للقصة أثر عظيم في التربية، فهي محببة إلى النفوس، كما أنها تعلق بالذهن لا تكاد تنسى، بالإضافة إلى عنصر التشويق الذي تتمتع به مما يجذب انتباه السامع، ويجعله مهيئًا لتلقي العظة والعبرة .
ولقد جاءت القصة كثيرًا في القرآن، وأخبر - تبارك وتعالى - عن شأن كتابه فقال: [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ]

[يوسف: 3] [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [يوسف : 111].
قال الغزالي : فجميع قصص القرآن تنبيهات لأولي البصائر والأبصار؛ حتى
ينظروا إليها بعين الاعتبار( ).
فالقصة في القرآن والسنة تحمل كثيرًا من الحكم والأحكام، وتحمل رسالة تعليمية للمؤمنين، وأهدافًا، إيمانية منها :
1- تثبيت حملة الرسالة وتسليتهم عما يلاقونه من المصائب قال – تعالى - : [وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] [هود:120].
2- البحث عن أثر إصلاح النفس البشرية وتربيتها من خلال النماذج القصصية للسابقين، قال – تعالى - : [فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ] [ يونس : 98].
3- معرفة سنن الله في الأمم السابقة، قال – تعالى - : [سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا] [الفتح: 22 ،23].
ولقد جاءت القصة في القرآن الكريم على أنماط متعددة، فمنها قصص الأنبياء والصالحين حتى نتعلم من سيرتهم، ونجد في قصصهم تثبيتًا لنا على طريق الإيمان، وقصص المكذبين والجبارين والتي تنطوي على سوء الخاتمة حتى تمثل زاجرًا للعباد عن معصية الله، ودافعًا للإيمان بالله حتى لا يلاقوا نفس مصيرهم وعاقبتهم .
ويمثل الأنبياء نماذج مضيئة وضعها القرآن الكريم أمام أعيننا قال – تعالى - : [وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّ ] [ مريم : 41- 45 ] .
وهنا وقفة إعجازية في هذه القصة :
تتمثل في هذا التصميم من سيدنا إبراهيم – عليه السلام – على تبليغ دعوة الحق، وهداية أقرب الناس إليه، ثم انظر إلى الرفق والتلطف والإشفاق من سيدنا إبراهيم – عليه السلام - على أبيه أن يموت على الضلالة، وهذا يتضح من تكرار النداء (يا أبت) بما يحمل من معاني الإشفاق، لكن هذا الإشفاق وهذه الصلة بين الابن وأبيه حينما توضع أمام محبة الله والإيمان به ترجح كفة الإيمان بالله، ولا ينصاع إبراهيم لأبيه، بل يتولى الله وحده ويعتزل أباه وقومه قائلًا : [سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا] [ مريم : 47 - 48] .
وهذا حال المؤمن دائمًا الله ورسوله أحب إليه من أقرب الناس إليه، فإذا أصروا على الضلالة كانت كفة الإيمان بالنسبة له هي الراجحة .
ومن النماذج التي وضعها القرآن نصب أعين المؤمنين سيدنا إسماعيل – عليه السلام – : [ واذكر فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا] [مريم: 54- 55] .
فمن إعجاز هذه الآية :
أن هذا المدح لسيدنا إسماعيل – عليه السلام – بأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، هو نداء تربوي للمؤمنين عامة بأن يأمروا أهليهم بالصلاة والزكاة، ويكونوا أعوانًا لهم على الخير والسير إلى طريق الحق .
ومن قصص الصابرين التي تناولها القرآن الكريم قصة سيدنا أيوب – عليه السلام – التي جاءت مفصلة في موضع، ومجملة في موضع إلا أنها في موضع إجمالها تحمل إشارة إيمانية عظيمة يقول – تعالى –: [وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ] [ ص : 41- 42] .
إن في هذه الإشارة المجملة لقصة سيدنا أيوب – عليه السلام - تعليم للمؤمن أن يلجأ إلى الله في ساعة الضر ويناديه ويناجيه، فليس للمؤمن سوى الله – يقضي له الحاجات ويفرج عنه الكربات، ولم يجعل الله في هذه الإشارة المجملة فاصلًا بين النداء والإجابة، فما إن نادى أيوب – عليه السلام – ربه الكريم الرحيم : [أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ]، حتى ناداه ربه – سبحانه وتعالى – [ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ] وفي هذا دليل على قرب الله – سبحانه وتعالى – من عباده، وسرعة إجابة الداعي، وكشف الهم والغم عن المضطر .
ومن النماذج التي لم تؤمن، وسلكت سبيل الضلالة يقص علينا القرآن الكريم العديد من قصصهم لأخذ العبرة والعظة، ومنها قصة فرعون، وكيف أنه كذب وعلا في الأرض؟، ولقد وردت قصة فرعون في القرآن بصيغ متعددة، ومن الصيغ التي جاءت مقارنة تكذيب فرعون بموسى - عليه السلام - بتكذيب الكفار برسولنا – صلى الله عليه وسلم - قال – تعالى - : [إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا] [ المزمل : 15- 16 ] .
ويلاحظ أن القرآن الكريم يشير إلى التماثل بين موقف الكفار وموقف فرعون في التكذيب، وذكر الله – سبحانه وتعالى – جزاء فرعون وهو [فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا] وكذلك جزاء الكافرين، وإن لم يذكر في سياق الآيات، ولكنه يفهم من اتحاد حال الكفار مع فرعون في التكذيب الذي يستلزم المساواة في الجزاء .
((والقرآن يستخدم القصة لجميع أنواع التربية والتوجيه التي يشملها منهجه التربوي: تربية الروح، وتربية العقل، وتربية الجسم، والتوقيع على الخطوط المتقابلة في النفس، والتربية بالقدوة والتربية بالموعظة، فهي سجل حافل لجميع التوجيهات، وهي كذلك – على قلة عدد الألفاظ المستخدمة في أدائها – حافلة بكل أنواع التعبير الفني ومشخصاته)) ( ).
والقصص في السنة كثير، فمنها قصة الثلاثة (الأعمى، والأبرص، والأقرع) الذين أتاهم الملك، وقصة الثلاثة الذين لجؤوا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة، وغيرها كثير.
يقص النبي – صلى الله عليه وسلم – على أصحابه قصة الأبرص والأعمى، والأقرع يقول: ((إن ثلاثة نفر في بني إسرائيل أبرص، وأعمى، وأقرع، فأراد الله - عز وجل - أن يبتليهم؛ فبعث الله ملكا فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك؟ .
قال : لون حسن، وجلد حسن، فقد قذرني الناس .
قال : فمسحه فذهب عنه، وأعطي لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا .
قال: فأي المال أحب إليك؟ .
قال : الإبل - فأعطي ناقة عشراء .
فقال : بارك الله لك فيها .
قال : وأتى الأقرع، فقال : أي شيء أحب إليك؟ .
قال : شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنًا .
فقال: أي المال أحب إليك؟ .
قال : البقر، فأعطي بقرة حاملًا .
فقال : بارك الله لك فيها .
قال : فأتى الأعمى فقال : أي شيء أحب إليك؟ .
قال : أن يرد الله علي بصري، فأبصر به .
قال : فمسحه فرد الله إليه بصره .
قال : فأي المال أحب إليك؟ .
قال : الغنم .
فأعطي شاة والدًا، فأنتح هذان وولد هذا .
قال : فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم، قال : ثم أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال : رجل مسكين قد انقطع بي في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلغ عليه في سفري .
فقال : الحقوق كثيرة، فقال له : كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس؟، وفقيرًا فأعطاك الله؟، فقال : لقد ورثت هذا المال كابرًا عن كابر .
فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت .
قال : فأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال : إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت .
قال : وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين وابن سبيل قد قطع بي في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري .
فقال : لقد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته .
فقال : أمسك مالك، فإنما ابتليتم وقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك))( ).
إن في هذه القصة الكثير الوقفات التربوية الإعجازية والعظات والعبر:
1- في هذه القصة المقابلة بين إنعام الله على العبد وكرمة، وبين جحود بعض العباد واستكبارهم، فالله – سبحانه وتعالى – أنعم على هؤلاء الثلاثة فجحد بعضهم النعمة، وأبى واستكبر، وظن أن ما بيده من نعمة خالد ودائم، وهما الأبرص والأقرع، وأقر الآخر بنعمة الله عليه، ولم يبخل بشيء مما أعطاه الله فرضي الله عنه وأدام نعمته عليه، وهو الأعمى .
2- وفي هذه القصة أيضًا أن دوام النعمة مرتبط بشكر العبد وتواضعه لله، فإن أبى واستكبر وأنكر نعمة الله كانت عاقبته زوال النعمة وغضب الله عليه .
3- وفي هذه القصة أيضًا كرم المؤمن في عطائه لله عز وجل، وعدم استعظامه شيئًا من متاع الدنيا في سبيل رضى الله سبحانه عنه، فقد قال له الأعمى وهو النموذج المؤمن بعد أن ذكر نعمة الله عليه : فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته، ومن هنا نعلم أن الدنيا لا تساوي في قلب المؤمن شيئًا، وهو يعلم أنها بكل زينتها لن تحقق له سعادة في ظل غياب رضى الله عنه، وأن اليقين بالله والاستيثاق بما عنده هو الأمان للمؤمن وطريق السعادة في الدنيا والآخرة .
إن لهذه القصة الأثر العظيم على المتلقي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهي تضع نصب عينيه هذين النموذجين للجحود والإيمان، وبيان عاقبة كل فريق، مع المفارقة الشاسعة بين الجزاءين، إن المؤمن الذي يسمع هذه القصة لا شك أن قلبه وعقله سيظلان يحملان صورة هذين الفريقين؛ ليكونا دافعًا لطريق الهدى في حياته، وزاجرًا عن معصية ربه .
مما سبق نعلم أهمية القصة وأثرها في التربية، وأنها أكثر تأثيرًا من الأوامر والنواهي؛ لأنها تشخص النماذج أمام العقل والقلب المؤمن، كأنه يرى المكذب رأي العين، وهو يتجه إلى جزائه الأوفى من العذاب المقيم، ويرى الطائع الخاضع لربه العامل بأحكامه وشرعه، وهو يتجه إلى النعيم الخالد، والظل الظليل.
إن القصة تترك في نفس السامع أثرًا يظل ملازمًا له في حياته لا يكاد ينساه، ولا يغيب عن مخيلته، فهي من أكبر العون للعبد في استقامته على الطريق، وبعده بعون الله وحفظه عن المعاصي والخطايا .
من كتاب (موسوعة الاعجاز التربوى فى القرآن والسنة النبوية) لفضيلة الاستاذ الدكتور احمد عبدة عوض