إن الكثير من الظواهر السلوكية التي يطلق عليها ((الجنوح)) أو ((الانحراف)) Delinquency ترجع في أصلها إلى ما يعانيه الناشئ في سني حياته الأولى من أساليب المعاملة الخاطئة التي يلقاها في الأسرة، أو من الوسط الاجتماعي الذي تحكم عليه الظروف أن ينشأ به. ومن هذه الأساليب الخاطئة:اساليب التربية الخاطئة للاطفال 1 (15).gif
1 ـ عدم تقبل الطفل في الأسرة أو ما يطلق عليه ((الرفض Rejection)):
وقد يكون رفض الأبوين للطفل أو عدم تقبله راجعاً إلى وجود عيب خلقي في الطفل ولد به مثل لون بشرته، أو وجود تشوه خلقي في أحد أعضائه، أو بسبب وجود عاهة دائمة كالعمى أو فقدان السمع، أو لأن الحمل حدث على غير رغبة الأبوين، أو بسبب عدم الرغبة في مزيد من المواليد الإناث في الأسرة، أو بسبب مرض الأم أو وفاتها مع مولد الطفل، أو أن يكون الأب محكوماً عليه في إحدى القضايا بالسجن سنوات عديدة وليس للأم مورد يعينها على تحمل مسؤوليات تربية الطفل .. كل هذه الظروف وغيرها يمكن أ ينقل إلى الطفل بطريقة صريحة أو مستترة أنه طفل (مرفوض) و (غير مرغوب فيه) أو أنه جاء إلى عالم لا يتقبله قولاً حسناً، فيتولد لديه الشعور (بالقلق)، كما تنمو لديه مشاعر (الخوف) و (الكراهية) لكل ما يحيط به، ويفرض نفسه بالعدوان على المجتمع المحيط به، ويصعب عليه أن يحترم العرف والتقاليد أو القوانين بسبب طول ما عانى من الرفض والإهمال، فيدخل بذلك في دائرة الأطفال الجانحين المنحرفين.
2 ـ الحماية الزائدة للطفل من قبل الأم Over Protection:
تظهر الحماية الزائدة للطفل من قبل الأم على هيئة خوف زائد على الطفل من أن يصيبه أي مكروه من قبل الآخرين، فالأم في قلق دائم على الطفل تخشى عليه من أن يتعرض للضرر أو الإيذاء أو المرض أو العدوى نتيجة لاقتراب الآخرين منه، فهي تتوجس الشر دائماً، فلا تسمح للآخرين بحمل الطفل أو تقبيله أو التنفس في وجهه أو تقديم الحلوى له أو الهدايا دون أن يتم ذلك تحت رقابة شديدة منها، وقبل أن تقوم هي بغسل وتطهير كل ما يقدم إليه، وتأخذ حماية الأم الزائدة للطفل شكلاً آخر حينما تغلق عليه حجرة من الحجرات حتى لا ينقلوا إليه المرض أو يصيبه الحسد. كما تأخذ الحماية الزائدة للطفل شكلاً آخر عندما تصر الأم على أن تقوم بنفسها ورغماً عن الطفل بإلباسه ملابسه وإحكام تزريرها برغم مقاومة الطفل وإصراره على أن يقوم بنفسه أحياناً بمثل هذه الأعمال.
وتأخذ الحماية الزائدة من الأم للطفل شكلاً آخر عندما تحرمه من اللعب مع الأطفال من عمره وعندما تصر على أن تجيب بنفسها عن الأسئلة التي يوجهها الآخرون إلى الطفل، كما يحدث عندما يزور الطبيب أو يأتي أحد الأقارب إلى المنزل، أو عندما تذهب به إلى (دار الحضانة) مضطرة أمام مشغولياتها الأسرية أو استجابة لظروف عملها، وفي مثل تلك الحالة الأخيرة يحدث خلاف المستمر بين الأم وبين معلمة الحضانة أو الروضة حول طريقة معاملة الطفل، وتعبر الأم عن عدم رضاها عن أسلوب المعاملة صراحة أمام الطفل، بل ربما تسب الحضانة أو الروضة والعاملين فيها، وينتقل ذلك إلى المدرسة الابتدائية مع انتقال الطفل إليها، فيكتسب الناشئ خلال ذلك نوعاً من الحب المفرط والتدليل تارة، ونوعاً من القسوة والمقاومة والإحباط تارة أخرى، فينشأ طفلاً مدللاً عنيداً يعاني عدم الثبات في المعاملة التي يلقاها بين المنزل والمدرسة. هذا إلى أن الأب غالباً ما يعبر عن عدم رضاه عن أسلوب الأم القائم على الحماية المفرطة للطفل وعدم إتاحة الفرص له للنمو الصحيح، وهكذا ينشأ الطفل في جو لا يسمح له بتنمية القيم السليمة، وهو يدرك أنه سوف يجد دائماً مَن يحميه ويسانده، ويفرط له في الحب والحماية، بل إنه قد يتمرد على الأم ذاتها إذا ما وقفت حائلاً دون إشباع رغباته وميوله مهما تعارضت هذه الرغبات مع القيم والمعايير الاجتماعية السائدة واثقاً من أنها سوف تستسلم أخيراً لرغباته مهما كانت تلك الرغبات.
وتكون النتيجة النهائية أن يشب الطفل في جو يقوم على الصراع بين نزواته الشخصية التي يدعمها الحب المفرط والحماية الزائدة من الأم وما تتطلبه الحياة الاجتماعية من التزام واحترام للقوانين الاجتماعية السائدة.
وقد يجد مثل ذلك الناشئ نفسه يوماً من الأيام وقد أصبح عضواً في جماعة فاسدة شريرة لا تقيم الأخلاق الاجتماعية وزنا ولا للقوانين السائدة احتراماً، فيجد نفسه أحد الجانحين الذين يقفون أمام محاكم الأحداث المنحرفين والجانحين.
3 ـ تنمية مشاعر الغيرة والحقد بين الأطفال Jealousy ربما تكون عاملاً وراء الجنوح والانحراف:
يصير الطفل منذ ولادته محور الاهتمام من جميع أفراد الأسرة، فهو محور المداعبة والملاعبة، وهو مثار الملاغاة والمناغاة، إذا بكى أسرع من حوله ليوفروا له المؤانسة أو الحمل أو هز الفراش حتى تحضر الأم لإرضاعه أو تبديل ملابسه، وإذا مرض اجتمع الجميع حوله، وكلما درج في مراحل النمو وفرت له الأسرة ألواناً من اللعب يلهو بها لينمي فكره وعضلاته وعواطفه تجاه العالم الذي يعيش فيه.
وتبدأ مشاعر الغيرة لدى الطفل منذ أشهر حياته الأولى، وفي حدود العام والنصف الأول من عمره في رأي بعض المهتمين بالطفولة فهو إذا تحولت عنه الأم لتحمل طفلاً آخر غيره غضب وانخرط في البكاء تعبيراً عن غيرته من أن يحتل طفل آخر قدراً من الاهتمام والمحبة التي يشعر أنها حق خاص كامل له عند الأم، وهو إذا ما حولت الأم وجهها نحو أحد إخوته الصغار صرخ وقاوم ذلك التحول. ومع بلوغه سن الثالثة من العمر تبلغ انفعالاته أقصى درجة من الحدة، فيرقد على الأرض، ويرفس برجليه ويجهش بالبكاء إذا ما رأى أن أمه قد أعطت شيئاً خاصاً به لطفل آخر، فهو يرى في ذلك تهديداً لمكانته وللحب الذي تخصه به الأسرة وهو إذا جلس على مائدة الطعام أصر على أن يجلس على الكرسي القريب من الأب أو الأم، وأن ينحي عنه أي شخص من أفراد الأسرة.
وإذا ما ألحق الطفل بدار الحضانة أو روضة الأطفال فإنه يجد في المعلمة أو المربية مع مرور الوقت بديلاً للأم التي ترعاه في البيت، ويريد أن يحفظ باهتمامها كاملاً له هو دون غيره من الأطفال وإلا تغيرت نظرته إليها وفقد ثقته بها، وصار ينظر إليها بمنظار آخر غير منظار الحب،. وقد تدفعه غيرته من طفل معين يحظى بعطف المعلمة أو المربية إلى أن يوقع به لديها فيتهمه بالكذب أو العدوان أو بالقذارة ليفقده قدراً من اهتمام المعلمة ورعايتها.
فالأطفال يغارون، وفي غيرة الأطفال نوع من الخوف أو القلق لفقدان الاهتمام أو الحب، أو خوفاً من فقدان المكانة التي يتمتعون بها في البيت أو في حجرة الدراسة، ومن أن يستأثر وليد جديد بما كانوا يتمتعون به من الحنو والرعاية. والغيرة موقف يعتري الطفل فيدرك أن هناك غريماً أو غرماء آخرين ينافسون في انتزاع المكانة أو الحب الذي يحظى به في البيت أو المدرسة وعند ذاك ينفعل الطفل بالغيرة فينزع إلى أنواع من السلوك الدفاعي يلجأ إليه الطفل نزوعاً صريحاً مكشوفاً، كما يحدث في حالات الأطفال تحت سن الخامسة، أو نزوعاً متستراً بأن يلجأ إلى حيل غير مكشوفة ليزيح بها الغريم أو المنافس من طريقه، وذلك ما يحدث في حالات الأطفال الأكبر سناً.
وقد تبقى الغيرة في بعض الحالات مع الكبار والراشدين فتعبر عن نفسها في سلوكهم بدرجات مختلفة من الوضوح.
والأسرة والمدرسة مسؤولان عن مواجهة مشاكلات الغيرة لدى الأطفال، فقد تلجأ الأسرة إلى المعاملة المتزنة مع العطف والتشجيع للطفل الذي يشعر بالغيرة حتى يتخطى المشكلات الناشئة عن ذلك الموقف. وقد تعمد الأسرة بسبب عدم الوعي إلى إذكاء سلوك الغيرة بين الأبناء، فتصر على تفضيل أو تمييز طفل معين على سائر إخوته بأن تخصه بالعطف والمحبة وعند ذلك تثير مشاعر الغيرة لدى إخوته الآخرين بل قد تتحول تلك المشاعر مع مرور الوقت إلى نوع من الحقد الدفين الذين قد يعبر عن نفسه في يوم من الأيام على هيئة سلوك عدواني على الغريم داخل الأسرة أو على غيره من الغرباء، ممن يحس نحوهم بالغير في مواقف الحياة الاجتماعية العامة.
ولسنا بحاجة إلى أن نشير إلى أمية العدل والمعاملة على أساس المساواة مع تقدير الجهود الخاصة وتشجيعها ومكافأتها والإشادة بها وحفز الآخرين على تقديرها ومكافأتها والحذو مثلها في سائر المؤسسات الاجتماعية بدءاً من البيت إلى المدرسة فالمصنع والمؤسسات العامة في المجتمع. وترجع خطورة تغذية سلوك الغيرة والعمل على إثارتها بطريقة مستمرة وخاصة في سني التنشئة الأولى إلى أنها قد تكون العامل الذي يكمن وراء كثير من أنواع السلوك التي نطلق عليها فيما بعد أنها سلوك جانح منحرف يجر صاحبه إلى الوقوف أمام محاكم الأحداث أو يقع تحت طائلة القانون العام.
4 ـ تنمية الشعور بالذنب Sence Of Guilt:
يبدأ الشعور بالدنيا في حياة الطفل مع ألوان العقاب التي توقع عليه إذا ما ارتكب أي خطأ من الأخطاء التي لا ترضى عنها الأسرة في سني حياته الأولى. وكثير من الأخطاء التي يركبها الطفل أخطاء غير مقصودة لا ذنب له فيها، فهو إذا ما انكسر الكوب الذي يشرب فيه فقد يكون ذلك راجعاً إلى عدم اكتمال التوافق العضلي الحركي اللازم له في تناول الأجسام وحملها، أو إلى عدم اكتمال النضج في حاسة الإبصار. وهو عندما يتناول شيئاً ملوثاُ ويدفع به إلى فمه لا يعرف شيئاً عن النظافة والقذارة، وإنما يستجيب بطريقة فطرية لدوافع البحث عن الطعام في حالة الجوع.
والعقاب الذي يقع عليه من السلطة المشرفة على تربيته ـ سواءً كانت الأم أو غيرها في مثل تلك الحالات ـ عقاب على أمر لا ذنب له فيه. والطفل إذا ما تبللت ثيابه أثناء النوم، أو اليقظة، أو إذا ما عجز عن التحكم في عملية الإخراج ربما كان ذلك راجعاً إلى أسباب عضوية أو صحية تتصل بوظائف جسمه الحيوية، وربما كان ذلك نتيجة لما بدأ يحس به من إهمال وعدم رعاية .. فقد تكون العودة إلى التبول غير الإرادي أو التبرز حيلة غير شعورية يلجأ إليها الطفل لإعادة جذب اهتمام الأسرة إليه عندما يحس بتهديد بالحرمان من العطف والمحبة اللذين كان يتمتع بهما في الأسرة.
والمهم في جميع تلك الحالات وغيرها أن يكون موقف الأسرة من الأخطاء أو المخالفات التي يقع فيها الطفل موقفاً يقوم على الفهم والتقدير والتسامح والتوجيه من غير غلظة أو قسوة، لأن القسوة الزائدة والتعنيف يمكن أن يؤديا بالناشئ إلى أن يكره نفسه ويعتبر أنه شخص عاجز عن التكيف والتوافق مع متطالبات أقرب الناس إليه (الأم والأب) الذي يوقع العقاب به، فيتولد لديه شعور بالذنب يجعله غير قادر على المشاركة في الحياة الأسرية، ويشعر بالتدرج بفقدان الانتماء إليها، بل يحس بأنه طفل شاذ مكروه وغير محبوب، ومن ثم فإنه ربما يجد نفسه مدفوعاً إلى أن يسلك بطرق تعويضية مستترة بالعدوان على الآخرين ممن تحيك بهم في الأسرة أو المدرسة والمجتمع .. فالشعور بالذنب لدى الناشئ قد يؤدي به إلى أن يصبح شخصاً انسحابياً منطوياً على ذاته يستغل كل فرصة لإطلاق طاقاته المكبوتة بالعدوان على المجتمع، وقد يؤدي به ذلك في يوم من الأيام إلى ارتكاب جريمة تضعه تحت طائلة العقوبات الخاصة بالأحداث أو الراشدين.
5 ـ تغذية المشاعر العدوانية Hostility لدى الطفل:
الأسرة هي الخلية الأولى لبناء المجتمع، فيها ينشأ الأطفال، ومنها يمتصون أغلب القيم التي توجه سلوكهم الاجتماعي في المستقبل، فمحبة الآخرين واحترام حقوقهم، ورعاية الجار، والتمسك بالأخوة الإسلامية والتواد والتراحم والتسامح مع مَن يختلف معنا في الرأي وعدم التعصب، والنظر العلمي فيما يعرض للإنسان من مشكلات، واحترام الرأي الآخر يمثل بعض الاتجاهات والقيم التي ينبغي أن تسود العلاقات بين أعضاء البيت المسلم والتي ينبغي أن تنمو مع أبنائه تسود العلاقات الطيبة بين أفراد المجتمع.
وقد ينشأ الطفل في بيت تسود الكراهية العلاقة بين أفراده، فالشجار دائم بين الأبوين والحب لا وجود له بينهما، وكل منهما ينأى بوجهه عن الآخر، وقد يتم التراشق بينهما بالسباب والخصام أمام الأبناء، وقد يصل الأمر بينهما إلى قطيعة تستمر أسابيع أو شهوراً برغم أنهما يعيشان تحت سقف واحد، وربما امتنعا عن التعاون في تسيير أساسيات الحياة في الأسرة كنظافة البيت وطهو الطعام وشراء ما يلزم للبيت، وقد يعيش كل منهما بمعزل عن الآخر لفترات طويلة يضطر فيها الأب أو الأم لتدبير حاجاته الأساسية من الطعام والشراب بمنأى عن الآخر .. وربما تخلل ذلك حيث إلى الأبناء الصغار بمشاعر الكراهية التي يحملها كل طرف للآخر.
ويمتص الأطفال مشاعر الكراهية التي يحملها الأبوان نحو بعضهما، فتكون طابعاً للعلاقات بينهم بعضهم البعض، بل ربما انتقلت معهم دون وعي خارج البيت إلى الرفاق في المدرسة وغيرها إن لم يكن إلى المعلمين وغيرهم ممن يشرفون على شؤون الطفل ويحتكون به. ويعاني مثل هؤلاء الأبناء القلق الدائم والاضطراب النفسي نتيجة للظروف غير المستقرة التي يعيشون فيها، ويكونون عرضة للاستثارة لأوهى الأسباب، فضلاً عن أنهم يحملون مشاعر الكراهية للآخرين والاستعداد للعدوان عليهم نفسياً عما يعيشون فيه في البيت من جو مشحون بالكراهية والعدوان، مما قد يؤدي بهم في يوم من الأيام إلى الوقوف موقف الاتهام أمام محاكم الأحداث بسبب تكرار عدوانهم على الآخرين.
ولا بأس هنا من أن نشير إلى المشاعر العدوانية داخل الأسرة قد تكون مشاعر عدوانية موجهة ضد المجتمع الكبير الذي تعيش فيه، تظهر في معاداة الأبوين للتغيرات الاجتماعية وللتقدم العلمي والتقني وللتطورات التي تطرأ على المجتمع الذي يعيشان فيه، فيقاومان الدعوة إلى الأخذ بأساليب التعليم الحديث الذي يجمع بين شؤون الدنيا والدين، وينكران ما تتوصل إليه الكشوف العلمية عن غزو الفضاء وعن إمكان قيام نوع من الحياة على الكواكب الأخرى، ويقاطعان الاكتشافات الحديثة في مجالات العلاج بالليزر وزرع الأعضاء وغيرها. ويدعوان إلى كراهية نظم الحكم القائمة والتي تسعى إلى تحقيق التفاهم والتعاون بين الشعوب ويدعوان إلى الانغلاق على التراث وإلى مقاطعة وسائل الإعلام والعيش في مجتمعات منعزلة تماماً عن كل ما يدور في العالم الواسع العريض الذي نعيش فيه .. مثل تلك الأفكار والمشاعر والاتجاهات هي مشاعر نبذ وكراهية مقاطعة يمتصها الناشئ الصغير فيشب على كراهية ما حوله، وربما بقيت معه إلى أن يصل إلى مرحلة البلوغ فتدفع به إلى أن يسلك بطريقة مناوئة للعرف والقانون والنظام العام للمجتمع فيقع تحت طائلة القانون والعقاب.
6 ـ الخبرات المؤلمة التي يمر بها الطفل في السنوات الأولى من حياته:
وجد أن الكثير من حالات الأطفال الجانحين تكشف عن وجود خبرات مؤلمة مر بها الطفل في السنوات الأولى من ولادته وبخاصة في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل، وعلى سبيل المثال فإن انفصال الطفل عن الأم في تلك السنوات معناه حرمان الطفل من الكثير مما يحتاج إليه الطفل لاستقراره النفسي ونموه العاطفي السليم. وهذا الحرمان يعتبر بمثابة المرور بصدمة عاطفية كبيرة يظل أثرها يعمل في شخصية الناشئ طول حياة، لأن نمو شخصية الطفل تعتمد بدرجة كبيرة على قوة الروابط العاطفية التي تربطه بالأم أساساً وبغيرها من أفراد الأسرة في الدرجة التالية.
وقد بين أن كثيراً من الأطفال الجانحين قضوا سنيي حياتهم الأولى في مؤسسات اجتماعية بسبب عدم وجود أمهاتهم، وتبين أن هذا الحرمان كان وراء كثير من مظاهر الجنوح التي يرتكبها مثل هؤلاء الأطفال في مستقبل حياتهم، مثل العدوان العنيف على الآخرين، أو السرقة، أو الهرب لفترات مختلفة من البيت أو المدرسة، فضلاً عن مشاعر القلق التي يعانونها، وغيرها من الأمراض العصابية المختلفة، بل وجد كذلك أن الحرمان من الحب في تلك السنوات ربما كان وراء الكثير من مظاهر الجنوح الأخرى مثل السلوك الجنسي الشاذ واللجوء إلى الانتحار أو تدمير الذات.
وهكذا فإن من العوامل البالغة الخطورة والتي يمكن أن تؤدي بالطفل إلى الجنوح في مستقبل حياته تأثير البيئة المنزلية التي ينشأ فيها الطفل والعلاقات التي تسود بين أفراد الأسرة واستقرارها وثبات المعاملة المنزلية التي يلقاها الطفل من الأبوين ومن غيرهما من الأقارب، بحيث يتبين ما هو صواب وما هو خاطئ بما يعمل على ثبات القيم السليمة ووضوحها بحيث يمتصها الطفل .. هذا إلى أهمية توفير الهناء العائلي في الجو الذي ينشأ فيه الطفل إذ إن هناك ارتباطاً وثيقاً بين المشاعر الإنسانية والخبرات التي يمر بها الطفل خلال سني حياته الأولى في الأسرة والسمات الصحية أو المرضية التي قد يعانيها في مستقبل حياته.
7 ـ عوامل بيئية أخرى وراء ظاهرة الجنوح:
قد تكون هناك أسباب أخرى تؤثر في حدوث ظاهرة الجنوح، وعلى سبيل المثال، فإنه لا يمكن إغفال العلاقة بين تدني مستوى الحياة في بعض الأحياء داخل المدن أو القرى وظهور جرائم الأحداث مرتبطة بالأحوال الاقتصادية لتلك الأحياء.
كذلك فإن الصراع الثقافي بين القيم السائدة والقيم الجديدة التي تنشأ عن التحول من المجتمعات الزراعية المستقرة إلى المجتمعات الصناعية، ودخول عناصر ثقافية جديدة إلى الحياة الاجتماعية متمثلة في التكنولوجيا المتطورة في الآلات وفي وسائل الانتقال ووسائل الإعلام وغيرها تؤدي أحياناً إلى انفلات سيطرة الأسرة على أبنائها وإلى خروج الأبناء عن الضبط الذي يحاول الآباء التمسك به، وغالباً ما يؤدي الصراع إلى انحراف الأبناء وجنوحهم، ولا نغفل في ذلك آثار رفاق السوء وضآلة الفرص المتاحة للنشاط الترويحي، فهذه كلها عوامل ترتبط بشكل ما بحدوث الجريمة.
ويرى البعض أن التقلبات في مؤشرات الأحوال الاقتصادية مثل هبوط الأسعار، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، ووفرة أو ندرة فرص العمل المتاحة. يرتبط بها صعوداً أو هبوطاً معدلات الجريمة والجنوح.