قال ابن القيم:
"وإنما المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة ويبنونها على مالم يخطر لأصحابها ببال ولا جرى لهم في مقال ويتناقله بعضهم عن بعض ثم يلزمهم من طرده لوازم لا يقول بها الأئمة فمنهم من يطردها ويلتزم القول بها ويضيف ذلك إلى الأئمة وهم لا يقولون به فيروج بين الناس بجاه الأئمة ويفتى ويحكم به والإمام لم يقله قط بل يكون قد نص على خلافه" .[1/335]

وقال _ رحمه الله_:
"
الفائدة الرابعة عشرة المفتي اذا سئل عن مسالة فإما ان يكون قصد السائل فيها معرفة حكم الله ورسوله ليس إلا وإما ان يكون قصده معرفة ما قاله الامام الذي شهر المفتي نفسه باتباعه وتقليده دون غيره من الائمة واما ان يكون مقصوده معرفة ما ترجح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها لاعتقاده علمه ودينه وأمانته فهو يرضى تقليده هو وليس له غرض في قول إمام بعينه فهذه اجناس الفتيا التي ترد على المفتين.
ففرض المفتي في القسم الاول ان يجيب بحكم الله ورسوله اذا عرفه وتيقنه لا يسعه غير ذلكوأما القسم الثاني فاذا عرف اقول الامام نفسه وسعه ان يخبر به, ولا يحل له ان ينسب اليه القول ويطلق عليه انه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أوطالعها من كلام المنتسبين اليه فانه قد اختلطت اقوال الائمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين اليهم واختياراتهم فليس كل ما في كتبهم منصوصا عن الائمة بل كثير منه يخالف نصوصهم وكثير منه لا نص لهم فيه وكثير منه يخرج على فتاويهم وكثير منه أفتوا به بلفظه أوبمعناه فلا يحل لاحد ان يقول هذا قول فلان ومذهبه إلا ان يعلم يقينا انه قوله ومذهبه . [إعلام الموقعين 4/193]


*قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
"أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلا عن نص رسول الله الحذر من الاعتماد على بعض الكتب الفقهية المتأخرة salah.gif يعرف ذلك من عرفه.."
[ وقال نحو ذلك في كتب المتأخرين من أهل المذاهب].

قال ابن قاسم _ رحمه الله_ :

"وإذا تتبع المنصف تلك الكتب، واستقرأ حال تلك الأتباع، وعرضها على الكتاب والسنة، وعلى أصول الأئمة، وما صح عنهم، وجدها كما قالوا رحمهم الله، وقد يؤصل أتباعهم ويفصلون على ما هو عن مذاهب أئمتهم الصحيحة بمعزل يعرف ذلك من كان خبيرا بأصولهم ونصوصهم، ومع ذلك عند بعضهم كل إمام في اتباعه بمنزلة النبي في أمته، لا يلتفت إلى ما سواه، ولو جاءته الحجة كالشمس في رابعة النهار.[حاشية الروض1/18]



*وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر:
"والمتعصبون لمذاهب الأئمة تجدهم في أكثر المسائل خالفوا نصوص أئمتهم واتبعوا أقوال المتأخرين من أهل مذهبهم فهم يحرصون على قاله الآخر فالآخر وكلما تأخر الرجل أخذوا بكلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام من فوقه فأهل كل عصر إنما يقضون بقول الأدنى فالأدنى إليهم وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدمين هجراً ورغبة عنه حتى إن كتب المتقدمين لا تكاد توجد عندهم فإن وقعت في أيديهم فهي مهجورة.


فالحنابلة قد اعتمدوا على ما في الإقناع والمنتهى ولا ينظرون فيما سواهما ومن خالف مذهب المتأخرين فهو عنهم مخالف لمذهب أحمد رحمه الله مع أن كثيراً من المسائل التي جزم بها المتأخرون مخالفة لنصوص أحمد يعرف ذلك من عرفه. وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم بل قد هجروا كتب المتأخرين فالمغني والشرح والإنصاف والفروع ونحو هذه الكتب التي يذكر فيها أهلها خلاف الأئمة أو خلاف الأصحاب لا ينظرون فيها. فهؤلاء في الحقيقة أتباع الحجاوي وابن النجار لا اتباع الإمام أحمد وكذلك متأخرو الشافعية هم في الحقيقة اتباع ابن حجر الهيتمي صاحب التحفة واضرابه من شراح المناهج فما خالف ذلك من نصوص الشافعي لا يعبئون به شيئاً وكذلك متأخرو المالكية هم في الحقيقة اتباع خليل فلا يعبئون بما خالف مختصر خليل شيئاً ولو وجدوا حديثاً ثابتاً في الصحيحين لم يعملوا به إذا خالف المذهب
وقالوا الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.

فكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم فلا يرجعون إلا إليها ولا يعتمدون إلا عليها. وأما كتب الحديث كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها وكتب الفقه الكبار التي يذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل.
ويعتذرون بأنهم قاصرون عن معرفتها. فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبقى إلا التقليد، والمقلد يأخذ بقول إمامه ولا ينظر إلى دليله وتعليله، ولم يميزوا بين المجتهد المطلق الذي قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد فهو يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد، وبين المجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب الأئمة الأربعة من غير خروج عنها، فهو ملتزم لمذهب إمام من الأئمة وينظر في كتب الخلاف ويمعن النظر في الأدلة فإذا رأى الدليل بخلاف مذهبه قلد الإمام الذي قد أخذ بالدليل فهو اجتهاد مشوب بالتقليد، فينظر إلى ما اتفقوا عليه ويأخذ به، فإن اختلفوا نظر في الأدلة فإن وجد مع أحدهم دليلاً أخذ بقوله، فإن لم يجد في المسألة دليلاً من الجانبين أخذ بما عليه الجمهور، فإن لم يجد ذلك بل قوي الخلاف عنده من الجانبين التزم قول إمامه إذا لم يترجح عنده خلافه. فأكثر المقلدين لا يميزون بين المجتهد المستقل من غيره وجعلوهما نوعاً واحداً، وهذا غلط واضح فإن من كان قاصراً في العلم لا يستقل بأخذ الأحكام من الأدلة بل يسأل أهل العلم كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابنه عبد الله وقد ذكرناه فيما تقدم.[مجموع الرسائل 1/94, الدرر السنية 4/58]


*فائدة أخيرة:
قال ابن عثيمين_ رحمه الله_:
"الأمر الرابع : الحرص على الكتب المهمة:
يجب على طالب العلم أن يحرص على الكتب الأمهات الأصول دون المؤلفات حديثاً؛ لأن بعض المؤلفين حديثاً ليس عنده العلم الراسخ، ولهذا إذا قرأت ما كتبوا تجد أنه سطحي، قد ينقل الشيء بلفظه، وقد يحرفه إلى عبارة طويلة لكنها غثاء، فعليك بالأمهات كتب السلف فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف.
لأن غالب كتب المتأخرين قليلة المعاني، كثيرة المباني، تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها بسطر أو سطرين، لكن كتب السلف تجدها هينة، لينة، سهلة رصينة، لا تجد كلمة واحدة ليس لها معنى.[ العلم ص54].
عبدالعزيز النجدي