزول لغة يطلق ويراد به : الحلول ، يقال نزل فلان بالمدينة : حل بها وبالقوم : حل بينهم ، والمتعدى منه معناه : الإحلال ، يقال : أنزلته بين القوم ، أى أحللته بينهم ، ومنه قوله تعالى. وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ  (المؤمنون: الآية 29).
ويطلق أيضاً على تحرك الشىء من أعلى إلى أسفل . يقال : نزل فلان من الجبل، والمتعدى منه معناه : التحريك من علو إلى أسفل ، ومنه قوله تعالى وَأَنزَلنا مِنَ السَّمَاء مَاء  (المؤمنون : الآية 18).
وكلاً المعنيين اللغويين لا يليقان بنزول القرآن على وجه الحقيقة ، لاقتضائها الجسمية المكانية والانتقال ، سواء أردنا بالقرآن : المعنى القديم القائم بذاته تعالى ، أو الكلمات الأزلية ، أو اللفظ العربى المبين ، الذى هو صورة ومظهر للكلمات الحكمية القديمة ، لما علمت من تنزه الصفة القديمة ومتعلقها وهو الكلمات الغيبية الأزلية عن المواد مطلقاً ، ولأن الألفاظ أعراض سيالة . تنتهى لمجرد النطق بها . ولا يتأتى منها نزول ولا إنزال .
وعلى هكذا يكون المراد بالنزول المعنى المجازى . والمجاز فى اللغة العربية باب واسع ، فإن أردنا بالقرآن : الصفة القديمة أو متعلقها ، فالمراد بالإنزال الإعلام به بواسطة إثبات الألفاظ والحروف الدالة عليه . من قبيل : إطلاق الملزوم وإرادة اللازم . وإن أردنا اللفظ العربى الدال على الصفة القديمة . يكون المراد : نزول حامله به سواء أردنا بالنزول : نزوله إلى سماء الدنيا ، أو على النبى  ، ويكون الكلام من قبيل المجاز بالحذف ، وهذا هو مايتبادر إلى الأذهان عند إطلاق لفظ النزول .
وللقرآن الكريم وجودات ثلاثة :
1-وجوده فى اللوح المحفوظ .
2-وجوده فى السماء الدنيا .
3-وجوده فى الأرض بنزوله على النبى  .
ولم يقترن لفظ "النزول" إلا بالوجود الثانى والثالث ؛ أما الوجود الأول ؛ فلم يرد لفظ "النزول" مقترناً به قط ، وعلى هذا فلا ينبغى أن نسميه نزولاً أو تنزلاً.
أين كان القرآن قبل النزول ؟
يقول الله تعالى :  بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ  (البروج : الآيات 21 – 22) دلت الآية على أن القرآن كان قبل نزوله ثابتاً وموجوداً فى اللوح المحفوظ ، وهذا اللوح المحفوظ هو الكتاب المكنون الذى ذكره الله تعالى فى قوله  إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ* تنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ  (الواقعة : الآيات 77-80) فالظاهر أن الكتاب المكنون : هو اللوح المحفوظ ، ومعنى "محفوظ" أى محفوظ عن استراق الشياطين ، ومحفوظ عن التغيير والتبديل ، ومعنى "مكنون" مصون محفوظ عن الباطل .
واللوح المحفوظ :هو السجل العام الذى كتب الله فيه فى الأزل كل ما كان وكل ما يكون . والواجب علينا : أن نؤمن به وأنه موجود ثابت ، أما البحث فيما وراء ذلك ، كالبحث فى حقيقته وماهيته ، وعلى أى حالة يكون ؟ وكيف دونت فيه الكائنات وبأى قلم كتب ؟ فلا يجب علينا الإيمان به إذا لم يرد عن المعصوم  فى ذلك نص صحيح .
وحكمة وجود "القرآن" فى اللوح المحفوظ : ترجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح المحفوظ نفسه وإقامته سجلاً جامعاً لكل ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتكوين ، فهو شاهد ناطق ، ومظهر من أروع المظاهر الدالة على عظمة الله وعلمه وإرادته ، وواسع سلطانه وقدرته . ولا شك أن الإيمان به يقوى إيمان العبد بربه ، من هذه النواحى ، وبعث الطمأنينة إلى نفسه، والثقة بكل ما يظهره الله لخلقه من ألوان هدايته وشرائعه وكتبه وسائر قضيته، كما يحمل الناس على السكون والرضا تحت سلطان القدر والقضاء ، ومن هنا تهون عليهم الحياة بضرائها وسرائها كما قال جل شأنه :  مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ولا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ 
(الحديد : الآيات 22-23).
والإيمان باللوح والكتابة أثر صالح فى استقامة المؤمن على الجهاد ؛ وتفانيه فى طاعة الله ومراضاته ، وبعده عن مساخطه ومعاصيه ؛ لاعتقاده أنها مسطورة عند الله فى لوحه ، مسجلة لديه فى كتابه كما قال جل شأنه وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ  (القمر : 52-53).
وللقرآن الكريم نزولان :
الأول : نزوله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا .
الثانى : نزوله من السماء الدنيا على النبى  .
النزول الأول :
نزل "القرآن الكريم" من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة فى السماء الدنيا؛ جملة واحدة ، وهذا النزول أكان بعد نبوته  ؟ أم كان قبل ذلك ؟ رأيان للعلماء أرجحهما الأول . وهو الذى تدل عليه الآثار الآتية ، وكان هذا النزول فى رمضان ليلة القدر .
والدليل على هذا النزول ما يأتى :
(1) قوله تعالى فى مفتتح سورة "القدر"  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  وقال فى مفتتح سورة "الدخان"  حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ وقال فى سورة "البقرة"  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ  (البقرة : 185) "والإنزال" أكثر ما يرد فى لسان العرب فيما نزل جملة واحدة بخلاف "التنزيل" فإنه يعبر به فى جانب ما نزل مفرقاً ، فدلت الآيات على أن القرآن نزل جملة واحدة فى ليلة القدر ، أخذاً من سورة "القدر" وهى الليلة المباركة أخذاً من آية "الدخان" . وهى من ليلة شهر رمضان ، أخذاً من آية "البقرة".
ومن المعلوم : أن القرآن نزل على النبى -  - فى سنين لا فى ليلة واحدة ، وأنه نزل فى غير رمضان ، كما نزل فى رمضان ، فدل هذا على أن النزول الذى نوهت بشأنه الآيات غير النزول على النبى مفرقاً فى بضع وعشرين سنة وأن المراد به: هو النزول جملة واحدة .
(2) أخرج النسائى والحاكم والبيهقى من طريق داود بن هند عن عكرمة عن ابن عباس ، أنه قال : "أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك فى عشرين سنة " ، ثم قرأ : "ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق ، وأحسن تفسيراً" "وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ، ونزلناه تنزيلاً..".
(3) روى الحاكم والبيهقى من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : "أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله بعضه فى أثر بعض" .
(4) أخرج الحاكم وغيره ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : "فصل القرآن من الذكر ، فوضع فى بيت العزة من السماء الدنيا فظل جبريل ينزل به على النبى  ".
أخرج ابن مردوية والبيهقى – فى كتاب "الأسماء والصفات" عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود . فقال : أوقع فى قلبى الشك قوله تعالى  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  وقوله :  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  وهذا أنزل فى شوال ، وفى ذى القعدة وفى ذى الحجة وفى المحرم ، وفى صفر ، وشهر ربيع ، فقال ابن عباس : أنه أنزل فى رمضان فى ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم على مهل فى الشهور والأيام .
وقد ذكر "السيوطى" فى الإتقان عن القرطبى : أنه حكى الإجماع على أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ ، إلى بيت العزة فى السماء الدنيا (#).
وهناك قول ثان : وهو أن "القرآن" نزل إلى السماء الدنيا فى عشرين ليلة، أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين ، (#) ينزل الله فى كل ليلة منها ما يقدر إنزاله فى كل السنة ، ثم ينزل به جبريل بعد ذلك على النبى -  - فى جميع السنة ، وبه قال "مقاتل وبن حيان" .
وهناك قول ثالث : هو أن المراد بالآيات السابقة : ابتداء إنزاله فى ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجماً فى أوقات مختلفة على النبى -  - وبه قال "الشعبى" وكان صاحب هذا القول ينفى النزول جملة واحدة إلى السماء الدنيا .
وقد ذهب إلى هذا الرأى من المتأخرين الأستاذ الإمام الشيخ "محمد عبده" فى تفسير جزء "عم" فقد نقل كلام "الشعبى" وقواه ، وقال إن ما جاء من الآثار الدالة على نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة فى السماء ، مما لا يصح الاعتماد عليه ، لعدم توافر خبرة عن النبى –  - وأنه لا يجوز الأخذ بالظن فى عقيدة مل هذه ، وإلا كان اتباعاً للظن (#) .
وأعقب على قول الإمام فأقول : إن مسألة نزول القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليست من العقائد التى يتحتم تواتر الإخبار بها ، والتى لابد فيها من العلم القطعى اليقينى ؛ مثل وجود الله وصفاته ، ونحو ذلك من العقائد ، وإنما يكفى فيها الأخبار الصحيحة ، التى تفيد غلبة الظن ورجحان العلم ، ثم إن من قال : إن مثل هذه الحقيقة الغيبية لابد فيها من تواتر الأخبار عن النبى  ؟ إن كثيراً من السمعيات يكتفى فيها بالأخبار الصحيحة التى تفيد رجحان العلم بما دلت عليه ، وعلى هذا جرى العلماء سلفا وخلفا، ثم إن تأويل الآيات بأن المراد . ابتداء الإنزال صرف للآيات عن ظواهرها ، وظاهر الآيات يشهد للنزول جملة واحدة .
فالقول الأول : هو الراجح والصحيح الذى تؤيده الآيات والآثار
حكمه تعدد النزول:
والحكمة فى تعدد النزول أمران :
أولاً : تفخيم شأن من نزل عليه القرآن وشأن من سينزل إليهم ، فإنه نزل على خاتم الرسل  لأشرف الأمم ، وهى الأمة الإسلامية ، وفى هذا تنويه بشأن المنزل ، والمنزل عليه والمنزل إليهم .
ثانياً : تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب السماوية ، بأن جمع الله له النزولين : النزول جملة واحدة ، والنزول مفرقاً . وبذلك شارك الكتب السماوية فى الأولى ، وانفرد فى الفضل عليها بالثانية ، وهذا يعود بالتفضيل على نبينا "محمد"  على سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، ذوى الكتب المنزلة وأن الله جمع له من الخصائص ما ثبت لغيره وزاد عليها .
النزول الثانى :
قلنا فيما سبق أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، فى ليلة القدر وهذا هو النزول الأول . وكان النازل به "جبريل"  فألقاه على السفرة الكرام البررة ، فقيدوه فى صحفهم المكرمة، كما قال تعالى  كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ (عبس : الآية 11-16) وهم الملائكة المختصون بذلك .
وقد بقى القرآن محفوظاً فى هذه الصحف المرفوعة المطهرة ، بأيدى هؤلاء الملائكة الكرام البررة ، حتى أذن الله لهذا النور الإلهى أن يسطع فى أرجاء الأرض ، ولهدايته الربانية أن تتدارك الناس ، وتخرجهم من ظلمات الشرك والجهالة والضلال ، إلى نور الإيمان والهدى والعرفان ، على يد سيدنا ونبينا "محمد بن عبد الله" عليه صلوات الله وسلامه، فأنزل عليه "القرآن" هادياً ومبشراً ونذيراً للخلق أجمعين ، ليكون آيته الكبرى ، معجزته الباقية على وجه الدهر ، شاهدة له بالصدق وأنه يوحى إليه من ربه ، وهذا هو النزول الثانى للقرآن .
وشواهد هذا النزول أكثر من أن تحصى ، قال جل شأنه  وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ  (الشعراء : الآيات 192-195) وقال تعالى :  قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ(#) مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ليثبت الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل : الآية 102) وقال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا  (الكهف : الآيات 1-4) وقال تعالى:  تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا  (الفرقان : الآية 1) وقال تعالى :  وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ (البقرة : الآية 23) .
والذى نزل به على النبى -  - هو أمين الوحى "جبريل" عليه السلام ، وهو المقصود بالروح الأمين فى آية "الشعراء" ، وبروح القدس فى سورة النحل ، وهو الرسول الكريم ذو القوة المتين قال تعالى  إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ  (التكوير : الآيات 19-22) والقول كما ينسب لقائله الأول ، ينسب لمبلغه وحامله إلى المرسل إليه.
وهو شديد القوى . ذو المرة وهى الحصانة فى العقل والسداد فى الرأى والجمال فى المظهر، فى قوله تعالى :  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى  (النجم : الآيات 4-7) وقد جاء النص على أن النازل بالقرآن هو "جبريل" فى قوله سبحانه : قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ  ( البقرة : الآيتان 97 - 98).
كيفية هذا النزول ومدته :
وقد نزل به جبريل -  - على النبى-  - منجما ومفرقاً على حسب الوقائع والحوادث وحاجات الناس ، ومراعاة الظروف والملابسات .
وقد اختلف العلماء فى مدة هذا النزول : فقيل : عشرون سنة ، وقيل : ثلاث وعشرون سنة ، وقيل : خمس وعشرون سنة .
ومنشأ هذا الاختلاف : إنما هو اختلافهم فى مدة مقامه -  - بمكة فقيل : عشر سنين ، وقيل : ثلاث عشرة ، وقيل : خمس عشرة .
وأقربها إلى الحق والصواب ، هو القول الثانى ، وهو ثلاث وعشرون سنة ، وهذا على سبيل التقريب .
ولو راعينا التدقيق والتحقيق ، تكون مدة نزول القرآن اثنتين وعشرين سنة ، وخمسة أشهر ونصف شهر تقريباً ، وبيان ذلك : أن النبى -  - نبئ على الأربعين من ميلاده الشريف ، وذلك فى شهر ربيع الأول ، والثانى عشر منه وقد بدئ الوحى إليه بالرؤيا الصادقة ، ومكث على ذلك إلى السابع عشر من رمضان ، وهو اليوم الذى نزل عليه فيه صدر سورة "أقرأ" أول ما نزل من القرآن ، وجمله ذلك : ستة أشهر وخمسة أيام وآخر آية نزلت من "القرآن" هى قوله تعالى  وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  (البقرة : الآية 281) ، وقد روى : إن ذلك كان قبل وفاة النبى -  - بتسعة أيام ، بأحد عشر يوماً وقيل بواحد وعشرين يوماً : فلو أخذنا بالمتوسط تكون جملة المدة التى لم ينزل فيها القرآن ستة أشهر وستة عشر يوماً .
وجملة عمره -  - ثلاثة وستون عاماً ، أنه توفى فى الثانى عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، كما هو رأى الجمهور ، فتكون مدة نبوته : ثلاثً وعشرين سنة ، فإذا أنقصنا منها ستة أشهر وستة عشر يوماً يكون الباقى : اثنين وعشرين سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً (#).
كيفية تلقى جبريل للوحى :
هذه المسألة من أنباء الغيب : فلا يطمئن الإنسان إلى رأى فيه إلا إذا ورد نص عن الرسول  : ولم نطلع فى هذا على نقل من المعصوم -  - وإنما هى نقول عن بعض العلماء :
(1) نذكر منها : ما قاله "الطيبى" لعل نزول القرآن على الملك أن يتلقفه روحانياً أو يحفظه من اللوح المحفوظ : فينزل به على النبى -  - فيلقيه إليه : كلمة "لعل" لا تفيد القطع ، وإنما تفيد التجويز والاحتمال : وقد ردد الإمام "الطيبى" الأمر بين هذين الاحتمالين ، ولم يقطع برأى .
(2) ما ذكره "البيهقى" فى تفسير قوله تعالى :  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  قال يريد – والله أعلم – إنا أسمعنا الملك ، وأفهمناه إياه . وأنزلناه بما سمع ، وهذا الرأى أمثل الآراء . وأولاها بالقبول ويشهد له ما رواه "الطبرانى" من حديث النواس بن سمعان إلى النبى -  - قال : ( إذا تكلم الله بالوحى أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا . وخرجوا سجداً فيكون أولهم برفع رأسه "جبريل" فيكلمه الله بوحيه بما أراد فينتهى به إلى الملائكة فكلما مر بسماء سأله أهلها . ماذا قال ربنا ؟ قال الحق فينتهى به حيث أمر ) والحديث وإن لم يكن نصاً فى القرآن إلا أن "الوحى" يشمل وحى القرآن وغيره بل يدخل فيه الوحى بالقرآن دخولاً أوليا.
وهذا الرأى هو أحد الاحتمالين اللذين جوزهما "الطيبى" وهو مراده بقوله أن يتلقفه روحانياً.
والاحتمال الثانى : "وهو حفظه من اللوح المحفوظ وإن كان غير مستبعد إلا أن ما دل عليه النص أولى . أو ينبغى أن يصل إليه وهو الأليق بالقرآن الكريم" .
وفى تلقى "جبريل" -  - القرآن من ربه دون واسطة تعظيم للقرآن وتفخيم لشأنه ، وتنبيه إلى غاية العناية به ، والحرص والمحافظة عليه ، ومبالغة فى صيانته عن التحريف والتبديل.
كيف كان يتلقى النبى القرآن :
كان النبى – صلوات الله وسلامه عليه – يتلقى القرآن من جبريل –  - على حالتين :
(1) أن النبى – صلوات الله وسلامه عليه – يتحول من حالته البشرية العادية ، إلى حالة أخرى ، بها يحصل له استعداد ، لتلقى الوحى من – جبريل -  وهو على حالته الملكية ، وفى هذه الحالة قد يسمع عند مجىء الوحى صوت شديد كصلصلة الجرس (#) . "وأحياناً يسمع الحاضرون صوتاً عند مجىء الوحى كدوى النحل" وتأخذ النبى  حالة روحانية شديدة ، يغيب فيها عما حوله ، ويثقل جسمه ، حتى لتكاد الناقة التى يركبها تبرك ، وإذا جاءت فخذه على فخذ إنسان تكاد ترضها ، ويتصبب عرقه ، وربما يسمع له غطيط كغطيط النائم ، فإذا ما سرى عنه وجد نفسه واعياً لكل ما سمع من الوحى فيبلغه كما سمعه ، وهذه الحالة أشد حالات الوحى على النبى  ، ويشير إلى هذا قوله تعالى :  إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا  (المزمل: آية 5)
(2)أن يتحول "جبريل– – من الملكية إلى الصورة البشرية،فيأتى فى صورة رجل، فيأخذ عنه الرسول ويسمع منه (وكثيراً ما كان جبريل –  – يأتى فى هذه الحالة فى صورة "دحية الكلبى" أو صورة أعرابى لا يعرف ، وهذه أهون الحالين على الرسول) (#)
يدل على هاتين الحالتين : ما رواه البخارى ، فى صحيحه بسنده عن عائشة رضى الله عنها ، أن الحارث بن هشام –  – ، سأل رسول الله –  – قال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحى ؟ فقال : "أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده على ، فيفصم (#)عنى ، وقد وعيت منه ما قال ، وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً ، فيكلمنى فأعى ما يقول ، قالت عائشة رضى الله عنها :
"لقد رأيته–  – ، ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد وأن جبينه ليرفض (#) عرقاً"(#) .
وإنما اكتفى النبى–  – فى الجواب بهاتين الكيفيتين لأن الظاهر أن السؤال كان عن الوحى الذى يأتى عن طريق جبريل  .
والقرآن الكريم لم ينزل منه شىء إلا عن طريق جبريل عليه السلام ، ولم يأت شىء منه تكليم أو إلهام أو منام ، بل كله أوحى به فى اليقظة وحيا جلياً ، ولا يعارض ذلك ما ورد عن أنس –  – قال : "بينما رسول الله –  – بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءه" ثم رفع رأسه مبتسماً ، فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ فقال : إنه نزل على أنفا سورة ، فقرأ :  بسم الله الرحمن الرحيم . إنا أعطيناك الكوثر.
إذ ليس المقصود بالإغفاء فى الحديث : النوم ، وإنما المقصود . الحالة التى كانت تعتريه عند نزول الوحى ، وهى الغيبوبة التى تشبه إغفاءة النوم .
وقال (السيوطى) فى (الإتقان) بعد أن ذكر : إن من كيفيات الوحى تكليم الله إما فى اليقظة وإما فى المنام (وليس فى القرآن) من هذا شىء – فيما أعلم – نعم يمكن أن يعد منه آخر سورة (البقرة) وبعض سورة (الضحى) و (ألم نشرح) فقد أخرج ابن حاتم من حديث عدى بن ثابت قال : قال رسول الله  : سألت ربى مسألة وددت أنى لم أكن سألته فقلت : أى رب ، اتخذت إبراهيم خليلاً ، وكلمت موسى تكليماً ، قال يا محمد : ألم أجدك يتيماً فآويت ، وضالاً فهديت ، وعائلاً فأغنيت ، وشرحت لك صدرك وحططت عنك وزرك ، ورفعت لك ذكرك ، فلا أذكر إلا ذكرت معى . (#)
والذى قال السيوطى ، هو ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن ابن مسعود قال : (لما أسرى برسول الله  انتهى عند سدرة المنتهى) الحديث وفيه (فأعطى رسول الله  منها ثلاثاً . أعطى الصلوات ، وأعطى خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك من أمته بالله شيئاً) . وفى (الكامل للهذلى )نزلت (آمن الرسول) إلى آخرها بقاب قوسين .(#)
وما نقله السيوطى ليس فيه تصريح بنزول خواتيم سورة (البقرة) عن طريق تكليم الله تعالى فلعل المراد بإعطائه إياها إعلام الله له باختصاصه () وأمته بما تظل عليه ، تمننا عليه فى هذا الموقف العظيم .
وأيضاً فالإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بمكة . وسورة البقرة كلها مدنية فكيف تنزل خواتيمها بمكة؟
وأما حديث (عدى بن ثابت) الذى أخرجه ابن حاتم ، فليس فيه أن الله أنزل هذه الآيات وإنما كل ما فيه : المنن عليه بالمنن التى ذكرت فى هذه الآيات ولاسيما وأن ألفاظ الحديث مغايرة للنص القرآنى للآيات ، مما يستبعد معه أن تكون الآيات نزلت فى هذا التكليم.
فالحق ما قاله الإمام السيوطى ، ألا وهو أنه ليس فى القرآن من هذا النوع شىء . (#)
والذى يؤيده الدليل أن القرآن الكريم كله نزل على الحالة الأولى ، وهى الحالة التى يكون فيها جبريل على ملكيته ، وتحول النبى  من البشرية إلى الملائكية ، وهذا هو الذى يليق بالقرآن الكريم ، ونفى أى احتمال ، أو تلبيس فى تلقيه .
ما الذى نزل به جبريل على النبى  ؟
الذى يجب أن نعتقده ، ونقطع به ، أن القرآن الكريم نزل بلفظه ومعناه من عند الله تبارك وتعالى ، وهو الذى تؤيده الأدلة والبراهين ، فمن ذلك قوله تعالى ،  وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ 
(التوبة : الآية 5).
وقال تعالى :  تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ  (الزمر : الآية 1).
وقال تعالى :  حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ  (غافر:الآيات1-3)
وقال تعالى :  وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (الإسراء : الآية 105).
وأن الذى نزل به هو أمين الوحى جبريل  قال تعالى :  نزل به الروح الأمين ... وأن الذى نزل به جبريل هو هذا اللفظ العربى من غير أن يكون له فيه شىء ما ، ومن غير أن يزيد فيه حرفاً ، أو ينقص حرفاً .
وكذلك ليس للنبى  فى القرآن شىء إلا التبليغ ، وهذا هو الحق ، الذى يجب على كل مسلم أن يعتقده ويؤمن به ، ولا يلتفت إلى ما يزعمه بعض الملحدين ، من أن جبريل أوحى إليه المعنى ، وأنه عبر بهذه الألفاظ الدالة على المعانى بلغة العرب ثم نزل على النبى كذلك . أو أن جبريل أوحى إلى النبى - - المعنى ، وأن النبى عبر عن هذه المعانى بلفظ من عنده (#) ، ومتمسكاً بظاهر قوله تعالى : (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين) ، فإنه زعم باطل ، وكذب وافتراء وما تمسك به هذا الزعم من الآية لا يشهد له : فإن القلب كما ينزل عليه المعنى ينزل عليه اللفظ ، وإنما آثر الحق تبارك وتعالى هذا التعبير للدلالة على أن القرآن كما وعته أذن رسول الله  ، وعاه القلب أيضاً.
هذا القول خلاف ما تواتر عليه القرآن والسنة ، وانعقد عليه إجماع الأئمة : من أن القرآن – لفظ ومعنى– كلام الله ، ومن عند الله ، ولو جاز هذا الزعم ، لما كان القرآن معجزاً ، ولما كان متعبداً بتلاوته .
وقد بلغ النبى  القرآن كما نزل إلى الأمة من غير زيادة ولا نقصان ، ولا تحريف ولا تبديل ، ولا كتمان لشىء منه، ولو كان النبى  كاتماً شيئاً من الوحى ، لكتم الآيات التى فيها عتاب له وتنبيه بلطف إلى ترك الأولى فى باب الاجتهاد ، وبحسبك أن تقرأ قوله عز وجل :  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  (المائدة : الآية 67).
وقول الله سبحانه :  وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  (يونس : الآية 15).
وقول تعالى :  وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ  (الحاقة : الآيات 44 ، 47).
ومعنى : "باليمين" أى لا نتقمنا منه بالقوة ، و "الوتين" عرق متصل بالقلب ، إذا قطع مات الإنسان .
وهذا أكبر دليل على أن الرسول  قد بلغ كل ما أوحى إليه من ربه عز وجل امتثالاً لقوله تعالى :  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن
لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  (المائدة :الآية 67
من كتاب ( القرآن الكريم وصفات اهله ) لفضيلة الاستاذ الدكتور أحمد عبدة عوض