إكتشف.. طبيعة طفلك Z

ينفرد كل طفل بشخصيته المتميزة. ويظهر ذلك بوضوح بين الإخوة في العائلة الواحدة، وقد يصل هذا الاختلاف إلى درجة كبيرة، مع أنهم يعيشون في البيت نفسه، وتحت الظروف نفسها، فمثلما يتمتع كل فرد منا ببصمته الخاصة، كذلك الأمر بما يتعلق بشخصية كل منا والتي تميزنا عن غيرنا من البشر.
ينقسم الأولاد إلى أربعة أنواع حسب طبائعهم وخصالهم:
الطفل الحساس:
وهو وكما يدل عليه وصفه، عاطفي ومشاعره متأججة وأحاسيسه مبالغ فيها. حاجته الأساسية هي الاستماع إليه وتفهمه، ولكن وللأسف، طبيعته الحساسية تجعله عرضة للاستغلال من قبل الآخرين.
عادة يكون هذا الطفل لطيفا، ويحب أن يساعد الآخرين، بل إنه على استعداد إلى أن يضحي من أجلهم، ولكنه لا يصادق بسرعة، ويتجنب إقامة علاقات جديدة، ويتحاشى النشاطات الاجتماعية، هو في هذا المجال، يحتاج إلى بعض المساعدة الجدية من الأهل والأصدقاء، لفتح الفرص أمامه لمقابلة أناس جدد، ولتشجيعه على الانخراط في المجتمع.
عندما يستطيع بعضهم كسب ود وصداقة هذا الطفل، فإنه يكون وفيا مخلصا جدا لهم، ولكن إذا ما أساء معاملته أحدهم، فإنه يتأثر بشدة ويتألم بعمق، ولهذا يترتب على الأهل وظيفة هامة وضرورية جدا له، وهي تعليمه كيف يتسامح مع من أساء له، وكيف ينسى تلك الإساءة.
هؤلاء الأطفال يتعاملون مع الحياة حسب تحاجاتهم وأمانيهم، وهم بأمس الحاجة إلى مستمع متعاطف معهم، يثقون به ويفصحون له عما في صدروهم من آلام ومخاوف وهموم، مما يخفف من تأثيرها السلبي عليهم، ويساعدهم على تحرير هم من أية حواجز قد تعميق نضوح علاقاتهم، وتساهم في تطورها بشكل سليم. وغالبا ما نسمع هؤلاء الأطفال يتذمرون، فالشكوى عادة طبيعية الحساسينن وفي تزويدهم بما يحتاجونه، نرى ظهور روح التعاون لديهم، وبالتالي يخف تذمرهم وتقل شكواهم، يصبحون أمرن في تقبل الظروف بطريقة إيجابية.
مثال: محادثة طفل حساس وأمه:
الابن: يا له يوم سيئ، كان الجميع ضدي في المدرسة!
الأم: لماذا الجميع؟ لابد أنك كنت سيئا معهم حتى عاملوك بما تستحق!
الابن: لا لم أفعل شيئا، ولكنهم اتفقوا جميعا ضدي لأنني أصغر واحد في الصف.
الأم: لا تتذمر ولا تحزن، فإنك ما زلت أحسن حالا من ابن الجيران، فقد رأيته اليوم عائدا من المدرسة وهو يبكي.
الابن: وأنا أيضا كدت أبكي، فقد ذهبت لأشتري مجلتي المفضلة ولكن لم يبق منها أية نسخة عند البائع.
نلاحظ هنا أن الأم تجاوبت معه بطريقة خاطئة فهي لم تعطه العاطف الذي كان بحاجة إليه، مما دفعه للبحث عن شيء سلبي آخر حدث معه (لم يجد مجلته المفضلة) ليثبت لأمه أنه على حق وليقنعها بمدى خيبة أمله.
لنر كيف تكون المحادثة لو أن الأم ردت بالشكل المناسب لهذا الطفل الحساس وتعاطفت معه:
الابن: يا له من يوم سيئ، كان الجميع ضدي في المدرسة!
الأم: صحيح! من الرهيب أن يكون الجميع ضدك.
الابن: لا أقصد الجميع، فقد كان سليم لطيفا معي، فقد سمح لي باستعمال أقلامه الملونة الجديدة في درس الرسم.
في هذه الحالة كان رد الأم مناسبا تماما لشخصية ابنها، فاستماعها لابنها وقبولها لمشاعره السلبية دون أن تحاول أن تبحث في مصداقيتها، أو تنكر عليه حقه فيما يشعر به، أي وبمعنى آخر تعاطفها معه دون أن تحتاج إلى براهين إضافية منه كان صحيحا. تعاطفها هذا يدل على ثقتها به، مما دفع الابن، تلقائيا، إلى أن يبحث عن شيء إيجابي يخرجه من تلك الحالة الحزينة، فذكر ما فعله سليم معه.
فالتعاطف مع الأولاد إشارة له بأننا نشعر نعهم، ونثق في حكمهم، وهذا تصرف إيجابي يستقطب ردا إيجابيا.
وقد تظن الأم الشديدة الحرص على مشاعر ابنها، أن فيما قام به سليم فرصة لا تعوض لرفع معنويات ابنها، وإخراجه من حالته الحزينة، فتقول له: إذا كان سليم لطيفا معك فهذا يعني أن يومك لم يكن بتلك الدرجة من السوء.
أو قد تقول له: إذن لم يكن الجميع ضدك في المدرسة!
ولكن هذا الرد الذي هو محاولة لتصحيح مشاعر الابن، له مفعول عكسي حيث نجد أن الابن سرعان ما يرفض هذا الاعاء الذي يلغي مشاعره وأحاسيسه القوية، فيرد مدافعا عن هذه الأحاسيس التي ما تزال موجودة في داخله ويقول بكل تصميم: صحيح إن سليم كان لطيفا معي ولكن بقية الأولاد كانوا فظين معي ولم يتوقفوا عن إغاظتي.
وهنا يصر الابن على مشاعره السلبية، ويتمسك بها ليؤكد لأمه حقيقة وجودها، ويبدأ بالبحث والتنقيب عن كل السلبيات الممكنة التي واجهها في ذلك اليوم.
عندما يذكر الطفل الحساس شيئا إيجابيا بعد شكواه، فإن في ذلك إشارة حسنة تدل على أنه قد بدأ يغير اتجاه انتباهه إلى الجانب الإيجابي، لذا يفضل ألا تعلق على ما يقول، وألا تحاول استغلال أقواله لتجبره على تغيير مشاعره بسرعة، أو لتستصغر وتحقر ما قد اشتكي منه.
أما إذا، وبالطبع عن حسن نية، وكجميع الآباء والأمهات تمسكت بما ذكر من أشياء إيجابية لتدحض مشاعره السلبية، فعندئذ سيأخذ ذلك على أن الأشياء الإيجابية تلغي حقه في شكواه ولا تعطي صورة حقيقة عن معاناته، وبالتالي فقد يحصل شيء شديد الخطورة وهو أن يبدأ يتجاهل أي شيء إيجالي يمر به، لأن ذلك سيحرمه من حقه في الشكوى والتذمر من مشاعر سلبية حقيقية تتأجج في داخله ويعاني منها فعلا!
الابن الحساس يحتاج إلى تعاطف واضح وصريح، أكثر من غيره وبشكل منتظم ودائم، وإلا لجأ إلى تكبير وتضخيم مشاكله حتى يحصل على التعاطف الكافي له. كما أنه، ولحساسيته المرهفة، يحتاج إلى وقت أطول من غيره لتفهم وتقبل ما يحدث حوله، مما يخلق عنده مقاومة أعلى من غيره، وهذا ما يجعله يتصف بالعناد.
مثال: قد يبدأ الطفل الحساس بالشكوى قائلا: بطني يؤلمني! فإذا تجاهلته أمه ولم تعطه الاهتمام الكافي، نجد أن الألم انتقل إلى رأسه، وتصبح شكواه: يطني يؤلمني ورأسي يؤلمني! وإذا لم يكن هذا كافيا ليحوز على اهتمام أمه، ينتشر الألم إلى أنحاء مختلفة من الجسم! وربما تصبح الشكوي: بطني يؤلمني ورأسي وإصبعي وإلخ!
وهكذا حتى يحوز على الاهتمام الذي هو بأمس الحاجة إليه. فإهمال الوالدين لمشاعر الابن الحساس يجعله يتألم أكثر وأكثر، وقد يعتقد الوالدان أن هذا الألم مفتعل أو وهم وليس له وجود، ولكن هذا لا يمنع أن تكون معاناة الابن الحساس معاناة حقيقية وأن يكون شعوره بالألم شعورا حقيقيا.