هذا مما تناقلته الأخبار، وسار مسير الشمس برابعة النهار، فكان أثبت الناس قلباً، وكان كالطود لا يتزعزع ولا يتذبذب، لا يخاف التهديد والوعيد، ولا ترهبه المواقف والأزمات، ولا تهزه الحوادث والملمات، فوض أمره لربه، وتوكل على مولاه، وأناب إلى خالقه، ورضي بحكمه، واكتفى بنصره، ووثق بوعده، فكان عليه الصلاة والسلام يخوض المعارك بنفسه، ويباشر القتال بشخصه الكريم، يعرض روحه للمنايا، ويقدم نفسه للموت غير هائبٍ ولا خائف، ولم يفر من معركة قط، وما تراجع خطوةً واحدة ساعة يحمى الوطيس، وتقوم الحرب على ساق، وتصرع السيوف، وتنتشق الرماح، وتهوي الرءوس، وتدور كأس المنايا على النفوس، فهو في تلك اللحظة أقرب أصحابه من الخطر، يحتمون به أحياناً وهو صامدٌ مجاهد، لا يكترث بالعدو ولو كثر عدده، ولا يأبه بالخصم ولو قوي بأسه، بل كان يعدل الصفوف، ويشجع المقاتلين، ويتقدم الكتائب.

وقد فر الناس يوم حنين وما ثبت إلا هو وستة من أصحابه، ونزل عليه قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:84] وكان صدره بارزاً للسيوف والرماح، يُصرع الأبطال بين يديه، ويذبح الكماة أمام ناظريه، وهو باسم المحيا، طلق الوجه، ساكن النفس.
وقد شج عليه الصلاة والسلام في وجهه، وكسرت رباعيته، وقتل سبعون من أصحابه، فما وهن، ولا ضعف، ولا خار، ولا انهزم، بل كان أمضى من السيف.

وبرز يوم بدر وقاد المعركة بنفسه، وخاض غمار الموت بروحه الشريفة، وكان أول من يهب عند سماع المنادي، بل هو الذي سَنَّ الجهاد وحث عليه وأمر به، وتكالبت عليه الأحزاب يوم الخندق من كل مكان، وضاق الأمر، وحل الكرب، وبلغت القلوب الحناجر، وظُنَّ بالله الظنونا، وزلزل المؤمنون، فقام صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو ويستغيث مولاه، حتى نصره ربه، ورد كيد عدوه، وأخزى خصمه، وأرسل عليهم ريحاً وجنوداً وباءوا بالخسران والهوان، ونام الناس ليلة بدر وما نام هو صلى الله عليه وسلم، بل قام يصلي ويدعو ويتضرع ويتوسل إلى ربه ويسأله نصره وتأييده، فيا له من إمام ما أشجعه! لا يقوم لغضبه أحد، ولا يبلغ مبلغه في ثبات الجأش وقوة القلب مخلوق، فهو الشجاع الفريد، والصنديد الوحيد، الذي كملت فيه صفات الشجاعة، وتمت فيه سجايا الإقدام وقوة البأس، وهو القائل: {والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل}.