قال صاحب الكشاف : لها عدة أسماء : براءة ، والتوبة ، والمقشقشة ، والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والفاضحة ، والمثيرة ، والحافرة ، والمنكلة ،
و المدمدمة ، وسورة العذاب. قال : لأن فيها التوبة على المؤمنين ، وهى تقشقش من النفاق أى تبرئ منه ، وتبعثر عن أسرار المنافقين ، وتبحث عنها ، وتثيرها ، وتحفر عنها ، وتفضحهم ، وتنكل بهم ، وتشردهم وتخزيهم ، وتدمدم عليهم .
وعن حذيفة : إنكم تسمونها سورة التوبة ، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه . وعن ابن عباس فى هذه السورة قال : إنها الفاضحة ومازالت تنزل فيهم ، وتنال منهم حتى خشينا أن لا تدع أحداً . وسورة الأنفال نزلت فى بدر ، وسورة الحشر نزلت فى بنى النضير .
فإن قيل : ما السبب فى إسقاط التسمية (أى البسملة) من أولها ؟
ذكر العلماء وجوهاً فى هذا :
الوجه الأول : روى عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان ، ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة براءة وهى من المثين ، وإلى سورة الأنفال وهى من المثانى، فقربتم بينهما وما فصلتم ببسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال : كان النبى صلى الله عليه وسلم كلما نزلت عليه سورة يقول " ضعوها فى موضع كذا " وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، فتوفى صلى الله عليه وسلم ولم يبين موضعها ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقرن بينهما .
قال القاضى يبعد أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام لم يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال ، لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذى نقل ، ولو جوزنا فى بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحى ، لجوزنا مثله فى سائر السور وفى آيات السورة الواحدة ، وهذا لا يصح مع كلام الله عز وجل.
بل الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أمر بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال وحياً ، وأنه صلى الله عليه وسلم حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحياً .
الوجه الثانى : أن الصحابة اختلفوا فى أن سورة الأنفال وسورة التوبة سورة واحدة أم سورتان ؟ فقال بعضهم : هما سورة واحدة لأن كلتيهما نزلت فى القتال ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال وهى سبع ، وما بعدها المثون . وهذا قول ظاهر لأنهما معاً مائتان وست آية ، فهما بمنزلة سورة واحدة . ومنهم من قال هما سورتان ، فلما ظهر الاختلاف بين الصحابة فى هذا الباب تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان ، وما كتبوا بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة .
الوجه الثالث : أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب أن يوالى المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية ، ثم إنه تعال صرح بهذا المعنى فى قوله تعالى براءة من الله ورسوله فلما كان هذا عين ذلك الكلام وتأكيداً له وتقريراً له ، لزم وقوع الفاصل بينهما ، فكان إيقاع الفصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين ، وترك كتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى .
الوجه الرابع : قال ابن عباس : سألت عليا رضى الله عنه : لِمَ لَمْ يكتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود ، وليس فيها أمان .
ويروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى ، وأكد بقوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا  [ النساء : 49 ] فقيل له : أليس أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل الحرب بسم الله الرحمن الرحيم ؟ فأجاب عنه بأنه ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى الله ، ولم ينبذ إليهم عهدهم ؛ ألا تراه قال صلى الله عليه وسلم فى آخر الكتاب والسلام على من اتبع الهدى [ طه : 47 ]
وأما فى هذه السورة فقد اشتملت على المقابلة ونبذ العهود فظهر الفرق .
lمن كتاب تفسير سورة التوبة لفضيلة الاستاذ الدكتور احمد عبده عوض