وردت قصة موسى والخضر - عليهما السلام - في سورة الكهف، كما وردت في السنة النبوية، ولقد تضمنت هذه القصة العديد من آداب طلب العلم، كما أنها أعطت تصورًا مغايرًا للواقع المشاهد في سلوك الخضر - عليه السلام - في تعامله مع الأمور، ولكنه كان يصدر عن أمر ربه، تلك الأمور التي لاقت من موسى – عليه السلام – إنكارًا لتعارضها مع أحكام الشرع والعقل، ولقد كان كل منهم مصيبًا
فيما فعل، وكل منهم يبغي الالتزام بأمر الله وأحكامه .
قصة موسى والخضر في القرآن :
قال الله تعالى : [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا] [ الكهف : 60 - 82 ].
قصة موسى والخضر في السنة النبوية :
ونجد في السنة النبوية تفصيل قصة موسى والخضر – عليهما السلام –في الحديث الذي رواه ابن عباس – رضي الله عنه – قال : حدثنا أبي بن كعب- رضي الله عنه - عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ((قام موسى النبي خطيبًا في بني إسرائيل؛ فسئل: أي الناس أعلم؟ .
فقال: أنا أعلم .
فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه؛ فأوحى الله إليه: إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك .
قال: يا رب وكيف به؟ .
فقيل له: احمل حوتًا في مكتل فإذا فقدته فهو ثم؛ فانطلق وانطلق بفتاه يوشع بن نون، وحمل حوتًا في مكتل حتى كانا عند الصخرة وضعا رؤوسهما وناما؛ فانسل الحوت من المكتل؛ فاتخذ سبيله في البحر سربًا .
وكان لموسى وفتاه عجبًا؛ فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما فلما أصبح قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا .
ولم يجد موسى مسًّا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به .
قال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإني نسيت الحوت .
قال موسى: ذلك ما كنا نبغي ؛ فارتدا على آثارهما قصصًا .
فلما انتهيا إلى الصخرة إذا رجل مسجى بثوب أو قال: تسجى بثوبه؛ فسلم موسى .
فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ .
فقال: أنا موسى .
فقال: موسى بني إسرائيل؟ .
قال: نعم .
قال هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا؟ .
قال: إنك لن تسطيع معي صبرًا يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه لا أعلمه .
قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا، ولا أعصي لك أمرًا.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليس لهما سفينة فمرت بهما سفينة؛ فكلموهم أن يحملوهما؛ فعرف الخضر فحملوهما بغير نول؛ فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة؛ فنقر نقرة أو نقرتين في البحر .
فقال الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر .
فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه؛ فقال موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ .
قال: ألم أقل لك، إنك لن تسطيع معي صبرا؟ .
قال: لا تؤاخذني بما نسيت - فكانت الأولى من موسى نسيانًا - فانطلقا فإذا غلام يلعب مع الغلمان؛ فأخذ الخضر برأسه من أعلاه؛ فاقتلع رأسه بيده.
فقال موسى: أقتلت نفسًا زكية بغير نفس؟.
قال: ألم أقل لك إنك لن تسطيع معي صبرًا؟ .
قال ابن عيينة: وهذا أوكد - فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضفوهما؛ فوجد فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه .
قال الخضر بيده فأقامه؛ فقال له موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا.
قال: هذا فراق بيني وبينك .
قال النبي - صلى الله عليه و سلم - : ((يرحم الله موسى لوددنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما))( ).
وقبل أن نستعرض الجوانب التربوية في هذه القصة وجوانبها الإعجازية التي تبين بوضوح المنهج المتكامل للإسلام في تلقي العلم وآدابه التي ترقى بالفرد إلى قمة القيم الأخلاقية والتربوية نقف أمام بعض اللقطات المضيئة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم .



فمن هذه الوقفات المضيئة :
الوقفة الأولى : أن موسى – عليه السلام – حين أخبره ربه – تعالى – أن هناك عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال : يا رب وكيف لي به؟.
إننا لا نجد أي أثر لكبر أو تعالٍ في طلب العلم، بل إن موسى – عليه السلام - يسأل : كيف لي به؟، كيف أصل إلى هذا العبد العالم؟، وأي طريق يؤديني إليه؟.
إنه الأدب القرآني التربوي الذي يدعو إلى طلب العلم، وأدب السنة النبوية التي تدعونا إلى تحمل المشاق في طلب العلم، لأنه هو قوام الفرد المسلم والمجتمع المسلم وقوام الدين الإسلامي كله، فالإسلام جاء ليحرر العقل من الجهل، وينير قلب المؤمن وعقله بنور العلم .
بل إن السنة النبوية في مواضع أخر تصور طلب العلم بالنهم، إنه الطلب الحثيث للعلم في كل مكان بلا كبر ولا تعال، ولا كلل، ولا يأس، ولا وهن.
قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : « منهومان لا يشبعان : منهوم في علم لا يشبع، ومنهوم في دنيا لا يشبع»( ) .
والنَّهْمة : بلوغ الهِمَّة في الشيء، والشَّرَهُ والرغبة الشديدة، وهذا يبين لنا قيمة العلم ومكانته في الإسلام، كما أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يبين أنه لا يشبع، وهذا دليل على دوام طلب العلم، إذ لا يتوقف عند حد معين، فالمسلم طالب للعلم في حياته كلها كما قال الإمام أحمد – رضي الله عنه- : أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر، وقال صالح ابن الإمام أحمد : رأى رجل مع أبي محبرة فقال له : يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين، فقال: معي المحبرة إلى المقبرة .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان الرجل إذا لقي من هو فوقه في العلم كان يوم غنيمة ، وإذا لقي من هو مثله دارسه وتعلم منه، وإذا لقي من دونه تواضع له وعلمه( ) .
الوقفة الثانية مع قول الخضر – عليه السلام - : ((إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه لا أعلمه)).
وهذا أدب عظيم من آداب العلماء، حيث لا يعتقد العالم أنه بلغ الغاية من العلم، ويستقل علم غيره، بل هو مع علمه اللدني العظيم يعترف أن مع موسى – عليه السلام - من العلم ما لا يعلمه كما أن معه من العلم ما لا يعلمه موسى عليه السلام .
وما أحوج العلماء إلى هذا الأدب الرفيع والخلق العظيم أن يظل في قرارة نفسه يشعر أن فوق علمه علم في صدور غيره من العلماء يسعى لاكتسابه، وأن فوقه عليم يستحق أن يجلس بين يديه مجلس المتعلم من المعلم .
وعودًا إلى القصة القرآنية في آياتها الكريمة نعيش مع جوانبها التربوية وآدابها العظيمة :
لقد طلب موسى في بداية لقائه بالعبد الصالح الخضر أن يعلمه مما علمه الله بأدب جم، بصيغة الاستفهام التي لا تعني الجزم :
لم يطلب بصيغة الأمر : علمني، ولكنه طلب منه بهذه الصيغة التي تدل على أدب الأنبياء – عليهم السلام – ذلك الأدب الإلهي الذي صنعهم الله عليه :
[هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا] [ الكهف : 66].
ولكن علم الخضر – عليه السلام - ليس هو العلم البشري، إنما هو جانب من العلم اللدني بالغيب أطلعه الله عليه بالقدر الذي أراده، للحكمة التي أرادها . ومن ثم فلا طاقة لموسى بالصبر على الخضر وتصرفاته، ولو كان نبيًّا رسولًا ؛ لأن هذه التصرفات حسب ظاهرها قد تصطدم بالمنطق العقلي، وبالأحكام الظاهرة، ولا بد من إدراك ما وراءها من الحكمة المغيبة؛ وإلا بقيت عجيبة تثير الاستنكار؛ لذلك يخشى العبد الصالح الذي أوتي العلم اللدني على موسى ألا يصبر على صحبته وتصرفاته:
[قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا] [الكهف : 67 - 68] ولكن موسى – عليه السلام – يعزم على الصبر والطاعة، ويعطينا مثلًا واضحًا في الاستعداد للصبر على طلب العلم، وتحمل المشاق في سبيله، ويقدم موسى مشيئة الله – تعالى - وهو درس آخر لطالب العلم أن يجعل مشيئة الله وعونه نصب عينيه دائمًا في طريقه ورحلته في طلب العلم .
[قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا] [ الكهف : 69].
ولكن الخضر – عليه السلام - يزيده توكيدًا وبيانًا، ويذكر له شرط صحبته قبل بدء الرحلة، وهو أن يصبر فلا يسأل، ولا يستفسر عن شيء من تصرفاته حتى يكشف له عن سرها :
[قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ] [الكهف : 70].
ويرضى موسى بهذا الشرط، وتبدأ رحلة طلب العلم .
[فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا][ الكهف : 71] .
سفينة تحملهما وتحمل معهما ركابًا، وهما في وسط اللجة؛ ثم يجيء هذا العبد الصالح فيخرق السفينة! إن ظاهر الأمر هنا أن هذه الفعلة تعرض السفينة وركابها لخطر الغرق؛ وتؤدي بهم إلى هذا الشر؛ فلماذا يقدم الرجل على هذا الشر؟.
لقد نسي موسى ما قاله هو وما قاله صاحبه، أمام هذا التصرف العجيب الذي لا مبرر له في نظر المنطق العقلي! والإنسان قد يتصور المعنى الكلي المجرد، ولكنه عندما يصطدم بالتطبيق العملي لهذا المعنى والنموذج الواقعي منه يستشعر له وقعًا غير التصور النظري؛ فالتجربة العملية ذات طعم آخر غير التصور المجرد، وها هو ذا موسى الذي نبه من قبل إلى أنه لا يستطيع صبرًا على ما لم يحط به خبرًا، فاعتزم الصبر واستعان بالمشيئة وبذل الوعد وقبل الشرط ، اندفع موسى مستنكرًا :
[قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ][ الكهف : 71] .
وفي صبر ولطف يذكره العبد الصالح بما كان قد قاله منذ البداية :
[قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا] [الكهف : 72] وهذا الخلق من الأخلاق المطلوبة في العالم أن يستعمل الرفق مع طالب العلم حتى ولو تكرر منه النسيان، إن هذا الخلق يساعد في تنمية علاقة الود والحب بين العالم والمتعلم مما يجعل التعلم مرتبطًا بشيء محبوب يدفع طالب العلم إلى الاستزادة منه .
ويعتذر موسى بنسيانه، ويطلب إلى الخضر أن يقبل عذره ولا يرهقه بالمراجعة والتذكير :
[قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ] [ الكهف : 73].
ويقبل الخضر – عليه السلام - اعتذاره، وتستمر الرحلة :
[فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ] [ الكهف : 74] .
وإذا كانت الأولى خرق سفينة واحتمال غرق من فيها؛ فهذه قتل نفس . قتل عمد لا مجرد احتمال فلم يستطع موسى – عليه السلام - أن يصبر عليها على الرغم من تذكره لوعده :
[قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ] [ الكهف : 74] .
فالغلام في نظره بريء؛ لم يرتكب ما يوجب القتل، بل لم يبلغ الحلم حتى يكون مؤاخذًا على ما يصدر منه .
ومرة أخرى يرده العبد الصالح إلى شرطه الذي شرط، ووعده الذي وعد، ويذكره بما قال له أول مرة، والتجربة تصدقه بعد التجربة :
[قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا] [ الكهف : 75].
وفي هذه المرة يعين أنه قال له : [قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ].
لك أنت على التعيين والتحديد؛ فلم تقتنع وطلبت الصحبة وقبلت الشرط ، ويعود موسى إلى نفسه، ويجد أنه خالف عن وعده مرتين، ونسي ما تعهد به بعد التذكير والتفكير؛ فيقول:
[قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا] [ الكهف : 76].
[فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ] [ الكهف : 77] .
إنهما جائعان، وهما في قرية أهلها بخلاء، لا يطعمون جائعًا، ولا يستضيفون ضيفًا؛ ثم يجدان جدارًا مائلًا يهم أن ينقض، والتعبير يخلع على الجدار حياة وإرادة كالأحياء فيقول : [يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ] .
فإذا الرجل الغريب يشغل نفسه بإقامة الجدار دون مقابل.
وهنا يشعر موسى بالتناقض في الموقف ما الذي يدفع هذا الرجل أن يجهد نفسه، ويقيم جدارًا يهم بالانقضاض في قرية لم يقدم لهما أهلها الطعام وهما جائعان، وقد أبوا أن يستضيفوهما؟ أفلا أقل من أن يطلب عليه أجرًا يأكلان منه؟، [قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا] [ الكهف : 77] .
وكانت هي الفاصلة، فلم يعد لموسى – عليه السلام - من عذر، ولم يعد للصحبة بينه وبين الخضر مجال :
[قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا] [الكهف : 78].
ثم يأخذ السر في البيان : [أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا] [ الكهف : 79] .
فبهذا العيب نجت السفينة من أن يأخذها ذلك الملك الظالم غصبًا؛ وكان الضرر الصغير الذي أصابها اتقاء للضرر الكبير الذي يكنه الغيب لها لو بقيت على سلامتها .
[ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا] [الكهف : 80 - 81].
فهذا الغلام الذي لا يبدو في حاضره ومظهره أنه يستحق القتل، قد كشف ستر الغيب عن حقيقته للعبد الصالح، فإذا هو في طبيعته كافر طاغ، تكمن في نفسه بذور الكفر والطغيان، وتزيد على الزمن بروزًا وتحققًا؛ فلو عاش لأرهق والديه المؤمنين بكفره وطغيانه، وقادهما بدافع حبهما له أن يتبعاه في طريقه ؛ فأراد الله ووجه إرادة عبده الصالح إلى قتل هذا الغلام الذي يحمل طبيعة كافرة طاغية، وأن يبدلهما الله خلفًا خيرًا منه، وأرحم بوالديه .
ولو كان الأمر موكولًا إلى العلم البشري الظاهر، لما كان له إلا الظاهر من أمر الغلام، ولما كان له عليه من سلطان، وهو لم يرتكب بعد ما يستحق عليه القتل شرعًا، وليس لغير الله ولمن يطلعه من عباده على شيء من غيبه أن يحكم على الطبيعة المغيبة لفرد من الناس، ولا أن يرتب على هذا العلم حكمًا غير حكم الظاهر الذي تأخذ به الشريعة، ولكنه أمر الله القائم على علمه بالغيب البعيد .
[وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا] [ الكهف : 82 ].
فهذا الجدار الذي أتعب الرجل نفسه في إقامته، ولم يطلب عليه أجرًا من أهل القرية وهما جائعان وأهل القرية لا يضيفونهما كان يخبئ تحته كنزًا، ويغيب وراءه مالًا لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة، ولو ترك الجدار ينقض لظهر من تحته الكنز؛ فلم يستطع الصغيران أن يدفعا عنه، ولما كان أبوهما صالحًا فقد نفعهما الله بصلاحه في طفولتهما وضعفهما، فأراد أن يكبرا ويشتد عودهما، ويستخرجا كنزهما وهما قادران على حمايته .
ثم ينفض الرجل يده من الأمر، فهي رحمة الله التي اقتضت هذا التصرف. وهو أمر الله لا أمره، فقد أطلعه على الغيب في هذه المسألة وفيما قبلها، ووجهه إلى التصرف فيها وفق ما أطلعه عليه من غيبه [رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي].
وبعد فإن من بين الفوائد الكثيرة والآداب العظيمة التي تضمنتها هذه القصة ما يلي:
1- تواضع وأدب طالب العلم في رحلته مع مؤدبه ومعلمه كما فعل موسى – عليه السلام – فهو قد أشار في بداية لقائه بالخضر بالاتباع التام، والاتباع يشعر بالطاعة والخضوع والتواضع أمام المعلم، كما يتعلم طالب العلم الأدب مع المربي والمعلم من قصة موسى – عليه السلام – من تلك الصيغة التي تتضمن الرفق وتلمس الرضا والتواضع : هل أتبعك؟ تلك الصيغة التي لا تجزم ولا تفرض، ولا تأمر، ولكنها تترك التقرير والإرادة للمعلم، فهو الذي يقرر، وهو الذي يختار ما يصلح لتلميذه .
2- ومن بين الآداب التي تحملها هذه القصة حلم العالم ورفقه بتلميذه، فحينما يعارض موسى – عليه السلام – على الفعل الأول يذكره الخضر – عليه السلام – بهذا السؤال الحليم: ألم أقل لك؟ وهو سؤال لا يحتوي على تجهم ولا نهر لموسى - عليه السلام - وهذا الخلق والأدب نجده كثيرًا متمثلًا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم – وهو يعلم أصحابه :
عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينما أنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فحدقني القوم بأبصارهم، قلت: واثكل أماه، ما لكم تنظرون إلي؟، قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، والله ما ضربني، ولا كهرني، ولا سبني، ولكن قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي التسبيح، والتكبير، وتلاوة القرآن))( ).
هذا هو المنهج القويم للعالم الذي حث عليه القرآن وطبقه النبي - صلى الله عليه وسلم – أن يكون العالم مستعدًّا لتبليغ العلم بكل رفق وحلم وحرص على أن يفيد تلميذه حتى يسلك السبيل القويم .
3- الصبر والطاعة خلقان في غاية الأهمية نتعلمهما من هذه القصة فالصبر كان الشرط الأول للخضر – عليه السلام – الذي جاءت الدعوة إليه عن طريق الصيغة التحفيزية : إنك لن تستطيع معي صبرًا، إن هذه الرحلة تتطلب قدرًا خاصًّا من الصبر؛ لأنها ستصادف أشياء ينكرها العقل؛ لأنها في ظاهرها تخالفه ، وفي رد موسى – عليه السلام – إعلاء لهذين المطلبين من طالب العلم، وهما الصبر والطاعة : [قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا] [ الكهف : 69] .
إنها الطاعة المخلصة التي لا تعصي للمعلم أمرًا، ويلاحظ التعبير بالأمر الذي يعلي من شأن المعلم ويجعله الآمر، وطالب العلم الخاضع المطيع، كما أن التعبير بنفي الفعل عصى يؤكد تمام الطاعة وكمالها .
هذا المعنى أكده القرآن والسنة النبوية في كثير من المواضع قال – تعالى - : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ] [ محمد : 33].
وقال – تعالى - : [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] [التغابن : 16].
قال الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله - ((نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة وثلاثين موضعًا، ثم جعل يتلو : [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [النور : 63]))( ).
عن ابن عباس – رضي الله عنه - في قوله - تعالى - : [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] [ النساء: 59] يعني : « أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معالي دينهم ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله طاعتهم » . « وهذه أحاديث ناطقة بما يلزم العلماء من التواضع لمن يعلمونهم»( ).
4- وفي قصة موسى والخضر - عليهما السلام - تنبيه على المنع من السؤال قبل أوان استحقاقه إذ قال [فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ] [ الكهف : 70 ] .
5- ومن بين الفوائد التي تحملها هذه القصة أن الله يحفظ الأبناء بصلاح الآباء، فلا يخش أحد على ذريته وهو موكل أمرهم إلى الله – سبحانه – ومدخر لهم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
فلقد حفظ الله – سبحانه – هذين الغلامين بصلاح الأب، وأخرج لهما كنزًا حتى يغنيهم عن الناس، ويكرمهم في الدنيا بعمل أبيهم للآخرة .
6- كما أن من الفوائد التي تحملها هذه القصة أن لله - تعالى - في كل صنع حكمة يتعجب العاقل من سرها كما في قصة موسى والخضر - عليهما الصلاة والسلام - وإذا علم الإنسان هذا غلب الحب على الإحساس بالألم وتولد الرضى في قلب الإنسان؛ لأنه يعلم أن كل ما يجري عليه هو تقدير العزيز الحكيم الذي وضع كل شيء موضعه بحكمة وعلم .

جوانب إعجازية تربوية من قصة موسى والخضر عليهما السلام:
- نطالع في قصة موسى والخضر براعة العالم، وكيف وصل إلى مرحلة العلم الرباني، إن شخصية الخضر تمثل شخصية العالم الرزين الحكيم الذي يصدر في كل أفعاله وأقواله عن أمر الله – سبحانه وتعالى .
- اجتماع الرحمة والعلم في شخصية العالم أمر أساسي فالعالم لا بد أن يكون رحيمًا مع تلميذه حتى يوصل إليه ما آتاه الله من العلم، وهذا الخلق : (الرحمة) يشيع جوًّا من الألفة والمودة بين العالم والمتعلم، وهذا ما يؤثر على تلقي العلم وسعي الطالب بجد لاكتسابه، والاستفادة من أقوال العالم وأفعاله .
- الرحمة سبقت العلم في القصة، وهذا يؤكد أهمية الرحمة، وكونها الأساس الذي يبنى عليه العلم .
- من الإعجاز القرآني في القصة جانب المؤازرة في طلب العلم، وهذا يتضح في أن موسى – عليه السلام – لم يذهب إلى مجمع البحرين وحده بل ذهب مع فتاه، إن طالب العلم في حاجة إلى أعوان معه في الطريق يثبت بعضهم بعضًا، ويساعد بعضهم بعضًا على الالتزام الإيماني والعمل بأحكام الله، ويشد بعضهم أزر بعض في طلب العلم وتحمل المشاق في سبيله .
- علو الهمة أمر نستفيده من صياغة القرآن الكريم لقصة موسى والخضر، وهذا ما يعضده تكرار كلمة فانطلق ثلاث مرات، إن هذه الكلمة تحمل فيما تحمل من دلالات دلالة الانطلاق التي تعني علو الهمة وشدة الطلب، وقوة الاندفاع في طلب العلم مما يزيل الصعوبات التي تواجه طالب العلم .
- التعلم الإثرائي واضح في القصة حيث نرى موسى – عليه السلام – رغم تعهده بحدود الرفقة، لكنه لم يمل من السؤال شغفًا في طلب العلم، فكانت لا تفوته شاردة، ولا واردة إلا سأل عنها في مثل قوله – تعالى : [أَخَرَقْتَهَا] وغيرها من الأسئلة التي تؤكد انتباه موسى – عليه السلام – في رحلته وحرصه الشديد على أن يعرف سبب الأفعال ويحصل أكبر قدر من العلم .
- الجانب التشويقي في القصة غير غائب فيما يسمى في التربية الحديثة التهيئة الذهنية في كون الخضر – عليه السلام – يقدم هديه وعلمه لسيدنا موسى – عليه السلام – على مرات، ولو قدمه مرة واحدة ما استطاع سيدنا موسى – عليه السلام – أن يستوعب كل هذه الأنماط مرة واحدة .
- يلاحظ الجانب الإعجازي في اللباقة التعبيرية عند المعلم خاصة عندما يتحدث في قضية القضاء والقدر، فعندما قتل الغلام نسب القتل إلى نفسه، وعندما بنى الجدار نسب الخيرية إلى الله – تعالى .
وختامًا نقف وقفة مع فهم السلف الصالح – رضي الله عنهم - وأدبهم في طلب العلم :
قال أحمد بن حنبل: إنما العلم مواهب يؤتيه الله – تعالى - من أحب من خلقه، وليس يناله أحد بالحسب، ولو كان بالحسب كان أولى الناس به أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
وقال أحمد بن أبي الحواري- رحمه الله - قال لي أحمد بن حنبل – رحمه الله -: يا أحمد حدثنا بحكاية سمعتها من أستاذك أبي سليمان الداراني، فقال أحمد بن أبي الحواري – رحمه الله -: سمعت أبا سليمان يقول: إذا عقدت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علمًا؛ فقام أحمد بن حنبل – رحمه الله - ثلاثا، وقعد ثلاثا، وقال: سمعت في الإسلام بحكاية أعجب من هذه إلي .
ثم ذكر أحمد بن حنبل – رحمه الله - عن يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك – رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من عمل بما يعلم ورثه الله - تعالى - علم ما لم يعلم)) ( ).
قال كعب الأحبار – رضي الله عنه-: من أراد أن يبلغ شرف الآخرة؛ فليكثر التفكير يكن عالمًا، وليرض بقوت يومه يكن غنيًّا، وليكثر البكاء عند ذكر خطاياه يطفئ الله عنه بحور جهنم، وقال كعب: طلب العلم مع السمت الحسن والعمل الصالح جزء من النبوة، وقال كعب: مؤمن عالم أشد على إبليس وجنوده من مائة ألف مؤمن عابد؛ لأن الله - تعالى - يعصم بهم من الحرام.
وقال كعب – رضي الله عنه - : إن موسى - عليه السلام - قال: يا رب أي عبادك أعلم؟ .
قال: عالم غرثان للعلم.
وقال كعب – رضي الله عنه - : طالب العلم كالغادي الرائح في سبيل الله. وقال: اطلبوا العلم وتواضعوا فيه فإن الملائكة تتواضع لله( ).
وقال أحد الحكماء : أصل العلم الرغبة وثمرته السعادة، وأصل الزهد الرهبة وثمرته العبادة؛ فإذا اقترن الزهد والعلم فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة، وإن افترقا فيا ويح مفترقين ما أضر افتراقهما، وأقبح انفرادهما( ) .

من كتاب (موسوعة الاعجاز التربوى فى القرآن والسنة النبوية) لفضيلة الاستاذ الدكتور احمد عبدة عوض .