أولًا : نبي الله نوح عليه السلام ونجاة بعد التكذيب:
كذب قوم نوح بدعوة التوحيد ، وقالوا من افتراءاتهم وأباطيلهم ما تضيق به صدور الموحدين ، وتتأذى منه نفوس الذين يعرفون طريق الحق والهدى .
لقد قالوا على نبي الله نوح : ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم، ولو شاء الله لأنزل ملائكة، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
وقالوا : إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين.
وقالوا : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون .
وقالوا : لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين.
وهنا توجه نبي الله نوح إلى خالقه الرءوف الرحيم الناصر
لعباده المؤمنين ،{ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ المؤمنون 26 - 27].
فتقدم إليه الله بأمره العظيم أنه إذا جاء أمره وحلَّ بأسه، أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات، وسائر ما فيه الروح من المأكولات وغيرها لبقاء نسله، وأن يحمل معه أهله، أي: أهل بيته، إلا من سبق عليه القول منهم، أي إلا من كان كافرًا فإنه قد نفذت فيه الدعوة التى لا ترد، ووجب عليه حلول البأس الذى لا يرد.
وأمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة، فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه، وأقر عينيه ممن خالفه وكذبه.
وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية وقال: { وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }[ هود : 41] أي: على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه.
قال الله تعالى: { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ } [ هود : 42] وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله ولا تمطره بعده، كان كأفواه القرب، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها.
{ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ {42} قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ } [ هود : 42، 43].
ولما فرغ من أهل الأرض، ولم يبق بها أحد ممن عبد غير الله عز وجل، أمر الله الأرض أن تبتلع ماءها، وأمر السماء أن تقلع أي: تمسك عن المطر، { وَغِيضَ الْمَاء } [ هود : 44] أي: نقص عما كان، { وَقُضِيَ الأَمْرُ }[ هود : 44] أي: وقع بهم الذي كان قد سبق في علمه وقدره ; من إحلاله بهم ما حل بهم.
{ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [ هود : 44] أي: نودي عليهم بلسان القدرة: بعدًا لهم من الرحمة والمغفرة.
قال تعالى: { وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْم ِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأنبياء : 77]، فلم يبق منهم عين تطرف.
وقد أجمل الله - تعالى - تعالى ذلك النصر والفرج لعبده ونبيه نوح عليه السلام في سورة القمر ، فقال : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ {9} فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ {10} فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ {11} وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ {12} وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ {13} تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ {14} وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ {15} فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ {16} وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }[ القمر :9- 17