الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد تميز عصرنا الحاضر بالتقدم التقني في مجالات عديدة، ومنها التقدم في المجال الإعلامي، وتنوع وسائل الاتصال الحديثة، وقد كان لهذه التقنية الحديثة جوانب إيجابية كثيرة وأخرى سلبية.
ومن جوانبها الإيجابية -ولا شك- توظيف هذا الإعلام في خدمة العلم الشرعي، بأسلوب التعليم، أو الإفتاء، أو نحو ذلك مما لا يخفى، مما أدى إلى تذليل الكثير من العقبات، وتيسير العديد من الصعاب، حيث أصبح العلم يصل بكل يسر وسهولة إلى فرد الأسرة وهو في بيته، وإلى السائق وهو في سيارته، وإلى الموظف وهو في عمله، وإلى التاجر وهو في متجره، وهذا بخلاف ما كان عليه الحال في أزمنة سابقة.
حيث كان المستفتي يرحل –أحياناً- من أجل مسألة، كما ذكر ذلك الخطيب البغدادي (ت 462هـ) في الفقيه والمتفقه (2/375) حيث قال: "أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محله وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره، فقد رحل غير واحد من السلف في مسألة" أهـ.
وبكل حال، فإن البرامج المشار إليها، مع ما فيها من فوائد جمة، ومصالح راجحة، إلا أنها كانت سبباً في بث العديد من الفتاوى المختلفة في المسألة الواحدة، مما أدى إلى وقوع اللبس لدى العامة، حتى كثر سؤالهم عن موقف المستفتي من هذا الخلاف، هل يأخذ برأي الجمهور، أم بالرأي الأشد؛ لأنه الأحوط، أم بالرأي الأخف؛ لأنه الأيسر،...أم ماذا؟.
وقبل الإجابة على هذا التساؤل، أمهِّدُ له بالتنبيهات الآتية:
التنبيه الأول: أنه يجب على العامي أن يستفتي من يثق به ممن يغلب على ظنه أنه من أهل العلم والدين، كما أشار إلى ذلك ربنا عز وجل إذ يقول: (فاسألوا أهل الذكر...) أي: أهل العلم. ولهذا قال ابن سيرين –رحمه الله-: "إن هذا العلم دين فلينظر أحدكم عمن يأخذه".
قال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/376): "وإذا قصد أهل محله للاستفتاء، فعليه أن يسأل من يثق بدينه، ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم، ليقصده ويؤم نحوه، فليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله". أهـ.
وبناء عليه، فإنه لا يصح أن يستفتي العالم إذا كان فاسقاً، ولا العابد إن كان جاهلاً ولو كان إماماً لمسجد أو جامع، ولا أن يستفتي طالب العلم في بابٍ لا يحسنه، فلا يُسأل –مثلاً- في باب المعاملات المالية المعاصرة من لا يحسن فهمها، أولا يدرك واقعها، أو لا يحيط بتفاصيلها المؤثرة في الحكم، ولو كان عالماً شهيراً، يقصده العامة لشهرته لا لعلمه، كما حذر من ذلك العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين (6/119) حيث قال: "وهذا الضرب إنما يستفتون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية، قد غرهم عكوف من لا علم عنده عليهم، ومسارعة أجهل منهم إليهم، وتعج منهم الحقوق إلى الله تعالى عجيجاً، وتضج الأحكام إلى من أنزلها ضجيجاً، فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل، فتيا، أو قضاء، أو تدريس، استحق اسم الذم، ولم يحل قبول فتياه ولا قضائه، هذا حكم دين الإسلام" أهـ.
وهذا الكلام القيم من ابن القيم –رحمه الله- يجرنا إلى التنبيه الثاني وهو: أنه لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا علم المستفتي أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه لو كان خصماً قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- "فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار" متفق عليه.
فالمفتي والقاضي في هذا سواء، ولهذا لا ينبغي للمستفتي أن يعمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن لها نفسه، ولم يسكن لها قلبه، ولو كان هذا المفتي ممن يتصدر للفتوى، كما يدل لذلك الحديث الذي حسنه النووي في أربعينه (ص47) عن وابصة بن معبد –رضي الله عنه- وفيه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال له: "... استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" رواه أحمد في مسنده (4/227)، والدارمي في سننه (2/246).
وبنحو هذا صرح العلامة ابن القيم في الإعلام (6/192-193) وإذا كان هذا في زمانه، فكيف في زماننا الذي كثر فيه المفتون الذين يجرون وراء رخص الفقهاء بحجة المصلحة، أو التيسير على الناس..!! ثم قال كلاماً نفيساً، ما نصه: "ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي، أو محاباته في فتواه، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه، وسكون النفس إليها..." أهـ.
وكلامه القيم هذا –رحمه الله- يجرنا إلى التنبيه الثالث.
وهو: أنه لا يجوز للعامي أن يتتبع رخص الفقهاء، لا رخص الشارع، ففرق بين الأخذ برخصة الله تعالى، وبين تتبع رخص خلقه.
فالأول: مندوب إليه بقوله –صلى الله عليه وسلم-: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" .
وأما الثاني: فهو محرم بإجماع أهل العلم، كما صرح بذلك الحافظ ابن عبد البر فيما حكاه عنه ابن النجار في شرح الكوكب المنير (4/578) حيث نقل عنه أنه قال: "لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً" أهـ. وقال الإمام أحمد –رحمه الله- (لو أن رجلاً عمل بكل رخصة كان فاسقاً" وقال الإمام الغزالي –رحمه الله- في المستصفى (2/391): (لا يجوز للمستفتي أن يأخذ بمذهبٍ بمجرد التشهي، أو أن ينتقي في كل مسألة أطيبها عنده" أهـ.
وحكى الزركشي في البحر المحيط (6/325) عن النووي أنه سئل: (هل يجوز أن يُقلَّد غير المذهب في رخصةٍ لضرورةٍ ونحوها) فأجاب: (يجوز أن يعمل بفتوى من يصلح للإفتاء إذا سأله اتفاقاً من غير تلقط الرخص، ولا تعمد سؤال من يعلم أن مذهبه الترخيص في ذلك" أهـ.
ومن جليل ما نقل في سدّ ذريعة الترخص، ما رواه الإمام البيهقي في سننه الكبرى (10/211) بإسناده عن إسماعيل القاضي (ت282هـ) أنه قال: (دخلت على المعتضد (ت289هـ) فدفع إليَّ كتاباً نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنَف هذا زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر –أي النبيذ- لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها، ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب).
ومما تؤخذ منه العبرة في هذا الباب، ما قاله الإمام ابن الجوزي (ت597هـ) عن نفسه في كتابه الوعظي صيد الخاطر (2/304) ما نصه: "ترخصتُ في شيء يجوز في بعض المذاهب، فوجدت في قلبي قسوة عظيمة، وتخايل لي نوع طردٍ عن الباب، وبعد، وظلمة تكاثفت فقالت نفسي: ما هذا؟ أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء؟ فقلت لها: يا نفس السوء! جوابُك من وجهين:
أحدهما: أنكِ تأولت ما لا تعتقدين، فلو استُفْتيت لم تفتِ بما فعلت. قالت: لو لم أعتقد جواز ذلك ما فعلته. قلت: إلا أن اعتقادكِ هو ما ترضينه لغيركِ في الفتوى.
والثاني: أنه ينبغي لكِ الفرح بما وجدتِ من الظلمة عقيب ذلك؛ لأنه لولا نورُ في قلبك ما أثرَّ مثل هذا عندك. قالت: فلقد استوحشت بهذه الظلمة المتجددة في القلب. قلت: فاعزمي على الترك، وقدِّري ما تركتِ جائزاً بالإجماع، وعُدِّي هجره ورعاً، وقد سلمتِ) أهـ.
فإذا تقرر: أنه لا يجوز تتبع الرخص، ولا تلقط الزلل، فما هو موقف العامي إزاء خلاف المفتين؟
في هذه المسألة خلاف قديم، حكاه غير واحد من أهل العلم، ومنهم ابن الصلاح (ت643هـ) في أدب المفتي والمستفتي (ص164)، حيث عدَّ في المسألة خمسة أوجه عن أصحابه الشافعية، وتابعه ابن حمدان الحنبلي (ت695هـ) في صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص80)، واعتبرها خمسة مذاهب، ورجح ما رجحه ابن الصلاح –بالتفصيل الذي ذكره وبالعبارة نفسها- دون أدنى إشارة إلى ذلك! وهذه الأقوال هي:
الأول: أنه يأخذ بأغلظها، فيأخذ بالحظر دون الإباحة، لأنه الأحوط، ولأن الحق ثقيل، وهذا محكي عن أهل الظاهر، وأقوى ما استدلوا به حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين، وفيه (إن الحلال بيَّن، وإن الحرام بيَّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه...).
الثاني: أنه يأخذ بأخفها، لأنه الأيسر، والنبي –صلى الله عليه وسلم- بعث بالحنيفية السمحة، وما خيِّر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، كما ثبت بذلك الحديث، وفي التنزيل: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وهذا القول وجه عند الشافعية.
الثالث: يسأل مفتياً آخر، فيعمل بفتوى من يوافقه، وحاصل هذا أنه يأخذ برأي الأكثر، وهكذا لو كان في المسألة رأيان، أحدهما قول الجمهور، فيأخذ به، لغلبة الظن بصحة هذا الرأي، كتعدد الأدلة والرواة، وهذا القول هو وجه عند الشافعية.
الرابع: يتخير، فيأخذ بقول أيهما شاء، وهذا القول كما في البحر المحيط (6/313) نقله المحاملي عن أكثر أصحابه من الشافعية –وصححه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/432) واحتج له: بأن العامي ليس من أهل الاجتهاد، وإنما عليه أن يرجع إلى قول عالم ثقة، وقد فعل ذلك، فوجب أن يكفيه، وكذا اختار هذا القول القاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد، كما في شرح الكوكب المنير (4/580) وكذا اختاره المجد كما في المسودة (ص519).
الخامس: يجتهد في الأوثق، فيأخذ بفتوى الأعلم، الأورع، واختار هذا القول السمعاني الكبير، كما حكاه عنه ابن الصلاح في أدب المفتي (ص165) فإن استويا تخير، وهذا هو اختيار ابن قدامة في الروضة (385) واختاره الغزالي في المستصفى (2/391) وصححه النووي في روضة الطالبين (11/105) وقرره من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين في كتابه الأصول من علم الأصول، كما في مجموع فتاواه ورسائله (11/82).
فإن كان أحدهما أعلم، والثاني أورع، ففي أيهمايقدَّم خلاف، والأصح عند ابن الصلاح الأول، كما في أدب المفتي (ص160).
هذا، وقد حكى هذه الأقوال الخمسة، العلامة ابن القيم في الإعلام (6/205) إلا أنه اعتبر الأخذ بقول الأعلم قولاً خامساً، والأخذ بقول الأورع قولاً سادساً، وزاد قولاً سابعاً، وهو: أنه يجب على العامي أن يتحرى، ويبحث عن الراجح بحسبه، ثم رجح هذا القول، وقال: "فيعمل، كما يعمل عند اختلاف الطريقين، أو الطبيبين، أو المشيرين" .
وهذا هو عين ما رجحه شيخه ابن تيمية فإنه قال في مجموع الفتاوى (33/168): "وأما تقليد المستفتي للمفتي، فالذي عليه الأئمة الأربعة، وسائر أئمة العلم: أنه ليس على أحد، ولا شرع له، التزام قول شخص معين في كل ما يوجبه ويحرمه ويبيحه، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن منهم من يقول: على المستفتي أن يقلد الأعلم الأورع ممن يمكن استفتاؤه. ومنهم من يقول: بل يخيَّر بين المفتين إذا كان له نوع تمييز، فقد قيل: يتبع أي القولين أرجح عنده بحسب تمييزه فإن هذا أولى من التخيير المطلق. وقيل: لا يجتهد إلا إذا صار من أهل الاجتهاد.
والأول أشبه؛ فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين إما لرجحان دليله بحسب تمييزه، وإما لكون قائله أعلم وأورع، فله ذلك، وإن خالف قوله المذهب" أهـ. هذا، وفي المسألة أقوال أخرى حكاها الزركشي في البحر المحيط (6/313-315) وغيرُه من الأصوليين، ولكن أشهرها ما تقدم ذكره.
وبكل حال، فالأرجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو أن العامي إذا اختلفت عليه الفتوى، فإنه يجتهد حسب تمييزه، ويتقي الله حسب استطاعته، فإن ترجح له قول أحد المفتين لكونه الأعلم الأورع، أخذ بفتواه. فإن استويا في العلم والورع، أو شق عليه معرفة الأعلم منهما، ولكن ما استدل به أحدهما أقوى في الحجة وظهور الدليل مما استدل به الآخر، أخذ به، أو كانت نفسه تسكن لفتيا أحدهما، ويطمئن لها قلبه، دون فتيا الآخر، أخذ بهذا المرجح، وكذا لو ترجح له قول أحدهما، لكثرة من أفتى به من أهل العلم، أخذ به.. وهكذا.
قال العلامة ابن القيم –رحمه الله- في الإعلام (6/137-138) موجهاً هذا القول (وقد نصب الله سبحانه وتعالى على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله –سبحانه وتعالى- بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه، بحيث لا يتميز هذا من هذا، ولابد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق، مؤثرة له، ولابد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة..." أهـ.
وبهذا يظهر لك ضعف قول من قال: إنه يخيَّر بين القولين، وقد أنكر هذا القول ابن القيم في الإعلام (3/570) فقال: "وإن كلفنا بتقليد البعض، وكان جعل ذلك إلى تشهينا واختيارنا، صار دين الله تبعاً لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا. وهو عين المحال" أهـ. وكذا أنكره الإمام الشاطبي في الموافقات (5/94-97) بكلام نفيس، أسوقه لأهميته، حيث قال ما نصه: "....وذلك أن المتخير بالقولين –مثلاً- بمجرد موافقة الغرض، إما أن يكون حاكماً به، أو مفتياً، أو مقلداً عاملاً بما أفتاه به المفتي" فذكر حالة الحاكم به، ثم المفتي، ثم العامي –وهو المقصود- فقال: ( وأما إن كان عامياً، فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع، ولأن العامي إنما حكَّم العالم على نفسه ليخرج عن اتباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب.
وعامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي والإثبات، والهوى لا يعدوهما، فإذا عرض العامي نازلته على المفتي، فهو قائل له: (أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق) فلا يمكن –والحال هذه- أن يقول له: (في مسألتك قولان؛ فاختر لشهوتك أيهما شئت!) فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع. ولا ينجيه من هذا أن يقول (ما فعلت إلا بقول عالم) لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس، وقاية عن القال والقيل، وحيلة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رمي في عماية، وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة..." أهـ.
ثم تكلم رحمه الله عن تتبع الرخص، وأنكر هذا بكلام نفيس، وكأنه يشير بذلك إلى أن القول بالتخيير هو من تتبع الرخص، أو أنه كالبوابة له.
ومثل ذلك: القول بالأخذ بأخف القولين، لأنه الأيسر... استدلالاً بحديث: "ما خيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما..." أو بنحو هذا من الأدلة، فليس الاستدلال بهذا الحديث أو نحوه بأولى من الاستدلال بحديث الصحيحين: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام..." للأخذ بأغلظ القولين.
وكلا الحديثين لا ينهض الاستدلال بهما لذلك، فلا الأول لجواز الأخذ بالأيسر، ولا الثاني لوجوب الأخذ بالأحوط، فغاية ما في الأول الندب إلى الأخذ بالأيسر فيما ثبتت إباحته، بخلاف مسألتنا، فهي فيما اختلف فيه، وغاية ما في الثاني كراهة الوقوع في الشبهات، وندب المسلم الورع إلى الابتعاد عنها، لا غير.
لهذا وغيره فقد ردَّ الإمام الشاطبي هذا القول، وهو الأخذ بأخف القولين، وأجاب عنه بما نصه: "وهو –أي الأخذ بالأيسر- أيضاً مؤد إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة، ولذلك سميت تكليفاً من الكلفة، وهي المشقة (قلت: لكنها مشقة معتادة) فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل، لزم ذلك في الطهارات، والصلوات، والزكوات، والحج، والجهاد، وغير ذلك، ولا يقف عند حد إلا إذا لم يبق على العبد تكليف، وهذا محال، فما أدى إليه مثله، فإن رفع الشريعة مع فرص وضعها محال... " أهـ والله تعالى أعلم.