بسم الله الرحمن الرحيم

مقارنة بين قوله تعالى " لهم أجرهم " و بين قوله " فلهم أجرهم "
-ابن القيم-

الآية الأولى : (( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يُتبِعون ما أنفقوا منّاً ولا أذىً لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) سورة البقرة 262
الآية الثانية : (( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) سورة البقرة 247
طريق الهجرتين ج1/ص542
وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء (يقصد الآية الأولى) فقال : ((لهم أجرهم عند ربهم )) وقرنه بالفاء في قوله تعالى : (( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم )) ؛ فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تُفهِم معنى الشرط والجزاء ، وأنه مستحَق بما تضمّنه المبتدأ من الصلة أو الصفة
فلما كان هنا يقتضي بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره : جرد الخبر عن الفاء ؛
فإن المعنى : أن الذي ينفق ماله لله ولا يمنّ ولا يؤذي هو الذي يستحق الأجر المذكور ، لا الذي ينفق لغير الله ويمنّ ويؤذي بنفقته ، فليس المقام مقام شرط وجزاء بل مقام بيان للمستحِق دون غيره
وفي الآية الأخرى : ذكر الإنفاق بالليل والنهار سراً وعلانية ، فذكر عموم الأوقات وعموم الأحوال ، فأتى بالفاء في الخبر ؛ ليدل على أنّ الإنفاق في أيّ وقت وُجد من ليلٍ أو نهار ، وعلى أيّ حالةٍ وُجد من سر وعلانية فإنه سبب للجزاء على كل حال ، فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله ، ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار ، ولا نفقة النهار إلى الليل ، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر ، ولا بنفقة السر وقت العلانية ؛ فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت سبب لأجره وثوابه فتدبر هذه الأسرار في القرآن .