النفس البشرية فيها إقبال وإدبار، وفيها شرّة وفترة، ومن ثم كان المنهج التربوي الإسلامي يتعامل مع هذه النفس بكل هذه الاعتبارات، ومن ذلك الجمع بين الترغيب والترهيب، والرجاء والخوف.
وفي القرآن الكريم صور متعددة للترغيب والترهيب :
يقول – تعالى - : [فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ
(19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)] [ الحاقة : 19 - 34] .
ففي هذه الآيات صورة للترغيب والترهيب، صورة للمؤمن الذي يؤتى كتابه بيمينه، فيصور الله – سبحانه فرحته وسعادته بفوزه في الآخرة، وجزاءه بما صبر، وأطاع ربه يخبر تعالى عن سعادة من أوتى كتابه يوم القيامة بيمينه، وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: [هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ] أي: خذوا اقرؤوا كتابيه؛ لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة؛ لأنه ممن بَدل الله سيئاته حسنات، فهو في عيشة راضية سعيدة في جنة عالية مملوءة بالنعيم المقيم رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها.
وفي الجانب الآخر، صورة الكافر الذي أوتي كتابه بشماله؛ فحينئذ يندم غاية الندم، ويتمنى الموت، ويقول : لم يدفع عني مالي، ولا جاهي عذابَ الله وبَأسه، بل خَلَص الأمر إليَّ وحدي، فلا معين لي ولا مجير لي فحينئذ يأمر الله الزبانية أن تأخذه عنْفًا من المحشر، فَتَغُله، أي: تضع الأغلال في عنقه، ثم تُورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي: تغمره فيها، فإنه كان لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم؛ فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا، وللعباد بعضهم على بعض حقّ الإحسان والمعاونة على البر والتقوى؛ ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله، لا حميم -وهو القريب-ولا شفيع يطاع، ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين، وهو شر طعام أهل النار، وقيل : هو شجرة في جهنم .
ولا شك أن لهذه الصورة أثر كبير في تربية المؤمن، فالمؤمن يضع نصب عينيه هذين الجزاءين فترغب نفسه في جزاء المؤمن فيكون ذلك دافعًا له على فعل الخير وترهب نفسه من عذاب الكافر فيكون ذلك زاجرًا له عن فعل الشر .
ومن الصور الأخر في الترغيب والترهيب في القرآن قوله – تعالى - : [فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى] [لنازعات : 37 – 41] .
وقوله – تعالى - : [فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى] [الليل : 5 - 11] .
وفي القرآن الكريم قد تجتمع صورتا الترغيب والترهيب في موقف أو صورة واحدة، وقد تنفرد كل منهما فنطالع صورة للترغيب، وصورة للترهيب .
وفي الحديث النبوية كثير من النماذج للترغيب والترهيب:
عن أنس - رضي الله عنه - قال خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة ما سمعت مثلها قط: «قال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا؛ ولبكيتم كثيرًا» قال: فغطى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوههم لهم خنين( ) .
ومن أحاديث الرجاء والترغيب ما حدث به أبو ذر - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فقال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق قال:«وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟قال:«وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر» وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر؟ ( ) .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كنا قعودًا حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معنا أبو بكر وعمر في نفر؛ فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين أظهرنا؛ فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتيت حائطًا للأنصار لبني النجار؛ فدرت به هل أجد له بابًا فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة - والربيع الجدول - فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:«أبو هريرة؟» فقلت: نعم يا رسول الله، قال: «ما شأنك؟» قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: «يا أبا هريرة» -وأعطاني نعليه- قال: «اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة» ( ).
والمتأمل في الواقع يلحظ أننا كثيرًا ما نعتني بالترهيب ونركز عليه، وهو أمر مطلوب والنفوس تحتاج إليه، لكن لا بدَّ أن يضاف لذلك الترغيب، من خلال الترغيب في نعيم الجنة وثوابها، وسعادة الدنيا لمن استقام على طاعة الله، وذكر محاسن الإسلام وأثر تطبيقه على الناس.
بعض الجوانب الإعجازية التربوية في الترغيب والترهيب:
- الكثرة النسبية لمواضع الترغيب في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن الأمثلة على ذلك قوله – تعالى - :
[مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ] [سبأ: 37] . [مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ] [ البقرة : 62] .
وقال – تعالى - : [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] [ البقرة : 25] .
هذا يدل على كرم الله – سبحانه وتعالى – ورحمته بعباده فهو يبشرهم، بالنعيم المقيم والجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، التي يطوف عليهم فيها ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين، ويسقون من رحيق مختوم ختامه مسك، إلى غير ذلك من أنواع النعيم المقيم .
- التأكيد على أنّ الصلة بين الخالق والمخلوق هي صلة الرحمة والرعاية، وهذه هي السمة البارزة في هذه الصلة، فالله تعالى لا يطارد عباده، ولا يعاديهم ولا يدبّر لهم المكائد، وإنما هو ربٌّ لهم، تعهدهم بالتربية والرعاية، وهو راحم لهم في الدنيا وفي الآخرة، يبشرهم ويرغبهم في سلوك طريق الحق والعدل .
- الاستفاضة في الصورة الترغيبية سمة بارزة في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومثال ذلك :
قوله – تعالى - : [يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ] [ الزخرف: 68 - 73] .
- الترغيب الرباني لا يتوجه إلى المؤمن فقط، بل نجد صورًا من الترغيب لأهل الكتاب يقول – تعالى - : [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ] [ المائدة : 65 - 66].
من كتاب (موسوعة الاعجاز التربوى فى القرآن والسنة النبوية) لفضيلة الاستاذ الدكتور احمد عبدة عوض