مسائل في الأضحية من اختيارات الإمام ابن عثيمين رحمه الله تعالى :

تتعين الأضحية أضحية بواحد من أمرين :

أحدهما : اللفظ بتعيينها أضحية بأن يقول : هذه أضحية قاصدا بذلك إنشاء تعيينها .
فأما إن قصد الإخبار عما سيصرفها إليه في المستقبل ؛ فإنها لا تتعين بذلك ؛ لأن هذا إخبار عما في نيته أن يفعل ، وليس للتعيين .

الثاني : ذبحها بنية الأضحية ، فمتى ذبحها بنية الأضحية ؛ ثبت لها حكم الأضحية ، وإن لم يتلفظ بذلك قبل الذبح ، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وهو مذهب الشافعي ، أعني أن الأضحية تتعين بأحد هذين الأمرين ، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية أمراً ثالثاً وهو : الشراء بنية الأضحية ، فإذا اشتراها بنية الأضحية تعينت ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة .

والأول أرجح كما لو اشترى عبداً يريد عتقه فإنه لا يعتق ، وكما لو اشترى بيتا ليجعله وقفا ؛ فإنه لا يصير وقفا بمجرد النية ، وكما لو أخرج من جيبه دراهم ليتصدق بها ؛ فإنها لا تتعين الصدقة بها بل هو بالخيار إن شاء أنفذها وإن شاء منعها . ويستثني من ذلك ما إذا اشترى أضحية بدلاً عن معينة فإنها تتعين بمجرد الشراء مع النية .

وإذا تعينت أضحية تعلق بذلك أحكام :

أحدها : أنه لا يجوز نقل الملك فيها ببيع ولا هبة ولا غيرهما إلا أن يبدلها بخير منها ، أو يبيعها ليشتري خيراً منها فيضحي به .
وإن مات من عينها لم يملك الورثة إبطال تعيينها ، ولزمهم ذبحها أضحية ، ويفرقون منها ويأكلون .
الثاني : أنه لا يجوز أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا ، فلا يستعملها في حرث ونحوه ، ولا يركبها بدون حاجة ولا مع ضرر ، ولا يحلب من لبنها ما فيه نقص عليها أو يحتاجه ولدها المتعين معها . ولا يجز شيئا من صوفها ونحوه إلا أن يكون أنفع لها ، وإذا جزه فليتصدق به أو ينتفع ، والصدقة أفضل .

الثالث : أنها إذا تعيبت عيباً يمنع الإجزاء فله حالان :

الحال الأولى : أن يكون ذلك بدون فعل منه ولا تفريط ؛ فيذبحها وتجزئه إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لأنها أمانة عنده ، فإذا تعيبت بدون فعل منه ولا تفريط فلا حرج عليه .
مثال ذلك : أن يشتري شاةً فيعينها أضحية ، ثم تعثر وتنكسر بدون سبب منه فيذبحها وتجزئه أضحية .
فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين كما لو نذر أن يضحي ثم عين عن نذره شاة فتعيبت بدون فعل من ولا تفريط وجب عليه إبدالها بسليمة تجزئ عما في ذمته ؛ لأن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها ، فلا يخرج من عهدة الواجب إلا بأضحية سليمة .

الحال الثانية : أن يكون تعيبها بفعله أو تفريط ؛ فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال ، سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم لا ، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أو أعلى منه .

مثال ذلك : أن يشتري شاة سمينة فيعينها أضحية ثم يربطها برباط ضيق كان سببا في كسرها فتنكسر ؛ فيلزمه إبدالها بشاة سمينة يضحي بها .

وإذا ضحى بالبدل فهل يلزمه ذبح المتعيب أيضا ، أو يعود ملكا له ؟ على روايتين عن أحمد :
إحداهما : يلزمه ذبح المتعيب ، وهو المذهب المشهور عند الأصحاب لتعلق حق الفقراء فيه يتعيينه .
الثانية : لا يلزمه ذبحه لبراءة ذمته بذبح بدله ، فلم يضع حق الفقراء فيه ، وهذا هو القول الراجح ، اختاره الموفق والشارح وغيرهما ، وعلى هذا فيعود المتعيب ملكا له يصنع فيه ما شاء من أكل وبيع وهدية وصدقة وغير ذلك .

الرابع : أنها ضلت ( ضاعت ) أو سرقت فثم حالان :

الحال الأولى : أن يكون ذلك بدون تفريط منه فلا ضمان عليه إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لأنها أمانة عنده ، والأمين لا ضمان عليه إذا لم يفرط ، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق ؛ لزمه ذبحها ولو فات وقت الذبح ، وإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين وجب عليه ذبح بدلها على أقل ما تبرأ به الذمة كما سبق ، فإن وجدها أو استنقذها من السارق بعد ذبح بدلها لم يلزمه ذبحها لبراءة ذمته ، وسقوط حق الفقراء بذبح البدل ، لكن إن كان البدل الذي ذبحه أنقص لزمه الصدقة بأرش النقص ؛ لتعلق حق الفقراء به ، والله أعلم .

الحال الثانية : أن يكون ذلك بتفريط منه فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال ، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أو لا ، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أم أعلى منه .
مثال ذلك : اشترى شاة فعينها أضحية ، ثم وضعها في مكان غير محرز فسرقت أو خرجت فضاعت ؛ فيلزمه إبدالها بأضحية مثلها على صفتها ، وإن شاء أعلى منها .
وإذا ضحى بالبدل ثم وجدها أو استنقذها من السارق ؛ عادت ملكا له يصنع بها ما شاء من بيع وهبة وصدقة وغير ذلك ؛ لأنه برئت ذمته بذبح بدلها ، وسقط به حق الفقراء .

الخامس : أنها إذا تلفت فلها ثلاث حالات :

الحال الأولى : ان يكون تلفها بأمر لا صنع للآدمي فيه ؛ كمرض أو آفة سماوية أو سبب تفعله هي ، فلا يلزمه بدلها إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لأنها أمانة عنده ، والأمين لا ضمان عليه في مثل ذلك ، فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لزمه ذبح بدلها على أقل ما تبرأ به ذمته ، وإن شاء أعلى منه .

الحال الثانية : أن يكون تلفها بفعل مالكها ، فيلزمه ذبح بدلها على صفتها بكل حال ، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم لا ، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أم أعلى منه ؛ لقول النبى صلى الله عليه وسلم : (( من ذبح قبل أن يصلى فليعد مكانها أخرى )) رواه البخاري، كتاب الاستقراض، باب استقراض الإبل، رقم (2390) وكما لو تعيبت بفعله فيلزمه بدلها على صفتها كما سبق .

الحال الثالثة : أن يكون تلفها بفعل آدمي غير مالكها ، فإن كان لا يمكن تضمينه كقطاع الطريق ؛ فحكمه حكم تلفها بأمر لا صنع للآدمي فيه على ما سبق في الحال الأولى . وإن كان يمكن تضمينه كشخص معين ذبحها فأكلها ، فإنه يلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها ليضحي به ، وقيل : يلزمه ضمانها بالقيمة ، والأول أصح ، فإن الحيوان يضمن بمثله على القول الراجح ؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه بعيرا ـ وفي رواية فأغلظ له ـ فهم به أصحابه فقال : (( دعوه ، فإن لصاحب الحق مقالاً ، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه ، وقالوا : لا نجد إلا أفضل من سنه ، قال : اشتروا له وأعطوه إياه ، فإن خيركم أحسنكم قضاء )) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئاً فقضى خيراً منه، رقم (1601)ولمسلم نحوه ولو كان البدل الواجب في الحيوان قيمته لم يعدل النبي صلى الله عليه وسلم عنها ، ولم يكلفهم الشراء له .

السادس : أنها إذا ذبحت قبل وقت الذبح ولو بنية الأضحية ؛ فحكمه حكم إتلافها على ما سبق ، وإن ذبحت في وقت الذبح فإن كان الذابح صاحبها أو وكيله ؛ فقد وقعت موقعها . وإن كان الذبح غير صاحبها ولا وكيله ؛ فله ثلاث حالات :

الحال الأولى : أن ينويها عن صاحبها ، فإن رضي صاحبها بذلك أجزأت بلا ريب ، وإن لم يرض أجزأت أيضا على المشهور من مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة ، ونقل في المغني عن مالك أنها لا تجزئ ، وعلى هذا فينبغي أن يلزم الذابح ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها ليضحي به كالإتلاف ، ويكون اللحم للذابح إلا أن يرضى صاحبها بأخذه مع الأرش وهو فرق ما بين قيمتها حية ومذبوحة ، فيملكه ويذبح بدلها .

الحال الثانية : أن ينويها عن نفسه لا عن صاحبها ، فإن كان يعلم أنها أضحية غيره لم تجز عنه ولا عن صاحبها ؛ لأنه غاضب معتد فلا يكون فعله قربة ، ويلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى صاحبها ليضحي به وقيل : تجزئ عن صاحبها إلغاء لنية الذابح دون فعله ، وعلى هذا فلا يضمن إلا ما فرق من اللحم ، وإن كان لا يعلم أنها أضحية غيره ؛ أجزأت عن صاحبها بكل حال ، وقيل : إن فرق لحمها لم تجز عن واحد منهما ، والأول أظهر ؛ لأن تفرقه اللحم لا أثر لها في الإجزاء وعدمه ؛ بدليل ما لو ذبحها ثم سرقت قبل تفريقها فإنها تجزئ . نعم تفريق اللحم له أثر في الضمان وعدمه ، فإنه إذا فرق اللحم ؛ لزمه ضمانه لصاحبها ما لم يرض بتفريقه إياه .

الحال الثالثة : أن يذبحها مع الإطلاق ؛ فلا ينويها عن صاحبها ولا عن نفسه ، فتجزئ عن صاحبها أيضا ؛ لأنها معينة من قبله ، وقيل : لا تجزئ عن واحد منهما .

( تنبيه ) : في حال إجزاء المذبوح عن صاحبه فيما سبق ، إن كان اللحم باقيا أخذه صاحبه وفرقه أضحية ، وإن كان الذابح قد فرقه تفريق أضحية ورضي به صاحبها ، فقد وقع الموقع ، وإن لم يرض ضمنه لصاحبه ليفرقه بنفسه .

( تنبيه ثان ) محل ما ذكر من التفصيل إن قلنا بحل ما ذكاه الغير بغير إذن مالكه ، وإلا فلا تجزئ بكل حال وعليه الضمان .

( تتمه ) : قال الأصحاب : وإن ضحى اثنان كل منهما بأضحية الآخر عن نفسه غلظاً كفتهما ولا ضمان ، فإن فرقاً اللحم ؛ فقد وقع موقعه وإلا تراداه ليفرق كل واحد منهما لحم أضحيته .

( فائدتان ) :

( الأولى ) : إذا تلفت بعد الذبح أو سرقت أو أخذها من لا تمكن مطالبته ، ولم يفرط صاحبها فلا ضمان عليه ، وإن فرط ضمن ما تجب به الصدقة منها قط .

( الثانية ) : إذا ولدت بعد التعيين فحكم ولدها حكمها في جميع ما تقدم سواء حملت به بعد التعيين أم قبله ، وأما ما ولدته قبل التعيين فهو مستقل في حكم نفسه فلا يتبع أمه.