مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه
عمر بن الخطاب: أسلم قوياً، وهاجر قوياً، وقتل قوياً، شمر قميصه في اليقظة؛ فجره في المنام، أراد صلى الله عليه وسلم أن يدخل قصره في الجنة فذكر غيرته فلم يدخل، انتقل من عميرٍ إلى عمر، إلى الفاروق، إلى أمير المؤمنين، إلى جنات النعيم.

إسلامه فتحٌ هز مكة، ووقف النصر على بوابة مدينة الإسلام منادياً: ادخلوها بسلامٍ آمنين، وهجرته نصرٌ؛ لأنه هاجر متحدياً شامخاً ظاهراً، وخلافته رحمة؛ لأنه أول الجائعين والمساكين والزاهدين.

وضع يمينه في يمين الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فعز الإسلام، وارتفعت الأعلام، وانهزمت الأصنام، واندك الباطل، وسحق الزيف، وقمع الضلال، وغربت شمس الزور.

ووضع يده في يمين أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، فساد الأمن، وتوطدت الخلافة، وحسمت الفتنة.
كسر بسيف الشرع ظهر كسرى، وقصَّر بالحق آمال قيصر، وأرهق بكتائب الله هرقل.

إذا سمع الباطل أزبد وأرعد وتهدد وقام وقعد وأنجز ما توعد، وإذا سمع القرآن بكى وشكا وتململ وتزلزل.

كان عمر في جبين الدهر دُرة؛ لأنه قرع الظلم بالدرة، فلله دره، خاف منه الشيطان، وارتعد لرؤيته الهرمزان، وانتهت به دولة آل ساسان.

درته لله درها، وما أدراك ما هي؟! درة عمر؛ لخبط رءوس الضلال، وضرب أكتاف الظلمة الجهال، وتأديب العمال.

قميص عمر مرقع، تغير لونه بدم عمر يوم طعن، فصاح لسان حال عمر: اذهبوا بقميصي وائتوني بكفنٍ فقد مللت الحياة.

طاش عقل صبيغ بن عَسْلٍ بالترهات وفاش، فأحضر عمر الدرة، وخفقه حتى فقد وعيه ثم أيقظه وقال: كيف تجدك؟ فصاح: أصبحنا وأصبح الملك لله.

طعن في الصلاة، ومات في المحراب، ودفن في الروضة.

هُدِّمت به قصور فارس؛ لأن بيته من طين، وكسرت به سيوف رستم؛ لأن بيده درة، وخلعت به تيجان آل كسرى؛ لأن قميصه مرقع.

له ثلاث وقفات، وثلاث رؤى، وثلاث كلمات، وطعن بثلاث طعنات، وقفة يوم أسلم، ويوم هاجر، ويوم بايع الصديق، ورؤي القميص يجره في المنام، ورؤي قصره في الجنة، وطعنة الشهادة والبطولة والانتصار.

تعرض للموت في كل مكان فما وجده إلا في المحراب، دوخ ملوك العالم؛ فقتله عبد، قتل ساجداً لأن قاتله لم يسجد لله أبداً، وخرج اللبن الذي شربه يوم طعن؛ لأنه اكتفى بفضل ما شربه من اللبن الذي شربه الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول وهو يتنهد: [[يا ليتني كنت شجرةً تعضد]] فنال الشهادة في المسجد.

وافق الوحي، وخالف الهوى، وتابع المعصوم، وتلا الصديق، وسبق الملوك، وصحب العدل، وجدَّ في الأمر، وعزم عن رشد، في الصلاة باكياً، في المعركة غاضباً، من الدنيا واجماً، إلى الآخرة ضاحكاً، إلى الرعية قريباً.

عمر كالطائر الحذر، لا يصاد بالشباك، ولا يقع في الأشراك، ولا يهبط على الأشواك، لماحٌ يقظ نبيه، جاءته كنوز فارس والروم فوزعها على القوم، رفض الديباج لأنه على منهاج، لا يرى لبس الحرير ولا الجلوس على السرير ولا أكل الطرير؛ لأنه تلميذٌُ البشير النذير، إن وجد ضالاً نصحه، وإن عاند مكابر بطحه، وإن انتشر ضلالٌ فضحه.

سمع الوحي فقال: الله أكبر، وقرقر بطنه من الجوع فقال: [[قرقر أو لا تقرقر]] فبقر في سبيل الله بالخنجر.

طالت همته؛ فقصر أمله، كبرت نيته؛ فصغرت نفسه، اتسع فهمه؛ فضاق وهمه، كان للظلم بالمرصاد، فكم من ظالمٌ قد صاد، ظنه يقين؛ لأنه صحب الأمين، وردد وراءه آمين.

قيل له: الروم بالجيوش رموك، فقال: الموعد اليرموك، أطلق كسرى الرصاص، فكتب عليه القصاص، وأرسل له سعد بن أبي وقاص.

جاع يوم الرمادة حتى شبعت الرعية، ولبس المرقع حتى توشح الناس بالأقبية، وقتل حتى تحيا الملة، فلا تموت أبدا.

هو بابٌ دون الفتنة كسر، فدخلت منه الطوائف، كلما دخلت أمة فاقت في الشر أختها، أراد أهل الضلال العبث في الكتاب فضرب بينهم بسورٍ له باب.

خرج من الدنيا فأطلت برأسها الخوارج، ورفض العيش فأقبلت الرافضة، ولقي قدره فعشعشت القدرية، افترس فارس بـ سعد الفوارس، ورمى الروم بـ خالد فطاش راميها، وبغثر سجستان بـ النعمان، وأرغم هرقل وأنو شروان، وجبا خزائنهما يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان.

قتل عمر ولكنه عاش، ارتحل لكنه أقام، هو فينا، وفي ضمائرنا، وعروقنا، ودمائنا، وقلوبنا، وعيوننا في الأبطال، والرجال، والأطفال.

عمر الحزم عند ورود القلق، والعزم مع طائف التردد، واقتناص الفرصة قبل أن تدبر، قويٌ حتى تضعف صولة الباطل، شديدٌ حتى تلين قناة الزور، همه تحقيق العدل، ورسوخ المساواة، وحفظ الحقوق، وكسر أنف الأنفة، وقمع جولة الجبروت، عنده حكمةٌ للقلوب، ودرة للأكتاف، وسيفٌ للرقاب.

طبت يا عمر حياً وطبت ميتاً، لبست جديداً، وعشت حميداً، ومت شهيداً.