السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السعـــادة ليست لغزا ... فــ لنتعلمها

يحكى أن أحد التجار أرسل ابنه لكي يتعلم سر السعادة
لدى أحكم رجل في العالم ..
مشي الفتى أربعين يوما حتى وصل إلى قصر جميل علي قمة جبل ..
وفيه يسكن الحكيم الذي يسعى إليه ..
وعندما وصل وجد في قصر الحكيم جمعاً كبيرا من الناس ..
انتظر الشاب ساعتين لحين دوره ..
أنصت الحكيم بانتباه إلى الشاب ثم قال له :
الوقت لا يتسع الآن وطلب منه أن يقوم بجولة داخل القصر ويعود لمقابلته بعد ساعتين ..
وأضاف الحكيم وهو يقدم للفتى ملعقة صغيرة فيها نقطتين من الزيت :
امسك بهذه الملعقة في يدك طوال جولتك وحاذر أن ينسكب منها الزيت.
أخذ الفتى يصعد سلالم القصر ويهبط مثبتاً عينيه على الملعقة ..
ثم رجع لمقابلة الحكيم الذي سأله :
هل رأيت السجاد الفارسي في غرفة الطعام ؟ ..
هل رأيت الحديقة الجميلة ؟ ..
وهل استوقفتك المجلدات الجميلة في مكتبتي ؟ ..
إرتبك الفتى واعترف له بأنه لم ير شيئا فقد كان همه الأول
ألا يسكب نقطتي الزيت من الملعقة ..
فقال الحكيم : ارجع وتعرف على معالم القصر ..
فلا يمكنك أن تعتمد على شخص لا يعرف البيت الذي يسكن فيه ..

عاد الفتى يتجول في القصر منتبها إلي الروائع الفنية المعلقة على الجدران ..
شاهد الحديقة والزهور الجميلة ..
وعندما رجع إلي الحكيم قص عليه بالتفصيل ما رأى ..
فسأله الحكيم : ولكن أين قطرتي الزيت اللتان عهدت بهما إليك ؟ ..
نظر الفتى إلى الملعقة فلاحظ أنهما انسكبتا
فقال له الحكيم تلك هي النصيحة التي أستطيع أن أسديها إليك
سر السعادة هو أن ترى روائع الدنيا وتستمتع بها دون تسكب أبدا قطرتي الزيت.
فهم الفتى مغزى القصة
فالسعادة هي حاصل ضرب التوازن بين الأشياء
وقطرتا الزيت هما الستر والصحة ..
فهما التوليفة الناجحة ضد التعاسة.
يقول إدوارد دي بونو أفضل تعريف للتعاسة هو
" أنها تمثل الفجوة بين قدراتنا وتوقعاتنا "

اننا نعيش في هذه الحياة بعقلية السنجاب
فالسناجب تفتقر إلى القدرة على التنظيم رغم نشاطِها وحيويتها
فهي تقضي عمرها في قطف وتخزين ثمار البندق بكميات
أكبر بكثير من قدر حاجته..

فإلى متى نبقى نجري لاهثين نجمع ونجمع ولا نكتفي
ولا نضع سقفا لطموحاتنا يتناسب مع قدراتنا؟؟
إنا نملك اروع النِعم ، فهي قريبة هنا في ايدينا،
نستطيع معها أن نعيش أجمل اللحظات مع احبابنا
ومع الكون من حولنا ؟؟


هل السعاده اختفت ؟
ام نحن جيل لانعلم كيف نكون سعداء ؟

السعادة هي أن تمارس الأمور التي ترى أنت أنها باب نحو السعادة..
والسعادة هي مجموعة من الأشياء التي تعني لك قدرا لا بأس به
من الراحة والغبطة..
ابحث عن الأمور التي تعتبرها رمزا
هو وجه العملة الآخر للسعادة..

الكثير منا لو أخذ ورقة وقلما وكتب فيها الأشياء التي تسعده لوجدها عديدة
بل وأكثرها قريب من المرء ولن يجد كبير مشقة في تحقيقها
لكن المشكلة تكمن في وضع هذه الأمور موضع التنفيذ..
ولو قال قائل أننا لا نشعر ولا نجد طعما للحياة
فأجابه أحدهم قائلا
( لأنك لا تأتي ما تحب وتفعل ما لا تحب لكان صادقا)

تأمل اللحظات الجميلة في حياتك..
تذكرها جيدا..
ارجع بشريط الماضي واستحضره الآن..
سترى بأن اللحظات الجميلة ما كانت كذلك الا لأنك عشت خلالها ما تحبه فعلا..
فما تأتيه وما تتعايش معه + المعنى الذي تلصقه بهذه الأشياء
= الحالة النفسية الرائعة التي تكون عليها..

لنأخذ زيدا من الناس والذي يجد نفسه في القراءة والثقافة ومتابعة الجديد
من الكتب والمجلات الهادفة هو يعلم من نفسه انه كلما قرأ وتعلم شيئا
جديدا انه يرتقي في سلم السعداء درجة
( نقول درجة ولا نقول أصبح سعيدا)
انه بدأ خطوة نحوها
( ونقول خطوة )
لأنه بدأ ينفذ ما قررناه آنفا

إن مشروع السعادة يبدأ عند تمثل ما نحب وتطبيق ما نهوى..
وفي هذا المثال الذي ذكرناه سنرى انه بقدر ما يفرط في تكرار هذه الهواية المحببة
لديه بقدر ما سيجد نفسه مع الوقت يتأخر درجة عن الفرح والغبطة..
وهذا شيء مجرب فهناك من الناس لا يقدر على وصف سعادته حين
ينهي كتابا أو يسطر بحثا أو يكتب قصيدة أو أو

وقس على هذا مئات المجالات والسلوكيات والفرص والمحبوبات
التي هي مجال رائع لتحقيق السعادة..

أحد الشباب ذكر لي مرة : أنه أذا صلى الصلوات الخمس في المسجد
جماعة يقول (اعتبر نفسي في نهاية اليوم أروع إنسان في الوجود)
انه يحكي إحساسا حقيقيا وليس أحلاما وردية ا
نه فعلا يشعر بسعادة في أعماقه لماذا؟
لأنه يفعل ما يشعر انه فعلا شيء رائع بالنسبة له..

لا نحتاج إلى التذكير بأن السعادة والراحة والهناء القلبي لا يمكن أن يكون
في طريق المعصية والمنكر وإتباع الأهواء النفسية ..
بل هذه الأمور تحقق غالبا متعا حسية آنية وبقدرها يكون الألم الداخلي
وبحجمها يكون شقاء النفس
فينقلب المأمول ( السعادة ) إلى الضد ( الشقاء)
بل إن السعادة في حقيقة الأمر منوطة بتحقيق الإيمان في القلب
وتمثله في الحياة مع الاستمتاع بما أباحه الله في هذه الحياة
( ولا تنس نصيبك من الدنيا )

إن اليوم الذي تشعر فيه بالألم والتعاسة !
هو يوم لا يستحق منك أن تسبه أو تغضب منه..
بل الملامة ملقاة على عاتقك أنت..
تأمل هذا اليوم جيدا !!
ستجد انك بالفعل لم تقم فيه بعمل واحد مفيد في نظرك..
لم تعمل فيه أمرا واحدا تعلم انه سبيل إلى سعادتك..

واليوم الذي تشعر فيه بأنك تحلق بعيدا بعيدا وأنت في قمة الغبطة والانشراح..
ذلك لأنك أصبت الهدف جيدا..
فعرفت مصدر سعادتك وفرحك ثم وضعته موضع التنفيذ..

ولهذا تجدون أهل الكسل والخمول والفراغ هم أشقى الناس..
رغم راحتهم البدنية..
لماذا ؟ الإجابة واضحة
( لان السعادة كما قررنا مقترنة بالعمل والفعل ) لا على الخيال والأمل..
ضع ما تحب موضع الفعل واقترب مما يؤنسك تجد السعادة

السعادة ليست لغزا يحتاج إلى إعمال الفكر والخيال والتصور لمعرفة حله !
ولكنها امتثال.. وعمل.. وهمة ..
وبذل الجهد في سبيل تحصيل ما نحب..
وان كان كل مطلوب فلابد له من جهد فكيف بمطلوب هو شغل الناس
الشاغل هذه الأيام حتى صارت السعادة شبحا نسمع به
ولا نراه أو لا نعيشه !

يقول أحد السلف : انه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها طربا
وان كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم إنهم لفي عيش طيب ..
ويقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله :
إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة

ترى هل نتصور كم كانت قلوبهم ترقص فرحا ؟
ماذا كانوا يشعرون حينها ؟
كيف وصلوا إلى هذه المراتب ؟

ويعلم الله أني أعرف رجلا قال لي يوما ما بالحرف الواحد
( تأتيني لحظات أشعر أني أسير مع الناس بجسدي
وروحي تحلق في السماء)

هل أحسست عن أي شيء يتحدثون ؟