إنها ليلة عظيمة ولد فيها أعظم خلق الله تعالى وسيد العالمين ولهذه العظمة لابد أن نتذكر ما سبق من أحداث قبل هذه الليلة المباركة وهي ليلة النور الكلي الذي ولد في شهر ربيع الأول.
إن بداية كل إنسان هى النطفة التي توضع في رحم الأم وهذا الرحم يكون أمينا عليها ويرحمها من الهلاك حتى تصبح جنينا ثم يولد طفلا.
ونحن الآن أمام أعظم ليلة يولد فيها أعظم طفل وأعظم مخلوقات الله وأحبها إلى الله تعالى ، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو:
"محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان".
معاني بعض أسماء النبي صلى الله عليه وسلم :
محمد
:سماه جده عبد المطلب محمد وقال أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض.
ابن عبد الله
:ومات قبل مولده صلى الله عليه وسلم وهو والد النبي صلى الله عليه وسلم.
ابن عبدالمطلب
:جد النبي صلى الله عليه وسلم اسمه شيبة الحمد
ابن هاشم
:اسمه عمرو وقيل له هاشم لأنه أول من هشم الثريد بمكة لأهل الموسم ولقومه في سنة المجاعة وهذا يدل على كرمه
ابن عبد مناف
:اسمه المغيرة
ابن قصي
:بصيغة التصغير ذلك لأنه بعد عن ديار قومه مدة
من الزمن
ابن كلاب
:لقب بهذا الاسم لتربيته كلاب الصيد وكان يجمعها وأشتهر بالصيد
ابن مرة
:المراد بهذا الاسم أنه قوي ومؤثر في قومه
ابن كعب
:سمي بذلك لارتفاعه على قومه ولشرفه العالي فيهم وهو أول من جمع قومه يوم الجمعة وكانوا يسمونه يوم العروبة
ابن لؤي
:هو تصغير لواء الجيش زيدت فيه الهجرة قال
ذلك الأصمعي
ابن كتانة
:هو بلفظ وعاء السهام
ابن خزيمة
: وهي من الخزم وهو شد الشيء وإصلاحه
ابن مضر
:ذلك لأنه كان يحب شرب اللبن الماضر وهو الحامض وقيل لأنه كان يمضر القلوب لحسنه وجماله
ابن نزار
:قال أبو الفرج الأصبهاني: سمي بذلك لأنه كان فريد في عصره وينتهي نسب النبي إلى ابن عدنان كما جاء في فتح الباري بشرح صحيح البخاري ثم ينتهي نسبه إلى سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل
وفي سنن الترمذي يقول صلى الله عليه وسلم عن نفسه: «أنا دعوة إبراهيم وبشارة أخي عيسى» فهو صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم تحقيقا لقول الله تعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [البقرة: 129].
وفي هذه الآية الكريمة يقول سيدنا إبراهيم عليه السلام ربنا بصيغة الجمع ولم يقل رب؛ لأن مصلحة العالمين جميعًا في بعثته صلى الله عليه وسلم ولذلك قال سيدنا إبراهيم بلسان الجميع ربنا وابعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب ويبين لهم الحكمة من هذا الكتاب وبعدها يطهرهم هذا العلم من الذنوب ومن الجهل ويخرجهم من هذا الظلام ويبعهثم بعد الموت ويبعثهم بعد جهل وبهذا العلم يصعب على أي أمة معتدية أن تغلبهم لذلك ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [البقرة: 129].
لأن الله العزيز بعث فيهم العزة والكرامة والعلم فانتصروا بهذا العلم الذي وحدهم وجعل لهم قوة مع قوة إيمان وجعل لهم حضارة عريضة ممتدة وبالحكمة صارت لهم القوة ملجمة يتحكمون فيها دون غرور قوة تحكمها الحكمة فالعلم دون حكمة كالفرس القوي الجموح يأخذ صاحبه إلى التهلكة إن لم يكن له حكمة تحكمه.
أما كونه صلى الله عليه وسلم بشرى سيدنا عيسى ذلك في قول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ [الصف: 6].
إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في عالم النور قبل مولده كان اسمه "أحمد" وهو الاسم الذي ذكره سيدنا عيسى في هذه الآية الكريمة وأحمد على وزن أحسن وأفضل يعني هو أفضل وأحسن من حمد الله على الوجه الذي يليق بعظيم جلالة وبديع جماله وعلى الوجه الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى.
لذلك لما جاءت البشرى جاءت باسم النبي قبل ميلاده وهو أحمد تفهم من ذلك أن بداية ميلاده صلى الله عليه وسلم كان ميلادًا نورانيًا على هيئة نطفة نورانية وضعت في ظهر آدم عليه السلام كأمانة تتقلب وتنتقل عن طريق التناسل في ظهور الموحدين وفي أرحام الصالحات حتى وصلت في حفظ الله وأمنه إلى آخر إنسان حمل هذه الأمانة وهو عبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الله تعالى في التوراة أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم وهذه بشرى التوراة بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال بن أبي هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما «أن هذه الآية التي في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا قال في التوراة: يا أيها النبي إنا ارسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق لا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله فيفتح بها أعينًا عميا وآذانًا صما وقلوبًا غلفًا». أخرجه البخاري – كتاب التفسير – باب: إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا.
مفردات الحديث :
حرزًا
:حصنًا
الأميين
:هم العرب الذين لا يعرفون الكتابة ولا القراءة
المتوكل
:أي متوكل على الله لصبره على الأذى والقناعة باليسير
ليس بفظ ولا غليظ:ليس به قسوة وليس من خصاله قسوة القلب ولو كان كذلك لاتفضوا من حوله الناس
لا سخاب
:هادئ الطبع خير من أشترى أو باع
ولا يدفع السيئة بالسيئة:يعني يدفع السيئة بالحسنة وراد في رواية كعب "مولده بمكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام"
ولن يقبضه
:أى لا يميته الله حتى يقيم به التوحيد.
ويفتح بكلمة التوحيد أعيناً عمياً عن الحق ويفتح به آذاناً صما لا تسمع الحق ويفتح قلوباً غلفاً وهى قلوب اليهود والذين قالوا قلوبنا غلف أى عليها طبقات كثيرة ومغلفة بأكثر من غلاف ولكن الله يقول "بل لعنهم الله بكفرهم" يعنى الكفر هو سبب قسوة قلوبهم.
فكانت بدايته صلى الله عليه وسلم أمانة حملها آدم عليه السلام فى صلبه وكان جهولاً بها لا يعرفها ولمسئوليتها الكبيرة كان ظلوماً لمّا حملها دون أن يعرفها وليس جهولاً بمعنى الجهل لأن آدم عليه السلام تعلم من الله الأسماء وعلمها للملائكة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النطفة الطاهرة فى سورة الأحزاب :
يقول الله تعالى1ليلة مولد الحبيب المصطفى smile.gif إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
[الأحزاب: 72].
يقول البعض أن المقصود بالأمانة فى الآية الكريمة التكاليف الشرعية.
ونقول وبالله التوفيق إن التكاليف الشرعية لم تكن لها وجود أثناء عرض الأمانة وقد قال الله تعالى وحملها الإنسان ولم يقل وحملها المسلمون ، والإنسان هو آدم عليه السلام .. والله أعلم.
وقيل إنه حمل معنوى ولكنه حمل مادى لأن الله سبحانه وتعالى قد عرضها على مخلوقات مادية صالحة لأن يقام فيها حياة مادية ولم يعرضها على الشمس وهى أكبر من الأرض ولم يعرضها سبحانه كذلك على الجن فكل المخلوقات التى ذكرها الله سبحانه وتعالى تشترك جميعاً فى الحالة المادية وهى الأرض والجبال والسماء والإنسان.
ولما كان من الجن من يعتنق الإسلام فالأمانة التى حملها آدم لم تكن التكاليف الشرعية لأن الجن بذلك يحملها هو الآخر.
وإذا كانت الأمانة هى التكاليف الشرعية وحملها الإنسان فبذلك الحمل قد أنصف نفسه بحملها ولم يكن ظلوماً ولا جهولاً لما حملها.
فالتكاليف الشرعية ليست ثقيلة، ولكنها جاءت لتضع عنا الثقيل من الأوزار فهى التى تضع عنا أوزارنا وتزيد فى أنوارنا ففيها راحة للإنسان العابد لله تعالى.
والدليل على ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلمكان يقول لبلال عندما يحين موعد الصلاة : "أرحنا بها يا بلال". يعنى أذن وأرحنا بالصلاة. نفهم من ذلك أن التكاليف الشرعية ليست حملاً ثقيلاً بل هى لراحة الإنسان لذلك لم يقل سيد المرسلينصلى الله عليه وسلم"أرحنا منها يا بلال".
وهناك قول يقول إن الأمانة هى الاختيار افعل ولا تفعل فنقول وبالله التوفيق إن الاختيار ليس هو الأمانة والله أعلم، لأن إبليس لعنة الله عليه اختار عدم السجود لآدم لما أمره الله تعالى، وفى آية الأمانة من سورة الأحزاب وجدنا الأرض والسموات والجبال أَبين أن يحملنها يعنى رفضن بشدة وخفن من تحمل مسئولية حماية الأمانة؛ لأنها أمانة الله أراد لها أن تعيش فى أمان حتى تصل لمن يستحقها معنى ذلك أن الأرض والسماوات والجبال كانوا يملكون الاختيار فهذه المخلوقات رفضن حملها ولم يكن هذا الرفض عصياناً منها لأن العرض غير الأمر، فالعرض يصح فيه القبول والرفض ولكن إبليس كان رفضه للأمر وليس للعرض، نفهم مما سبق أن الأمانة المقصودة فى الآية الكريمة ليست هى التكاليف الشرعية أو الاختيار.
ونلاحظ أن الأمانة جاءت مفردة وهى خاصة بالله تعالى وهى شئ عظيم لعظمة صاحبها والأمانة كما نعلم أنها لا يصح أن تستعمل أو تستهلك ، نفهم من ذلك أنها ليست العقل ولا العين ولا الشهوة؛ لأن كل هذه نعم من الله للإنسان خلقها الله فى الإنسان قبل عرض الأمانة وإلا فكيف يختار الإنسان بغير عقله وعينه وكيف تكون هذه الأشياء أمانة والإنسان يستعملها ؟! وتفنى بموته.
وإنه لا يصح أن يذكر الله الأمانة مفردة فى الآية الكريمة ثم نعدد نحن الأمانة فنقول: إنها التكاليف الشرعية أو هى الاختيار أو هى العقل والشهوة والعين والسمع وكذا وكذا. ولم يقل الله سبحانه وتعالى إنا عرضنا الأمانات ، فأين هى الأمانة وكيف تكون الأمانة ؟ فلابد أن نفرق بين تأدية الأمانات وحمل الأمانة المذكورة فى الآية الكريمة. والمطلوب فى الآية الكريمة هو حمل الأمانة فقط ولما كانت السماوات تستنير بالنجوم والأرض تضاء بشمسها فكان الإنسان هو المخلوق الأولى الذى يحتاج النور ليبدد ظلام جسده وظلام جهله فهذا هو الإنسان الذى حمل النور فى ظهره على هيئة نطفة نورانية؛ لأن ذلك هو المكان المناسب لها لأنها شئ حى ينمو ويعيش سليماً من الأذى فى ظهر آدم حتى تصل هذه الأمانة بالتناسل إلى آمنة بنت وهب لتلد الأمين سيد المرسلين.
لأننا نلاحظ أنه سبحانه وتعالى لم يعرض الأمانة على الشمس وهى أكبر من الأرض ذلك؛ لأن حرارة الشمس تحرقها وتتلفها ولم تعرض على الجن وهو الأقوى؛ لأنه نارى الخلقة لا تعيش فيه هذه النطفة ثم إن الله سبحانه وتعالى أحب أن تكون النطفة النورانية لنبيه محمدصلى الله عليه وسلممن نفس بشرية من جنس البشر أى من عالم الإنسان ليأنس به قومه.
نفهم مما سبق أن الأمانة المقصودة فى هذه الآية الكريمة هى النطفة النورانية التى وضعها الله فى ظهر آدم عليه السلام فحملها أمانة ويسلمها لمن بعده حتى ظهرت ووصلت إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام ثم لإسماعيل عليه السلام حتى وصلت إلى عبد الله بن عبد المطلب ونلاحظ أن كل هؤلاء حفظ الله الأمانة فيهم فجعل الله النار برداً وسلاماً على إبراهيم لكى لا تحرق الأمانة فمن أجل محمدناصلى الله عليه وسلملم يحرق إبراهيم ومن أجلهصلى الله عليه وسلمغفر الله لآدم لما طلب الغفران من الله بحق هذا النبى لما رآه مكتوباً على ساق العرش بعد كلمة التوحيد لا إله إلا الله.
ومن العجيب أن الله سبحانه وتعالى أنقذ إسماعيل عليه السلام من الذبح بالسكين فأنزل فداءً له (الكبش) من السماء وذلك لحفظ النطفة النورانية فى ظهره.
حتى والد النبىصلى الله عليه وسلمعبد الله فداه والده عبد المطلب بالإبل الكثيرة حتى لا يذبح .. كل ذلك لحفظ الله الأمانة.
وأن هذه الأمانة لما وصلت إلى عبد الله بن عبد المطلب كانت تتلألأ فى وجهه نوراً وجمالاً وكان والد النبىصلى الله عليه وسلمقبل الزواج من السيدة آمنة بنت وهب يسمى "قمر الحرم" من شدة جماله بسبب ما فيه من نور الأمانة وهو نور المصطفىصلى الله عليه وسلمحتى رأته سيدة من سكان مكة فعرضت عليه الزواج لتحظى بهذا النور ويكون لها الشرف فى انتقال نور النبىصلى الله عليه وسلمإلى رحمها ولكن حفاظاً على هذه النطفة اختار الله له السيدة آمنة بنت وهب لتكون هى الأمينة والآمنة بهذا النبى الخاتم والدليل على ذلك أن هذه السيدة لما قال لها عبد الله والد النبىصلى الله عليه وسلمبعد زواجه من آمنة أم النبىصلى الله عليه وسلموقد حملت بهصلى الله عليه وسلمقال لها إنى أراك لا تطلبى منى الزواج كما كنت تلحين بالطلب ؟ قالت لقد ذهب عنك النور الذى كنت أريده ذلك لأن نور النبى الذى كان يضئ جبينه قد أضاء رحم آمنة بل أضاء كل العالمين؛ لأن أم النبىصلى الله عليه وسلمقالت : رأيت نوراً يخرج منى فأضاء قصور بصرة فى الشام.
ولو دققنا النظر وبحثنا فى الآية الكريمة التى بعد آية عرض الأمانة من سورة الأحزاب لوجدنا أنها تشير وتبين لنا العلة من عرض الأمانة ، فيقول الله تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 73].
وكأن الله سبحانه وتعالى يقول : إنا عرضنا الأمانة ليعذب الله ولا يمكن أن يعذب الله إلا إذا أرسل الرسول لكيلا يكون للناس حجة على الله. تحقيقاً لقول الله تعالى :وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: 15].
نفهم من ذلك أن آية عرض الأمانة بين آيتين تشيران إلى أن الرسول هو الأمانة فالآية رقم 71 من سورة الأحزاب التى قبل آية عرض الأمانة ، يقول الله تعالى : يصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 71].
وبعدها جاءت آية الأمانة :
 إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا  [الأحزاب: 72].
ثم جاءت الآية التى تبين العلة من عرض الأمانة
 لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا  [الأحزاب: 73].
فالله سبحانه وتعالى عرض الأمانة ليعذب ويتوب ، وبغير رسول لا يعذب ولا يتوب نفهم من ذلك أن الأمانة متعلقة بالرسول فى بدايته الأولى وهى النطفة النورانية التى حملها الإنسان وإن لم يكن هذا هو الرأى الصحيح فلا حرج فإنه سينضم لباقى الآراء الأخرى الكثيرة ، ولكن كل هذه المقدمات والتى سبقت تشير إلى عظمة مولدهصلى الله عليه وسلموأن الله يرعى هذا الميلاد وهو نطفة فى ظهر آدم عليه السلام؛ لأن الإنسان هو المخلوق الأمثل لحمل الأمانة فحملها فكرمه الله بحملها وتنقلت الأمانة طاهرة نقية من إنسان إلى إنسان وكل من حملوها يشتركون فى كونهم كانوا مشرفين على الموت ونجاهم الله تعالى من الحرق والذبح ليكلا تضيع الأمانة.
وكذلك فإن جميع المخلوقات التى عرضت عليهم الأمانة كانوا يشتركون فى شئ واحد وهو المادية فلم تعرض الأمانة على الشمس أو الجن أو الملائكة.
ونلاحظ أنه بعدما حملت به أمهصلى الله عليه وسلموأدى عبد الله بن عبد المطلب رسالته وأمانته مات قبل أن يولدصلى الله عليه وسلموكأن الله سبحانه وتعالى يتولى نبيه وهو فى عالم النور ثم وهو نطفة فى صلب آدم ثم وهو جنين فى بطن أمه آمنة فكانت آمنة به وأمينة عليه وما شارك الحبيب محمدصلى الله عليه وسلمأى طفل آخر فى رحم أمه لأنه ما كان لهذا الرحم الطاهر أن يحمل إلا هذا الطفل المبارك وكأن هذا الرحم خلق لهذا الطفل سيد العالمين فقط وبعده ماتت أمه. لكى يولد وليس له إلا الله سبحانه وتعالى ، فإن كل طفل يقول أبى .. أمى ، وهو وحدهصلى الله عليه وسلميقول ربى .. ربى.
وإنى قد أحببت هذا النبى الكريم بروحى وكأنى أراه يضئ بجماله العالم كله وكأنه يطل بجماله الربانى من بين ظلمات الجاهلية ، أحببته عندما كان يمشى طفلاً صغيراً يضئ أجواء مكة كلها بل والعالم بأسره ، أحببته عندما خرج طفلاً يتنفس أول نفس له فى الحياة الدنيا فيطفئ به نار الكفر فى العالم ، أحببته عندما كان وسيلة للخير للناس من حوله ، أحببته عندما نزل من رحم أمه ينظر إلى السماء وهى تناديه نداءً خفياً : لا تفعل يا حبيب مثل ما يفعلون من منكر ، أحببته وهو ينظر إلى السماء بطفولته العظيمة يناجيها وتناجيه وهو يمشى فى ربوع بنى سعد القبيلة الفقيرة ينشر الخير فيها.
أحببته وهو مشغول عن أقرانه بأحواله الربانية ويأتيه الحب والحنان من السماء والذى استغنى به عن حنان أمه وأبيه، إن هذا الطفل الجميل محمد بن عبد الله كان يمشى على أرض مكة والناس لا يشعرون بجماله مع أن الملائكة كانت تتزاحم لرؤية جمال هذا الطفل العظيم الذى كان يعانق السماء وتعانقه وكان فى حماية ربه سبحانه وتعالى وما أعظمها من حماية وعناية.
وكأنى أنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلموهو فى أحضان الملائكة يداعبونه طفلاً
سيداً للعالمين.
وكأنى أنظر إليهصلى الله عليه وسلموهو يمشى فتتفتح لرؤيته الزهور وتغنى لطلعته الطيور وتخشع لرؤيته الوحوش ، فلولاك يا حبيبى يا رسول الله ما بزغت شمس ولا سطع نجم ولا ظهر قمر ، فزهور الجبل تناديك ، وورود الوادى تناجيك ، وملائكة السماء تحييك ، ورحمة الله كلها فيك.
ولقد تبسمت الزهور لطلعته وفاضت عيون الماء لشوق الماء لرؤيته.
فمرحباً بالمصطفى الهادى بديع الحسن نور يتجلى فى البوادى يشع حباً فى الفضاء وفى كل وادٍ واعلموا أن فيكم رسول الله نور فى القلب هادى.
فمرحباً بميلاد هذا النبى الكريم :
إن بميلاد المصطفىصلى الله عليه وسلمقد أحيا قلوب العارفين وكل سالك ، وقد منح الحياة أسماء كثيرة بعد موتها فى الجاهلية مثل : أمين ، حليم ، كريم .. بعد أن كان الجهل والخيانة والبخل يمشون منتصرين بين الأسماء ولكن بميلاد النبىصلى الله عليه وسلمانتصرت الأسماء : أمين و حليم و كريم وولدت الرحمة والكرامة والحرية مع الحبيب المصطفى وهذه الأسماء أصبحت تسمى بين كل الأسماء تفتخر بميلاد النبى ؛ لأنه أعاد لها الحياة من جديد فبعد أن علاهم الصدأ أصبحوا يستخدمون كثيراً وأصبح لهم بريق الذهب وشهرة الأبطال بعد أن كان الكذب يلمع وسط الصحراء والخيانة تتفشى فى الجاهلية.
ونحن أمة الإسلام باحتفالنا بمولد المصطفىصلى الله عليه وسلمنزداد فخراً وعزاً لأننا نحتفل بسيد العالمين وبهذا الاحتفال نتذكر أننا خير أمة أخرجت للناس لم تنس معلمها الأولصلى الله عليه وسلموأننا نتمسك برحمة الله للعالمين ونقترب كثيراً من النجاة والرحمة ونبعد أنفسنا عن الهلاك والنقمة والعذاب ، فيا أمة الإسلام هيا نحتفل بميلاد المصطفىصلى الله عليه وسلم:
أمة الإسلام هيا إنه يوم الأمين
منة الله علينا وشفيع المذنبين
به والله اهتدينا وبدأنا مسلمين
وكفـــانا أن طه سيداً للمرسلـين
حبه يشع نوراً فى قلوب العارفين
حبى لك أنت يا طه يا دليل السالكين
أنت نور القلب هادى
أنت صوت كل شادى
أنـــت مــاء للبـــــــوادى
أنــــت نــور الذاكريــــن
أنت حبى أنت أملى يا إمام المرسلــيــــن
هكذا بالحب يعلو قدرنا حلو الجبيــــــن
يا رسول الحب فينا إهد كل المسلمـين
قد رأيت النور نورك يهدى كل المذنبين
ورأيت الشمس تشرق فى قلوب العاشقين
ورأيت القمر يزهو فوق كل الناظريــــــن
أنت شمس أنت قمر أنت كل العالميــن
مسلمون والله رب يوم ميلادك حاضريــن



اكرمهم بالحب رب بالنبى طه الأمين

يا إلهى وارض عنا وسامحنا أجمعين

وبهذا الصفح يعلو مجدنا دنيا ودين
يا إلهى وارض عنا وإغننا قلنا آميــــــــن
آمين أمين يا رب العالمين إهد كل المسلمين واجعل يا رب الصادق الأمين شفيعنا يوم الدين وصلاةً وسلاماً على سيد المرسلين والنبيين ورحمة الله للعالمين.
من كتاب ليالى الفضل فى القران الكريم لفضيلة الاستاذ الدكتور / احمد عبدة عوض