من سورة لقمان للصف الثامن فهم واستيعاب

* هذه السورة الكريمة "سورة لقمان " من السور المكية ، التي تعالج موضوع العقيدة ، وتعنى بالتركيز على الأصول الثلاثة لعقيدة الإيمان وهي (الوحدانية ، والنبؤة ، والبعث والنشور) كما هو الحال في السور المكية .

التسمية:

سميت سورة لقمان لاشتمالها على قصة "لقمان الحكيم " التي تضمنت فضيلة الحكمة وسر معرفة الله تعالى وصفاته ، وذم الشرك ، والأمر بمكارم الأخلاق ، والنهي عن ا لقبائح والمنكرات وما تضمنته كذلك من الوصايا الثمينة التي أنطقه الله بها ، وكانت من الحكمة والرشاد بمكان ! .


[وإذ قال لقمان لأبنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ] أى وأذكر لقومك موعظة لقمان الحكيم لولده ، حين قال له واعظا ناصحا مرشدا : يا بني كن عاقلا، ولا تشرك بالله أحدا، لا بشرا، ولا صنما ، ولا ولدا

[ان الشرك لظلم عظيم ] أى إن الشرك قبيح ، وظلم صارخ ، لأنه وضع للشيء في غير موضعه ، فمن سوى بين الخالق والمخلوق ، وبين الإله والصنم فهو - بلا شك - أحمق الناس ، وأبعدهم عن منطق العقل والحكمة ، وحري به أن يوصف بالظلم والجهل ، ويجعل في عداد البهائم

[ووصينا الإنسان بوالديه ] أى أمرناه بالإحسان إليهما لا سيما الوالدة

[حملته أمه وهنا على وهن] أى حملته جنينا في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف ، من حين الحمل إلى حين الولادة ، لأن الحمل كلما ازداد وعظم ، ازدادت به ثقلا وضعفا



[وفصاله فى عامين ] أى وفطامه في تمام عامين
[أن أشكر لي ولوالديك ] أى وقلنا له : أشكر ربك على نعمة الإيمان والإحسان ، وأشكر والديك على نعمة التربية
[إلي المصير] أى إلى المرجع والمآب ، فأجازي المحسن على إحسانه ، والمسىء على إساءته ، قال في التسهيل : [أن أشكر] تفسير للوصية، واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله : [حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين] ليبين ما تكابده الأم بالولد، مما يوجب عظيم حقها، ولذلك كأن حقها أعظم من حق الأب

[وأن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما] أى وإن بذلا جهدهما، وأقصى ما في وسعهما ، ليحملاك على الكفر والإشراك بالله ، فلا تطعهما ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

[وصاحبهما في الدنيا معروفا] أى وصاحبهما في الحياة الدنيا ، بالمعروف والاحسان إليهما - ولو كانا مشركين - لأن كفرهما بالله ، لا يستدعي ضياع المتاعب التي تحملاها في تربية الولد، ولا التنكر للجميل

[واتبع سبيل من أناب إلي ] أى وأسلك طريق من رجع إلى الله ، بالتوحيد والطاعة والعمل الصالح

[ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون] أى مرجع الخلق إلى الله ، فيجازيهم على أعمالهم ، والحكمة من ذكر الوصية بالوالدين - ضمن وصالا لقمان - تأكيد ما أفادته الآية الأولى من تقبيح أمر الشرك [إن الشرك لظلم عظيم ] فكأنه تعالى يقول : مع أننا وصينا الإنسان بوالديه ، وأمرناه بالإحسان إليهما والعطف عليهما ، وألزمناه طاعتهما بسبب حقهما العظيم عليه ، مع كل هذا فقد نهيناه عن طاعتهما في حالة الشرك والعصيان ، لأن الإشراك بالله من أعظم الذنوب ، وهو في نهاية القبح والشناعة . . ثم رجع الكلام إلى وصايا لقمان فقال تعالى :

[يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ] أى يا ولدي إن الخطيئة والمعصية ، مهما كانت صغيرة، حتى ولو كانت وزن حبة الخردل في الصغر

[فتكن في صخرة أو فى السموات أو فى الأرض يأت بها الله ] أى فتكن تلك السيئة - مع كونها في أقصى غايات الصغر - في أخفى مكان واحرزه ، كجوف الصخرة الصماء ، أو في أعلى مكان في السماء، أو فى الأرض ، يحضرها الله سبحانه ويحاسب عليها، والغرض التمثيل بأن الله لا تخفى عليه خافية من أعمال العباد

[إن الله لطيف ] أى هو سبحانه لطيف بالعباد

[خبير] أى عالم ببواطن الأمور

[يا بني أقم الصلاة] أى حافظ على الصلاة في أوقاتها ، وبخشوعها وآدابها

[وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر] أى وأمر الناس بكل خير وفضيلة ، وأنههم عن كل شر ورذيلة

[واصبر على ما أصابك ] أى اصبر على المحن والبلايا ، لأن الداعي إلى الحق معرض لإيصال الأذى إليه ، قال أبو حيان : لما نهاه أولا عن الشرك ، وأخبره ثانيا بعلمه تعالى وباهر قدرته ، أمره بما يتوسل به إلى الله من الطاعات ، فبدأ بأشرفها وهي الصلاة، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن بسبب الأمر بالمعروف ، فكثيرا ما يؤذى فاعل ذلك

[إن ذلك من عزم الأمور] أى إن ذلك المذكور مما عزمه الله وأمر به ، وحث عليه ، قال آبن عباس : من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره ، وقال الرازي : معناه إن ذلك من الأمور الواجبة ، المعزومة أى المقطوعة ، فالمصدر بمعنى المفعول

[ولا تصعر خدك للناس ] أى لا تمل وجهك عنهم تكبرا عليهم ، قال القرطبي : أى لا تمل خدك للناس كبرا عليهم وإعجابا، وتحقيرأ لهم ، وهو قول ابن عباس

[ولا تمش في الأرض مرحا] أى لا تمش متبخترا متكبرا

[إن الله لا يحب كل مختال فخور] تعليل للنهي أى لأن الله لكره المتكبر، الذي يرى العظمة لنفسه ، ولتكبر على عباد الله ، المتبختر في مشيته، والفخور الذي يفتخر على غيره ! ثم لما نهاه عن الخلق الذميم ، أمره بالخلق الكريم فقال :

[واقصد في مشيك] أى توسط فى مشيتك ، واعتدل فيها بين الإسراع والبطء

[واغضض من صوتك ] أى اخفض من صوتك فلا ترفعه عاليا ، فإنه قبيح لا يجمل بالعاقل

[إن أنكر الأصوات لصوت الحمير] أى إن أوحش الأصوات صوت الحمير ، فمن رفع صوته كان مماثلا لها ، وأتى بالمنكر القبيح ، قال الحسن : كان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات فرد الله عليهم بأنه لو كان خيرا لفضلتهم به الحمير، وقال قتادة : أقبح الأصوات صوت الحمير ، أوله زفير وآخره شهيق .




البلاغة:

تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي :
1 - الطباق بين [شكر . . وكفر] .

2 - صيغة المبالغة [غنى حميد] وكذلك [لطيف خبير] و[فخور] لأن فعيل وفعول من صيغ المبالغة ومعناه كثير الحمد وكثير الفخر.

3 - ذكر الخاص بعد العام [بوالديه حملته أمه ] وذلك لزيادة العناية والاهتمام بالخاص .

4 - تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر مثل [إلي المصير] [لإلى مرجعكم ] أى لا إلى غيري .

5 - التمثيل [إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة] مثل ذلك لسعة علم الله لإحاطته بجميع الأشياء ، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها فإنه تعالى يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة .

6 -التتميم [فتكن في صخرة] تمم خفاءها فى نفسها بخفاء مكانها وهذا من البديع .

7 - المقابلة [وأمر بالمعروف ] ثم قال : [وأنه عن المنكر] فقابل بين اللفظين .

8 - الاستعارة التمثيلية [إن أنكر الأصوات لصوت الحمير] شبه المتكبرين الرافعين أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهيق ، ولم يذكر أداة التشبيه بل أخرجه مخرج الاستعارة للمبالغة في الذم ، والتنفير عن رفع الصوت .

تنبيه :
حين أمر تعالى بشكر الوالدين قدم شكره تعالى على شكرهما فقال : [أن اشكر لي ] ثم أردفه بقوله : [ولوالديك ] وذلك لإشعارنا بأن حق الله أعظم من حق الوالدين ، لأنه سبحانه هو السبب الحقيقي في خلق الإنسان ، والوالدان سبب في الصورة والظاهر، ولهذا حرم تعالى طاعتهما على الإنسان إذا أرادا إجباره على الكفر .