الأحاديث في فضل الصحابة رضي الله عنهم:

فمنها ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : ((يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ؟ فيقولون لهم: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس، فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم))([2]).

ومثل هذا حديث واثلة رفعه: ((لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني وصاحبني))([3]).

وروى البخاري أيضا عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا ((ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السّمن))([4]). والمراد بالسّمن التوسع في المآكل والمشارب.

والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، قال ابن حجر رحمه الله: ووقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم، ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور.

واقتضى هذا الحديث أن يكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ وإلى الثاني نحا الجمهور والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ، أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئا من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحد كائنا من كان، وأما ما لم يقع له ذلك فهو محل البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا [الحديد:10].

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله : ((لا تسبوا أحدا من أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه))([5]).

فيقول النبي لخالد ونحوه: ((لا تسبوا أصحابي)) يعني عبد الرحمن وأمثاله لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، والمقصود أنه نهى من له صحبة متأخرة أن يسب من له صحبة متقدمة، لامتيازهم عنهم في الصحبة، بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

وقال ابن مسعود : إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه .

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كان أصحاب رسول الله خير هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه ونقل دينه.

وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قيل لعائشة رضي الله عنها: ((إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله حتى أبا بكر وعمر فقالت: وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر)) ([6]).

وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي ، خير من عمل أحدكم أربعين سنة.

قال العلماء: ولو لم يرد شيء من الآيات والأحاديث في فضل الصحابة رضي الله عنهم، لأوجبت الحالة التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، والصبر والورع واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع الجائين بعدهم.

قال الإمام الطحاوي رحمه الله مبينا عقيدة أهل السنة والجماعة: (ونحب أصحاب رسول الله ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) .



فقوله رحمه الله: ( ولا نفرط في حب أحد منهم ) فيه رد على الشيعة في تفضيلهم علي على أبي بكر وعمر وعثمان، وتكفيرهم الصحابة رضي الله عنهم إلا القليل، لقد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة قيل لليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للشيعة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ، ولم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة.

وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على تقديم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين، ثم البدريين، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

وقوله رحمه الله: (وحبهم دين وإيمان) لأنه موافقة لله عز وجل ولرسوله .

روى الترمذي عن عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله يقول: ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني، فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه)) ([7]) .

لله درّ أقوام أخلصوا الأعمال وحققوها، وقيدوا شهواتهم بالخوف وأوثقوها، وسابقوا الساعات بالطاعات فسبقوها، وخلصوا أعمالهم من أشراك الرياء وأطلقوها، وقهروا بالرياضة أغراض النفوس الردية فمحقوها، فعن إبعاد مثلهم وقع نهي النبي: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي [الأنعام:52].

صعدت صحائفهم من الأكدار صافية، وارتفعت أعمالهم بالإخلاص ضافية، وأصبحت نفوسهم عن الدنيا متجافية، والناس في أخلاط والقوم في عافية، ففاق المولى منهم على الرئيس القرشي: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي [سورة الأنعام :52].

قال سعد بن أبي وقاص لقيت عبد الله بن جحش يوم أحد، فقال: يا سعد ألا تدعو الله عز وجل؟ فخلوا في ناحية فدعا سعد ... فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: يا رب إن لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه أقاتله فيك، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا قلت: يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.

قال سعد: فلقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط ([8]).

لله در أقوام تعبوا فأريحوا، وزهدوا فأبيحوا، جلّيت أبصارهم فشاهدوا، وأعطوا سلاح المعونة فجاهدوا، وتأملوا الدنيا وسبروها وعرفوا حالها وخبروها.

أقبل مصعب بن عمير يوما إلى رسول الله وعليه قطعة من نمرة قد وصلها بإهاب فقال رسول الله : ((لقد رأيت هذا وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه ثم أخرجه من ذلك الرغبة في حب الله ورسوله))([9]).

ولما كان يوم أحد كان معه لواء المهاجرين فضربه ابن قمئة فقطع يده، ومصعب يقول: (وما محمد إلا رسول)، فأخذ اللواء بيده اليسرى وحنى فضرب يده اليسرى فقطعها فحنى على اللواء وهو يقول: (وما محمد إلا رسول)، فقتل ولم يوجد له كفن إلا نمرة إذا وضعوها على رأسه خرجت رجلاه وإذا وضعوها على رجليه خرج رأسه فجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر.

واعلموا عباد الله أن فضائل الصحابة رضي الله عنهم ظاهرة وكان لسبقهم سببان:

أحدهما: خلوص البواطن من الشك بقوة اليقين.

والثاني: بذل النفوس للمجاهدة والاجتهاد.

كان أبو طلحة يقول لرسول الله يوم أحد: نحري دون نحرك، وقتل يومئذ زوج امرأة وأبوها وابنها وأخوها فقالت: يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب.

فسبحان من خصهم بهذه الفضائل، وحرسهم من القصور والرذائل، وصلى الله على محمد وآله وأصحابه البررة وسلم تسليما