عزيزتي نحن لا نربي img_1314405049_428.g






تربكني كثيرا علاقتي المهنية مع زملاء العمل، وأجد أن الأغلب يسير بلا تخطيط لإنجاز أهداف عليا أو بناء إستراتيجيات بعيدة المدى – ولا أبرئ نفسي بطبيعة الحال- فالكل مشغول باللحظة المعيشة، ولا نفكر بأبعد مما نحن فيه، إنها مشكلة كبيرة ومعقدة أن يسرقنا العمر، ونكتشف بعد حين أننا لم ننجز شيئا، وأننا قد فشلنا فشلا ذريعا في أهم محور من محاور حياتنا، ألا وهو إدارة الذات والإفادة من فرصة الحياة وتربية الأبناء، فهل سنندم عندها؟ ولات ساعة مندم!
هكذا، أكتشفُ أننا جميعا غارقون في دوامة حياة تطحن أعمارنا بلا طائل، فأعز ما وهبنا الله سبحانه هم أبناؤنا، لا نحسن تربيتهم التربية التي يجب أن تكون، فنحن في حقيقة الأمر لا نربي أبناءنا، بل تنحصر مهمتنا في توفير طعامهم وشرابهم وكسوتهم، وكأنهم في مزرعة تسمين، وننسى أن لهم في أعناقنا واجبا لا يقل أهمية، بل هو الأهم إن أمعنا النظر، فليست مهمتكما أيها الوالدان تقديم أطايب الطعام وفاخر اللباس دون أن يصاحب ذلك شيء من قيم الحياة التي ترتبط بكل عنصر من عناصرها المادية؛ ليكون لحياة أبنائكما طعم، إن أبناءنا - فلذات أكبادنا كما تصورهم الشاعر القديم- يحتاجون إلى تغذية نفسياتهم التغذية الروحية المبنية على جماع قيم تقدس أهمية الوجود الإنساني والمشاعر الإنسانية، ولسنا آلات تصنع مالا خاويا من كل معنى.
فمن منا يحاور أبناءه ويجلس معهم، فيمدهم بروح من عنده، فيغرس بسلاسة الحب والحنان مجموعة من قيم الحوار والحرية والكرامة والصبر والتطلع نحو المعالي والارتباط بأعالي القمم والخروج من قماقم الخرافات والتوافه؟ من منا يتقبل رأي ابنه ويستمع إليه جيدا دون أن ترى العجلة في الحديث وإلقاء الأوامر المجردة والانزواء بعيدا والدخول في معمعة الحسابات والأشغال؟ من منا يحاول أن يبني شخصية اجتماعية في أبنائه ليحسن التعامل مع الأقران والأقارب والجيران؟ من منا يحسن بناء منظومة متصلة الغايات في أبنائه ترسخ منهجا قويما لديهم ينفعهم في حياتهم، فيتخرجون وقد أضحوا رجال فكر ورأي وتأثير وقادرين على القيادة؟ لعل كثيرا من القراء قد يستغرب أشد الغرابة من أن آباءنا وأجدادنا الطاعنين في خبرة الحياة معرفة وقدرا وقيمة كانوا أفضل حالا منا في تربية ما يعيلون، إنهم كانوا يرضعون أولادهم حليب القيم جرعةً جرعة مع كل رشفة حليبٍ من ثدي أم – وإن كانت أمية القراءة والكتابة- إلا أنها كانت تعلم علم اليقين، وتمارس دورها على أكمل وجه.
لعلها كانت تدرك بفطرتها التي فطرها الله عليها أن مهمة صناعة أبنائها تقع على عاتقها قبل غيرها، فكانت وهي تطعم أو تسقي أو تنظف كانت تغرس القيم لأنها كانت تقوم بما عليها وهي تعلم مآلات أفعالها، وليس مجرد فعل تقوم به، للتفرغ إلى ما سوى ذلك من أعمال يعلم الله كم كانت وبالا عليها وعلى مجتمعها، إنها كانت تغرس في أبنائها المستقبل؛ لتراهم بعد حين وقد أضحوا رجالا يقيمون للحياة وزنا ويقدسون قيمها، فينعتقون كما انعتق آباؤهم من وَهْم وهمّ التسمين والإغراق في أفانين المأكولات والمشروبات وأوهام أخرى كثيرة.
هذه هي الأم الحقيقية، فماذا كان الأب يصنع، ليرى أبناءه كما يحب ويشتهي، وليسوا مجرد عُجولٍ مسمنة على موائد عريضة، قد ينسى أحدهم أن يذوق بعض أصنافها، إن تصرفاته كأب كانت مختلفة اختلافا بينا، وكانت ذات غايات وأهداف أكثر نبلا، فلم يكن ذلك المشغول المنشغل الدائم اللف في دولاب الحياة ليوفر مالا أكثر، بل كان همه أن يوفر أمانا أكثر، فلم يكن يفارقه ابنه في حل أو ترحال، في رحلة صيد أو في غدوة إلى حقل أو مشوار إلى ساقية، كان هو الأقرب إلى ولده من كل صاحب وقرين سوء، ومن تلفاز ومذياع وحاسوب، كان تسليته وقرة عينه لا يفرح إلا بأن يكون لصيقه وحبيبه وكل أمانيه، كانا يروحان معا ويغدوان واحدا همهما واحد وهدفهما واحد، يقرآن الأفكار معا، ويتصفحان لوحة الحياة سوية.
يتجاذبان أطراف الحديث، فينقل الأب لكل ابن من أبنائه ما توارثه من صحيح القيم لحظةً لحظة بدوام واستمرارية، وبعملية سلسلة غير مصطنعة، طبيعية وعادية، ولها كبير الأثر، على الرغم من أن ذلك الأب الواعي فكريا وتربويا لم يكن يحمل من الشهادات سوى شهادة أهمية التربية والقيم، ولم تكن تأكل قلبه أوهام المعاش ومصاريف المسكن الفاره والسيارة الفارهة والمحمول آخر طراز والإنترنت وسرعته والكمبيوتر وجيله، ولم يكن يعيق حركته اليومية هموم التأخر الصباحي، ولم يكن يشغل باله الأكل في الطرقات شريدا طريدا ليستطيع اللحاق بركب الحياة التي تهرول فينا نحو الهاوية وبسرعة.
هنا بالضبط يكمن الخطر، في أن الحياة بكل ملهياتها وتسهيلاتها المدمرة قد أبعدتنا عن مهمتنا الأصلية، فلا الأم ترعى أبناءها الرعاية الصحيحة والسليمة، فكيف لها ذلك؟ وقد جعلت في أعلى سلم أولوياتها أن تخدم وظيفتها أولا بدعوى تحقيق الذات أولا، تلكم الدعوى الباطلة، فترى أن كل ما هو حولها قد سخرته لهذا الغرض، فهي لا تريد الفشل في وظيفتها، ولكنها ترضى وبكل فخر أن تدّعى مستكينة لأوهامها أنها لا تجد وقتا لرؤية أبنائها فتتحسر على حالها، وكـأنه قدر لا فكاك لها منه.
فقد أصبحت والحالة هذه لا ترى عيبا ولا محظورا منطقيا أن تترك أبناءها وهم أحوج لها رضعا ضعافا، في بيوت الجيران، وعند النساء الأخريات وفي دور الحضانة، ليمارس ضدهم عمليات المتابعة الحيوانية من أكل وشرب وتجنب أذى، فمن أين تأتيهم القيم، وقد تركوا بين الدمى والألعاب البلاستيكية؟ أين رابطة الحب والود والأمومة التي يجب أن تبنى لحظة بلحظة نفَساً نفَسا، ففقد الأبناء أهم مناخ يشعرهم بإنسانيتهم وأن لهم أما حنونا تهتم لأمرهم، وباتوا لا يعرفون إلا أن لهم امرأة تصرف عليهم (من دم قلبها) تدّعي أنها أم لهم شاءوا أم أبوا.
هكذا غدت الأمومة والأبوة حراسة ليلية، هذا إن حالف الأبناءَ حظٌ كون آبائهم وأمهاتهم موظفين نهارا فقط، ومن كان منهم تعيس الحظ محروم الأمان ليلا ونهارا من كان أبواه مشغولين بأعمال وارتباطات بعد ساعات الدوام، فيكون الأولاد ساعتئذ فريسة الوحدة والفراغ، فلا مفر إلا أن يتجهوا نحو الجنون الصامت والحقد الدفين والانحراف شبه الأكيد.
ماذا سنجني بعدها يا ترى؟ هل سيكون لنا أبناء يشعرون بأن لهم آباء لم يقصروا في مهمة التسمين، فيعطفون عليهم ويبرونهم؟ هل سننعم بهؤلاء الأبناء في الكبر فنفخر بأننا ربينا أبناءنا أحسن تربية؟ هل سيضعوننا غير آسفين في ملاجئ العجزة، لأنهم باختصار يتابعون الكرّة ويعيدون رسم الدائرة؟
إننا نحن السبب في ذلك السيناريو المرعب، قصرنا في الجانب القيمي والتربوي، شطحنا وراء أهواء المادة اللعينة، فكانت النتيجة التي لا تحمد عقباها، فليس عدلا عندها أن نلومهم على صنيعهم، فنحن من بذر تلك البذور ولن نجني من تلك البذور إلا الشوك، فلم يعد للعنب مكان ليثمر بين تلك الآفات الحادة، فقد انعدم الأثر، وخابت الأجيال، وتحطمت الآمال، وصرنا أكثر شقاء!!
فهل كنتم تصدقون أن حضارة زاهية المنتجات والمدنيات تفعل كل هذا؟ إنها الطامة الكبرى والخراب الأكيد، فليصحُ الجميع من كابوس الظلم الذي يقض مضاجع مستقبل أمة بكاملها، بل البشرية جمعاء، ولنكن آباء حقيقيين لأبنائنا، وأمهات بانيات مجد وصانعات تاريخ، فنعطي الأبناء ما يستحقون من رعاية وعناية، فهم هبة الله لنا، ولنتذكر أن كثيرين في هذا العالم من تسلى بالكلب والقطة لأنه حُرم من هذه المنة الإلهية العظيمة، فلا يكفرنّ أحدٌ بنعمة أُنْعِمت عليه، وليكن شكرنا لها بأداء حقها الواجب علينا ولازمِ أعناقِنا، وكفانا تنصلا من مسؤولياتنا ولنحافظ على أبنائنا، ليكونوا لنا قرة عين وأولادا صالحين يدعون لنا، وليس علينا بأن يعجل ملك الموت قبض أرواحنا ليرتاحوا من إرثنا الذي أورثناهم إياه!