بناء مفهوم الزّمن عند الرّضيع


لا يوجد مفهوم للزّمن يمكن تطبيقه على المظاهر الخارجيّة، و لا يوجد مجال زمني يستطيع أن يشمل سير الأحداث بحدّ ذاتها مستقلاّ عن الفعل الخاصّ . الزّمن هو في البداية مجرّد ديمومة يتمّ الشّعور بها خلال القيام بالفعل الخاصّ . بهذا المعنى تختلط مع تأثيرات الإنتظار و الجّهد لكن دون تمييز بين السّابق و اللاّحق . فالزّمن هو مجرّد ديمومة بسيطة، مجرّد شعور بمرور التّوجيهات المتتالية الماثلة في حالات الوعي .
فعند بلوغ الطّفل شهره السّادس، يستطيع رؤية تتابع الأحداث عندما يكون هو نفسه سبب هذا التّتابع، أو عندما يكون مفهوم " قبل" و مفهوم " بعد " مرتبطين بنشاطه الخاصّ . لكن يكفي أن تتتابع المظاهر المدرَكة بعيدا عنه كي يستطيع أن يهمل ترتيب سير الأحداث . و يُمثّل الشّهر التّاسع من عمر الرّضيع بداية الزّمن الموضوعي بالنّسبة له . فابتداءا من هذا العمر يبدأ الزّمن بالتّطابق مع الأحداث المستقلّة عند الطّفل و على تكويين متسلسلات موضوعيّة . حيث يدرك الرّضيع أنّ فعاليّة العمل الذّي يقوم به لا تزال مستمَدّة من مميّزات الفعل بشكل خاصّ .
و عند بلوغ الطّفل سنة من العمر، يتجاوز الزّمن عنده، نهائيّا، مفهوم الدّيمومة الملازمة للنّشاط الخاصّ لكي تنطبق على الأشياء نفسها و تكوّن الصّلة المنهجيّة المستمرّة التّي تجمع أحداث العالم الخارجيّ ببعضها البعض . فيتوقّف بذلك الزّمن عن أن يكوّن الصّورة الضّروريّة لكلّفعل يصل الطّفل بالشّيء كي تصبح البيئة العامّة شاملة للطّفل و الشّيء تحت العنوان نفسه .
و في سنّ السّنتين، تتكوّن علاقة " القبل و البعد " لدى الطّفل الرّضيع، و ذلك بفضل استدعاء الأشياء و المواقف السّابقة و الغائبة . فيصبح الطّفل قادرا على أن يمركز ذلك في زمن تمثيلي يجمع ذاته و العالم مع التّحديّات الخاصّة بهذا التّمثيل الزّمني .