للحوار الجيد شروط ينبغى تحققها بداية، ومنها :
1-شموله على أسلوب وصفى جيد.
2-عدم الاستطراد في تصوير الحوادث استطراداً مملاً بعيداً عن الواقع.
3-التشويق الذي يدفع بالباحث إلى متابعة الدراسة في لهفة حتى النهاية.
والأسلوب الجيد يتطلب ذوقاً رفيعاً راقياً لمعانيه ونحن في حاجة إلى تطبيق هذه الشروط على الحوار القرآنى كى تتبين سماته وأهدافه.
فمن الثابت البين: أن من لم يحكم فهم القرآن فهماً صحيحاً لا تتم له فضائل هذا الدين وما فرط المسلمون في آداب هذا القرآن الكريم إلا منذ أن فرطوا في لغته؛ فأصبحوا لا يفهمون كلمه، ولا يدركون حكمه ، ولا يقرؤون هذا الكتاب إلا أحرفاً ، ولا ينطقونه إلا أصواتاً ، وتراهم يرعونه آذانهم وهم بعد لا يتناولون معانى كلام الله إلا من كلام الناس .
فالمسلمون الأولون كانت سلائقهم قد سلمت فمكنتهم أن يفهموا كلام الله في يسر، وأن يدركوا ما وراء التراكيب من كوامن الأسرار، وأن يستشعروا سر إعجازه عند سماعه، وأن يستعصموا بعقائدهم على الملحدين.
إذا كان الأمر كذلك فقد نشأت في حجر الإسلام أجيال تصعب عليهم كل ذلك أو تأبى؛ لأن الفطرة الإسلامية قد وهنت في نفوس الناس بما خالطوا وابتعدوا عن موئل السلامة ومعدن الفصاحة، وعزت على غير العرب بما ارتضوا من أفاويق العجمة في البيان لذلك اتجه العلماء إلى أن يربوا في الناس قوة الحس البلاغى، وأن يعودوهم ذوق البيان حتى لا تستغلق عليهم أساليب القرآن ( ).
وحوار القرآن يعتمد في طريقة تعبيره عند تنسيق الحوادث على تصوير أبرز المواقف تاركاً بين المشاهد كثيراً من التفصيلات التى تعمل فيها الذاكرة أو
يتصورها الخيال.
وقدرة القرآن الكريم على تجسيم المعانى وتصوير الخواطر وبراعته في العرض والأداء وإعجازه في التعبير المركز القصير المشع بالإيحاءات تبعث الحياة في الحوار وتحوله إلى صور حية ، وشخوص متحركة تنبض بالحياة ( ) .



فحوار القرآن واقعى وأسلوبه حقيقي. ولقد عرف عبد القاهر الجرجانى الحقيقة بأنها : كل كلمة أريد بها ما وضعت له ( ) في وضع واضح وإن شئت فقل في مواضعه وقوعاً لا يستند إلى غيره.
والأسلوب القرآنى – بعد هذا العرض لمعنى الحقيقة – أسلوب يعتمد على كثرة الحقائق وصحتها ووضوحها، فالحقائق مع الكثرة والصحة والوضوح تتلون بلون الصورة وتشكل عنصراً من عناصر الصورة الأدبية، ومن ثم نمطاً جديداً في مجال الإعجاز القولى.
فأسلوب القرآن في الحوار أن يختار لقطات حية من الوقائع التاريخية، ولا يثقلها بما هو تافه من الجزئيات والتفاصيل التى تصرف الفكر عن التدبر والاعتبار كما يختار الرسام للمشاهد من الأشكال والألوان وما يحقق له الانسجام، إنه يروى بعض أحداث القصة بأسلوب يبعث فيها الحياة فتتخطى القرون ويجعلها كأنها ماثلة ( ) كما في قصة
قوم لوط :
وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (*) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (*)قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (*) قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (*) فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (*)مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ(*) (سورة هود الآيات 77-83).
من كتاب الحوار فى الاسلام لفضيلة الدكتور / احمد عبده عوض