التحاضير الحديثة

التحاضير الحديثة

التحاضير الحديثة

التحاضير الحديثة

التحاضير الحديثة


كوليرا

شب الولدان ـ سعيد وإبراهيم ـ ارتفعا عن الأرض قليلا بين أذرع أبويهما‏,‏ في تلك السنة كان وباء الكوليرا قد انتشر في القطر المصري كله‏..‏ سن منجله وقطف رقاب الفلاحين‏..

كوليرا


+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: كوليرا

شب الولدان ـ سعيد وإبراهيم ـ ارتفعا عن الأرض قليلا بين أذرع أبويهما‏,‏ في تلك السنة كان وباء الكوليرا قد انتشر في القطر المصري كله‏..‏ سن منجله وقطف رقاب الفلاحين‏..

  1. #1
    الصورة الرمزية MAHMOUD YASSIN
    MAHMOUD YASSIN
    MAHMOUD YASSIN غير متواجد حالياً

    عـضـو سوبــر Array
    تاريخ التسجيل: Mar 2010
    المشاركات: 2,106
    التقييم: 50
    النوع: Black

    افتراضي كوليرا

    شب الولدان ـ سعيد وإبراهيم ـ ارتفعا عن الأرض قليلا بين أذرع أبويهما‏,‏ في تلك السنة كان وباء الكوليرا قد انتشر في القطر المصري كله‏..‏ سن منجله وقطف رقاب الفلاحين‏..

    كان يسري في القري كقطار هارب‏,‏ يحصد أرواح الآلاف من الرجال‏,‏ والنساء‏,‏ والأولاد‏,‏ والبنات‏,‏ والشيوخ‏,‏ والعجائز‏.‏
    ما الذي أصاب القرية فجأة؟
    لا أحد يستطيع أن يوقف زحف الموت‏,‏ كأن الملك قد نفخه في السحب المعبأة بالأسود‏,‏ فصارت تقبض روح كل من تمر من فوقه‏,‏ دون أن تفرق بين أحد‏.‏
    امتلأت أكوام الجير الحي بالأجساد الميتة‏,‏ انتشرت سحب الدخان الذي يتصاعد من تلك الأكوام‏,‏ بيوت القرية وشوارعها‏,‏ ضجت بالحزن والخوف‏,‏ تسلل الرعب إلي الناس‏,‏ الكل يخطو الخطوة بحذر‏,‏ يقف بعدها لفترة يتحسس الرهبة تحت قدميه‏.‏
    ‏***‏
    في تلك الأثناء وقفت تماضر أمام بيتها‏,‏ تتطلع هنا وهناك‏,‏ تبحث عن زوجها وابنيها‏,‏ حين رأتهم قادمين من ناحية البحيرة‏,‏ أغلقت باب البيت‏,‏ هرولت تجاههم وهي تحمل مؤونة علي ظهرها‏.‏
    وصلت إليهم‏,‏ والخوف‏,‏ والجزع‏,‏ والدموع‏,‏ والصراخ‏,‏ والألم‏,‏ والنحيب‏,‏ كل ذلك يصاحبها‏,‏ يلون وجهها‏,‏ احتضنت ولديها‏,‏ قالت‏:‏
    ــ سوف نذهب إلي تانيس‏,‏ إلي أن يرحل ذلك الوباء عن قريتنا‏.‏
    ــ ولماذا نذهب بعيدا؟‏,‏ الموت آت في أي مكان‏..‏ وقد مر أسبوعان والحمد لله مازلنا أحياء‏.‏
    ــ دخل الوباء إلي بيت أبي‏..‏ ماتت أمي‏..‏ لن أنتظر حتي يأخذ الموت مني ولدي‏.‏
    ــ متي حدث ذلك؟
    ــ منذ ساعة تقريبا‏.‏
    ووجهه ممتلئ بالأسي‏.‏ قال‏:‏
    ــ لله الملك من قبل ومن بعد‏.‏
    ــ هيا أسرع واسبقنا‏,‏ جهز لنا المركب‏,‏ لنذهب إلي البحيرة ونحتمي بها‏.‏
    ‏***‏
    هرول وسبقهم‏,‏ أعد المركب‏,‏ أنزلهم به بسرعة‏,‏ انطلق هاربا من كائنات الكوليرا المرعبة‏..‏ بدا في ضربه ماء البحيرة كمن يضرب شيئا كريها بغل‏,‏ كأنه يري ذلك الفيروس اللعين‏,‏ الذي قضي علي نصف أهل القرية في أسبوعين فقط‏..‏ وتماضر تحتضن ولديها‏,‏ تئن أنينا مكتوما‏,‏ مع ضربة كل مجداف‏,‏ تزأر وتخيف الكوليرا‏..‏ شعرت في لحظة أنها تراها وجها لوجه‏,‏ فملأت يديها من الماء وقذفته‏,‏ فبلل الرذاذ وجه زوجها الذي بصق بقوة‏..‏ فتخاذلت الكوليرا‏..‏ وهدأ الخوف حين وصلوا إلي تانيس‏.‏
    ‏***‏
    بعيدا عن القرية‏,‏ نسوا ما هربوا منه لفترة‏,‏ لولا ذلك الدخان الكثيف‏,‏ المتصاعد من مرجل الموت العملاق‏,‏ يلفت انتباههم وهو يلف القرية بوشاح أسود‏,‏ يملأ العيون‏,‏ يلونها بالرعب الذي ظل ملازما للناجين من الموت في مسيرة حياتهم‏,‏ التي هربوا بها من ذلك الفيروس المرعب‏.‏
    ‏***‏
    ثعابين خرافية تدلت من جحيم الكون‏,‏ فتحت أفواهها‏,‏ بخت الرعب في قلوب البشر‏,‏ الواقفين في حالة عجز تام‏,‏ حيال ما حدث لهم‏..‏ راقدين استسلاما‏,‏ أمام رحمة الإله‏..‏
    أبرقت السماء وأرعدت‏,‏ امتلأت الدنيا بأصوات الفزع‏,‏ بعد ذلك أسالت السحب الماء علي الناس‏,‏ أمطرت أياما متواصلة بدون انقطاع‏.‏
    جرف المطر الكوليرا‏,‏ أنزلها في أسفل سافلين‏..‏ خرجت الشمس قوية‏,‏ استردت الناس عافيتها‏,‏ تحت أشعتها الدافئة‏,‏ أجلت بطونهم وطهرتهم‏..‏ بمرور الوقت منحتهم القوة والحياة من جديد‏..‏
    والأطفال في الشوارع يغنون ويرقصون‏:‏
    طلعت الشمس والنور في عينيها‏..‏
    هات لنا هدية‏..‏
    هلت الشمس وفتحت لنا عينيها‏..‏
    هات لنا هدية‏..‏
    ‏***‏
    اكتست الحقول بثوب أبيض ناصع‏,‏ والفلاحون يخرجون في الصباح الباكر‏,‏ خلفهم أولادهم وزوجاتهم‏..‏ يصطفون في صفوف عريضة‏,‏ يبدأون في جني القطن‏,‏ والأغنيات تتردد من أرض لأرض‏,‏ تخرج من أفواههم منتظمة‏,‏ تنتقل من أذن لأذن‏..‏ في فترات متباعدة‏,‏ ينادون علي الماء‏,‏ فتستعد البنات اللاتي يملأن الجرار بالماء العذب‏,‏ يتمخطون بطول الصفوف‏,‏ يروين العطشي‏,‏ يتبادلن الضحكات مع جناة القطن‏,‏ فيزلن بمرحهن تعب العمل‏,‏ يلطفن بحضورهن حرارة الشمس‏,‏ يجلسن بعد ذلك‏,‏ ليجففن ملابسهن الزاهية‏,‏ التي ابتلت بالماء‏.‏
    في الظهر‏,‏ يجلس الجميع في مجموعات صغيرة‏,‏ يتناولون الطعام‏,‏ يضجعون علي جوانبهم وظهورهم لفترة‏..‏ بعدها يبدأون في العمل من جديد‏,‏ وغناؤهم يدفعهم ويحفزهم أكثر‏,‏ علي إنهاء موسم الجني بأقصي سرعة‏,‏ ففي نهاية الموسم سوف يحصلون علي المال اللازم لمعيشتهم‏,‏ لزواج الأبناء والبنات‏,‏ وسوف تتم المشاريع المشتركة التي رتبوا لها في موسم الزراعة والإعداد لجني القطن‏.‏
    ‏***‏
    حياتهم تمر في سلاسة ويسر‏,‏ رغم قلة العائد‏,‏ لكنهم كانوا يقهرون ما يعوقهم عن الحياة‏,‏ بعشقهم لعملهم وأرضهم‏,‏ رغم أنهم من صغار ملاك الأراضي‏,‏ حصلوا عليها من الاصلاح الزراعي‏,‏ الذي حولهم من فلاحين أجراء إلي ملاك‏..‏
    ذلك العشق للعمل تشربوه منذ ولدوا‏,‏ جعل الواحد منهم يقضي أطول وقت ممكن في عمله وأرضه وهو سعيد مبتهج‏,‏ بالمرور فيها والجلوس علي ترابها‏,‏ والدوران حول جسورها وحدودها‏..‏
    بلبول وسعيد يغنيان وهما يحرثان أرضها‏,‏ يرويانها ليلا‏,‏ يجنيان محاصيلها‏,‏ في أوقات لا تصلح أبدا للخروج من البيت‏..‏ كانهمار المطر فجأة أو هبوب الريح والعواصف أو ظلام الليل‏,‏ الذي لا وجه له أو من تلك الأمور مجتمعة حين يسوء الطقس‏,‏ يقذف بها دفعة واحدة في وجوه الفلاحين‏.‏
    ‏***‏
    وقف بلبول في تانيس‏,‏ راح ينظر إلي حوائطه سقفه‏,‏ ممراته‏,‏ وهو في نشوة‏,‏ وضع أصابعه ببطء علي الجدار‏,‏ مرر بصماته علي النقوش والرسومات‏..‏ بدا كمن يلمس ذهبا‏..‏ التمعت عيناه‏..‏ قال لزوجته بصوت خفيض‏,‏ مقتربا منها‏:‏
    ــ هذا ما خلفه الأجداد لنا‏..‏
    وتساءل بأسي‏:‏
    ــ فماذا سنترك لأولادنا؟
    ــ ربنا يحفظك لنا‏,‏ ويطيل في عمرك‏.‏
    داعب صغيريه‏,‏ أخذهما في صدره‏,‏ أمسك أيديهما‏,‏ قربهما من الحوائط‏,‏ علمهما أن يتعاملا معها مثلما يفعل‏..‏ تردد في ذهنه سؤال ألح عليه‏:‏
    ــ إلي متي تظل الذكري هي كل إنجازنا؟
    قال لزوجته‏:‏
    ــ أود أن أعلم الولدين النحت‏,‏ كي يصنعا لنا مثل هذا‏.‏
    ضحكت ضحكة عالية‏,‏ قالت‏:‏
    ــ اتركهما يتعلمان الزراعة ليساعداك في عملك‏.‏
    قال‏:‏
    ــ لا‏..‏
    تعرفين أنني أتمني من كل قلبي أن يتعلما‏,‏ لن أبخل عليهما بشئ‏.‏
    أضاف‏:‏
    ــ أود أن يصبحا موضوع فخر لنا‏,‏ يعليا من شأننا في الحياة والممات‏.‏
    أشار بيده وعينيه‏,‏ وقال‏:‏
    ــ مثل هذا البيت تماما‏.‏
    ‏-------------------------------------‏


    التعديل الأخير تم بواسطة MAHMOUD YASSIN ; 2010-06-04 الساعة 09:40 PM

  2. = '
    ';
  3. [2]
    ياسر المنياوى
    ياسر المنياوى غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: May 2010
    المشاركات: 12,774
    التقييم: 70
    النوع: Black

    افتراضي رد: كوليرا

    موضوع رائع
    تقديرى واحترامى
    للمجهود الرائع
    فى انتظار المزيد

  4. [3]
    المنسي
    المنسي غير متواجد حالياً
    رفـيق الـدرب Array


    تاريخ التسجيل: May 2011
    المشاركات: 30,627
    التقييم: 50

    افتراضي رد: كوليرا


+ الرد على الموضوع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع تو عرب ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ( و يتحمل كاتبها مسؤولية النشر )